: آخر تحديث

من أجهض انتفاضة 1991 3ـ -3

كان من الواضح أن قادة المعارضة العراقية ليسوا على رأي موحد أو موقف متماسك رصين مما يجري! 

كانوا مختلفين حول شكل الحكم المنشود ومبادئه وسياسته وقادته، يدخلون أحيانا في مشادات وملاسنات حادة! وبدا الأمر طبيعيا، فالمعارضةمكونة من تيارات مختلفة فيها العلماني واللبرالي والقومي ( العربي والكردي) والإسلامي،  وكم انتهتاجتماعات سابقة لهم في دمشق بعراك واشتباك بالأيدي على قضايا مثل: هل تستهل بياناتهم وأوراقهم بالبسملة، وحمد الله وشكره على نعمهعليهم!

في فترات اليأس أو الجمود أثناء النضال لإسقاط صدام كانت وتيرة التنسيق والتعاون بينهم جيدة نسبيا ، وبعد أن لاح عن قرب أن كرسي صدام سيكون شاغرا، واحتضنوا من دول عربية وأجنبيةوأغدقت عليهم أموال وتسهيلات ازدادت خلافاتهم واشتد الصراع بينهم حد التباعد والاحتراب،وبالطبع جميعهم بهذا القدر أو ذاك صاروا امتدادالمصالح وطموحات تلك الدول!

وكما استقيته من مصدر أثق به كان المقترح الرئيسي  في المؤتمر، الإطاحة بصدام ونظامه، ثم يتولى الحكم  مجلس انتقالي من ضباط  معارضين ونزيهين مع خبراء مدنيين مشهود لهم بالكفاءة والإخلاص ليمسكوا بمفاصل الجيش والدولة ويحولوا دون انهيارهما ثم يمهدون خلال فترة محددة لإجراء انتخابات عامة ووضع دستور ديمقراطي للبلاد! 

لكن محمد باقر الحكيم طرح شيئا آخر مناقضا، قائلا إنه يتحدث باسم الشيعة أصحاب المظلومية منذ عهد السقيفة وهم الآن في انتفاضة إسلامية سيطرت على كل مدن الجنوب، والمنتفضون يزحفون الآن إلى بغداد وسيحققون إرادتهم بحكم إسلامي وقادة إسلاميين ثوريين،( الذين هم في الواقع إيرانيون،وعملاء لإيران!) وإن هذا المؤتمر عقد لدعم انتفاضتهم. ويجب أن يبحث سبل ذلك! 

نقلوا عنه إنه حين تفند ادعاءاته وترد طروحاته المتطرفة بحجج الأطراف الأخرى ويوافق مكرهاً؛يذهب إلى جناح وفده حيث جلبوا معهم تلفونيا لاسلكيا خاصا ويتحدث مع طهران ثم يلغي موافقته ويعود لموقفه المتشدد!

استغرقت النقاشات طويلا دون التوصل إلى قرار يحظى بموافقة الجميع أو الأكثرية الحاسمة، إذ أصر الحكيم على رأيه وموقفه!

كان بوش يعلم القادة العرب إنه يريد  سرعة اتخاذ قرار حول موقفهم من وضع صدام ونظامه  وإنه لا يستطيع أن يبقى منتظرا إلى مالا نهاية!  

وكان القادة السعوديون يستطلعون عما وصل إليه المجتمعون  العراقيون وفي كل مرة كان الجواب إنهم لا زالوا يتناقشون ويتجادلون ولم يصلوا إلى قرار!

كانت الأجواء في المنطقة  في أعلى درجات التوتر، فرغم إخراج الجيش العراقي من الكويت لم تضع الحرب أوزارها بشكل نهائي ولا تزال مفتوحة على احتمالات عديدة! 

وكان من الواضح أن ذلك يلقي على المعارضين العراقيين مسؤولية اتخاذ قرارهم الصحيح والسريع حول مستقبل بلدهم بعد إسقاط النظام ولا يبقوا في جدل ونقاش محتدم . بعد يومين من النقاشات الحامية لم تخل من عراك وشتائم بينهم أعلن عن فشل المؤتمر، وبذلك ضاعت فرصة تاريخية كبرى كان يمكن أن تغير مسار تاريخ العراق والمنطقة! 

وتحدثوا أن الملك فهد أعلم الرئيس الأمريكي بفشل قادة المعارضة العراقية في الاتفاق على بديل لحكم صدام،وإن ودول الجوار لا يستطيعون  ضمان ماذا سيحدث للعراق إذا استلمه أناس متكارهون متصارعون، ولا يريدون له أن يقع فريسة لفوضى أو حرب أهلية، ونقلوا عنه أنه قال: ( شيطان نعرفه خير من ملاك لا نعرفه ).

لا يتحدث قادة المعارضة عن مؤتمر الرياض، لا يذكرون سوى مؤتمراتهم الفاشلة أيضا في فينا ولندن وشقلاوة! بينما هو أخطر من كل المؤتمرات التي سبقته أو تلته إذ كان منظورا ومحتضنا من قادة أهم الدول العربية والإسلامية إضافة لبوش ودوائر مستنفرة في أوربا ومجلس الأمن والأمم المتحدة وعقد في ساعة حسم تاريخية ، وكان هؤلاء المعارضون يستطيعون تحديد أو تشخيص البديل النوعي لصدام ونظامه بضمير صادق وبوحدتهم وإتلافهم لكنهم ضيعوا الفرصة بمداولات متراخية مترددة أعطوا فيها للحكيم ولإيران حق الرفض الكامل!  

سألت محدثي بهذه المعلومات في حينها : لماذا لم يتجاهل

المشاركون في هذا المؤتمر "فيتو" الحكيم لمشروعهم ويمضوا لإطاحة صدام ويستلموا الحكم ويبنوه وفق ما طرحوه من تصورات وطنية وديمقراطيةقال: ذلك كان موضع حيرتنا أيضاً نحن الذين تابعناالمؤتمر عن قرب. بعض من قادة المعارضة تحدث: إن النظام الجديد سوف لن يكون قويا بما يكفي لمواجهة التدخل الإيراني والجموع الشعبية المعبأة من قبل الحرس الثوري وقوات بدر التي أسست من قبل المخابرات الإيرانية في طهران  وتمرست في مقاتلة الجيش العراقي إبان حرب الخليج, ما سيؤدي لاندلاع حرب أهلية يطول مداها ولا أحد من دول المنطقة أو أمريكا مستعدا لخوض غمارها والغرق  في معمعتها! أحد العسكريين العراقيين الكبار قال : لا نريد أن نلطخ أيدينا بدم أبنائنا في الجنوب، ولا نستطيع ضمان هدوء سكان الجنوب وولائهم للدولة الجديدة ما دامت إيران ستواصل تحريضهم على التمرد والعصيان،لكنه من حيث يدري أو لا يدري ترك ذلك لصدام وأزلامه المتخصصين بالحملات الدموية والمهمات القذرة. 

بعض المعارضين في المؤتمر قالوا :إن أمريكا  لم تكن تريد إسقاط صدام ونظامه وادخرته لجولة أخرى تستنزف خلالها دول المنطقة لتبيعا المزيد من سلاحها الكاسد والمستعمل! آخر يقول أن بعض الدول في المنطقة أرادت العراق ضعيفا مستنزفا لا يستطيع النهوض وعليه أن يدفع الديون والتعويضات بينما هو قد لا يدفعها لو رحل صدام! وقد وجدوا في موقف الحكيم المتصلب العذر والمبرر لمواقفهم!

ومهما قيل في هذا الصدد يظل موقف الحكيم ومن يقف خلفه أهم أسباب فشل المؤتمر وما كان يراد أن يبنى عليه من تغيير للنظام في العراق!

إثرها أوعز بوش لشوارزكوف أن يبدأ مع صدام تلك المفاوضات التي جرت في خيمة صفوان والتي سمح فيها لصدام باستخدام  طائراته ( عدا ثابتة الجناح)!

بهذا قتلت الانتفاضة من داخلها بأيدي الإيرانيين  وعملائهم في قوات بدر وحزب الدعوة! ثم قتلت ثانية من خارجها بأيدي ضباط صدام وأزلامه كالمجرمين علي حسن المجيد وحسين كامل ومحمد حسن الزبيدي وطه الجزراوي وغيرهم!

عاد الحكيم إلى طهران متحدثا عن انتصارات تاركاً  أبناء الجنوب تلتهمهم  القبور الجماعية بوحشية صدام وخسته المعروفة! ومن حاول اللجوء إلى إيران صدهم الحرس الثوري على الحدود, لم يقبلوا أن يدخل إيران غير أولئك الذين أرسلوهم من الحرس الثوري واطلاعات وقوات بدر وعصاباتهم المختصة بالتدمير  والتخريب. فذهبوا باتجاه الأراضي السعودية وقبلوا هناك كلاجئين، واسكنوا في معسكرات الأرطاوية ورفحاء، حتى انتقلوا إلى دول غربية مختلفة، وليس غريبا أن كثيرا منهم اليوميمتدح إيران ويدين لها بالولاء ويشتم السعوديةخاصة بعد أن شرع لهم قانون خاص منحهم رواتب وامتيازات خيالية! 

سينكر كثيرون وكالعادة أن إيران ورجالهم آنذاك يتقدمهم محمد باقر الحكيم هم  من أجهض انتفاضة وطنية وضيعوا فرصة إسقاط صدام عام 1991 ، ولكن الواقع يؤكد أنهم كانوا يريدون الحكم لغاياتهم التوسعية الخاصة وليس لخير العراقيين ودليلنا على ذلك أنهم هم أنفسهم  أضاعوا الفرصة الثانية  في عام 2003 عندما تسلموا حكم العراق فمنحوه لطهران وملئوا العراق فسادا وتخلفا وظلاما ، وفتحوا حدود العراق مع إيران لتتدفق منها المخدرات والأدوية المسمومة والعملة المزورة وأدوات اللطم والتطبير تحت صور الخميني وخامنائي وبقية آيات الله، وتصبح بغداد كما قال أحد القادة الإيرانيين: إحدى عواصم خمس عادت لبلاد فارس! 

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه


عدد التعليقات 5
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. زرع الغرب
- GMT الأربعاء 15 أغسطس 2018 10:56
زرع الغرب كيانات عربية عنصرية في قلب الشرق الاوسط لاسباب ودوافع معروفة . السؤال المهم الان ..هل بامكان امريكا صيانة الكيان العراقي البغيظ الى اشعار آخر بعد فشل الانكليز ؟ ما مصلحة دافعي الضرائب او المواطن الامريكي البسيط في صيانة الكيانات العنصرية اللقيطة ؟
2. تقرير امريكي:
- GMT الأربعاء 15 أغسطس 2018 11:01
تقرير امريكي: عراقيون ينقلون الدولارات الى ايران عبر البِغال .
3. كيان خبيث
- GMT الأربعاء 15 أغسطس 2018 11:04
انهيار ايران مسالة وقت ....انهيار ايران يعني انهار الحكم الشيعي الدموي في منطقة العراق.
4. من أجهض انتفاضة 1991 ؟
- GMT الأربعاء 15 أغسطس 2018 11:07
من أجهض انتفاضة 1991 ؟؟ الجواب معروف ... الشيعة .اكثرية انصار حزب البعث شيعة .
5. بيان رقم 1
شوشو - GMT الأربعاء 15 أغسطس 2018 11:14
أصبت ايها الكاتب. كان يمكن أن تكون الانتفاضة حلاً ناجعاً لمشاكل العراق مع المجتمع الدولي. كان يمكن أن يرفع الحصار فوراً بعد سقوط النظام العراقي و حينها لم يكن هناك داعي لعملية الغزو الامريكي و ما رافقها من تدمير للبنية التحتية العراقية و ما تلاها ايضا من تخريب لما تبقى من البنية التحتية. واذا كانت ايران و ذيولها من افشل تلك الفرصة، فالسؤال هو لماذا لم تبادر الدوائر الامريكية و غيرها الى اسقاط النظام عبر دعم انقلاب عسكري يقوده ضابط عراقي غيور على وطنه يؤمن بشعار (ما باليد حيلة ولكن يجب ان يرحل صدام ليعيش العراق)؟ كان يمكن لبيان رقم واحد عراقي ان يغير الكثير.


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في رأي