لطالما كان التفاعل بين الرجل والمرأة في الفضاء العام قضيةً مركزية في تاريخ المجتمعات البشرية؛ فبين منطق «الفصل التام» ومنطق «الانفتاح العشوائي»، يبرز مسار ثالث يصفه علماء الاجتماع بـ «المسار الطبيعي المتزن». هذا المسار لا ينظر إلى الوجود المشترك للجنسين بوصفه «مشكلة أيديولوجية»، بل كواقع فطري ووظيفة حيوية تضمن تكامل بناء المجتمع واستقراره. إن فهم هذا المسار يتطلب العودة إلى الجذور التاريخية وتفكيك النظريات العلمية التي فسرت كيف يمكن للمجتمعات أن توازن ذاتها دون الحاجة إلى جدران عازلة.

تؤكد الدراسات الأنثروبولوجية أن الأصل في التجمعات البشرية منذ فجر التاريخ هو «المشاركة» القائمة على الحاجة والإنتاج؛ ففي المجتمعات التقليدية، بما فيها مجتمع البادية والريف في السعودية قديماً، لم تكن المرأة تعيش في عزلة مكانية مطلقة، بل كانت شريكة ميدانية في الرعي والزراعة والتجارة. هذا النمط من «الاختلاط العملي» لم يكن يحتاج لتعريفات معقدة، بل كان محكوماً بـ»سلوم» وأعراف اجتماعية صارمة تضمن حماية المرأة واحترام خصوصيتها وتجعل من التحرش بها «عيباً أسود» يستوجب عقوبات عرفية مغلظة.

في العلم الحديث، تبرز نظرية «منطق الملاءمة» (Logic of Appropriateness) كأحد أهم الضوابط التي تحكم التفاعل البشري؛ حيث يميل الأفراد في البيئات المتزنة (كالعمل والجامعة) إلى اتباع قواعد سلوك طبيعية ومتوقعة بناءً على «الهوية المهنية» والرقابة الذاتية. في هذا السياق، تذوب النظرة «الشيئية» للجنس الآخر لصالح الاحترام المتبادل؛ إذ يصبح الوجود المشترك وسيلة لتحقيق غايات سامية كالإنتاج والتعليم، وليس غاية للعبث.

لعبت السوسيولوجيا دوراً حاسماً في تفسير جدوى هذا الاندماج عبر عدة نظريات؛ كالنظرية الوظيفية (Functionalism) التي يرى روادها مثل إيميل دوركايم وجورج سيمل أن المجتمع بناء متكامل، واختلاط أجزائه يخلق «كلاً جديداً» أرقى وأكثر إنتاجية، كما يساهم في تخفيف التوترات النفسية الناتجة عن الكبت والفصل القسري. ونظرية فرضية الاتصال الاجتماعي (Contact Hypothesis) التي صاغها جوردون أولبورت، وتؤكد أن التفاعل بين المجموعات تحت ظروف «التساوي في المكانة» ووجود «أهداف مشتركة» يؤدي إلى كسر القوالب النمطية وتقليل الريبة والتحيز. كذلك نظرية التفاعلية الرمزية (Dramaturgy) التي قدمها إرفينج جوفمان، وتصور الفرد في الفضاء المختلط كممثل يرتدي «قناعاً مهنياً» لإدارة انطباع الآخرين عنه، مما يخلق نوعاً من الرقابة السلوكية التي تضمن بقاء التفاعل ضمن الحدود الرسمية والأخلاقية.

لكي يحقق هذا المسار أهدافه، لا بد من توافر ثلاثة معايير أساسية؛ أولها المعيار القانوني؛ ووجود تشريعات صارمة تحمي الفضاء العام، مثل «نظام مكافحة التحرش» الذي عزز أمان البيئات المشتركة. والمعيار المهني؛ وتحويل الفضاء المختلط إلى بيئة عمل احترافية تلتزم بأخلاقيات المهنة، مما يلغي الغموض النفسي بين الجنسين. والمعيار القيمي؛ والمراهنة على «الحصانة الداخلية» والتربية بدلاً من «الجدران المادية»؛ فالعفة الحقيقية هي نتاج قيم راسخة وليست نتاج عزلة مفروضة.

رحلة المجتمعات نحو التوازن تثبت أن «الفصل القسري» هو الحالة الطارئة التي خلقت فجوات سيكولوجية واجتماعية، بينما «الاختلاط المنظم» هو العودة للفطرة التي توازن بين غريزة الإنسان وضرورات مدنيته. وكما يقول عالم الاجتماع جورج سيمل: «المجتمع هو نتيجة لفئتين من التفاعلات: الجذب والدفع.. وكما يحتاج الكون إلى الحب والكراهية، والجذب والتنافر ليكون له شكل، فإن المجتمع يحتاج كذلك إلى علاقة كمية من التوافق والاختلاف».

يظل الميزان الحق هو ما ينظم الفطرة بالشرع والقانون، والمجتمعات التي تنجح هي التي تحول علاقة الرجل بالمرأة من ساحة «صراع أيديولوجي» إلى بيئة «تكامل وطني»، ليضمن كرامة الجميع ويحفظ طمأنينة المجتمع.