قراؤنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

"حينما نقوم بكتابة رسالة نحاول ان تكون التعابير فيها منمقة وجميلة، وبعدها ننتظر رد الحبيب بفارغ الصبر، وبعد فترة مخيفة ترجع الرسالة مغلقة بظرفها كما هي، ومتسخة بآثار الأصابع، ومكتوب عليها بأن الحبيب لا يسكن في هذه الديار، فهذه خبرة كئيبة. أو أن يدق باب المنزل في وقت متأخر من الليل، لكي نرسل الخادمة لكي تفتح الباب، ولتكتشف بان الطارق ليس حبيب القلب، وهذه من أكثر الخبرات كآبة. أو أن يزورك شخص لا ترغب فيه، وتتظاهر بأنك نائم، ليأتي خادم يعرفه، ليوقظك من نومك الكاذب، لينظر لك الضيف كأنك خنزير مغمي عليه، فهذه أيضا مقابلة مزعجة. أو أن يستمر شخص تحبه، وهو في معيتك، يكرر ذكر اسم فتاة تعرف عليها سابقا، حتى لو كانت قبل فترة طويلة جدا، فهذه خبرة أخرى مقرفة. بل من المتعب أن يتركك عشيقك قريبا من الفجر، ليعود ليبحث عن مفكرته، ويقلب غرفة النوم رأس على عقب، وحينما يجد المفكرة يتركك وبدون اعتبار، وكأنك غير موجود، لتحس بالأسف لهذه العلاقة.

فمن المهم ان يعرف المحب كيف يرتب لحظة الوداع، فعليه أولا إلا يستعجل الخروج، وان يتظاهر بأنه حزين لترك حبيبته، بل بأن كانت رغبته ان يبقى فترة أطول، كما عليه ألا يرفع سرواله لحظة وقوفه، بل يجب عليه ان يقترب لاذن حبيبته، ويهمس، ليكمل ما بقي من نصف قول خلال الأمسية. وقد يبدو كل ذلك لا شيء، ولكنها تصرفات مهذبة، وهي أفضل من ان يبدو العشيق مشغول عن المحب بشد حزام سرواله. بل عليه أيضا أن يرفع ستائر غرفة النوم، ويخرج برفقة حبيبته حتى الباب، ليخبرها قبل الرحيل كم كانت تلك الليلة ليلة جميلة، والتي تلفها بزوغ فجر الصباح. وبينما يستعد العاشق المتيم للرحيل، على حبيبته أن تقف وتنظر إليه، وتتذكر لحظات تلك الليلة الجميلة. وفي الحقيقة بأن نجاح أية قصة حب تعتمد على طريقة ترك المحب لحبيبته.

وأنا شخصيا أفضل أن أفكر في الرجل العازب المحب كسائح قضى ليلة عذبة، وراجع مع بزوغ الفجر من رحلة غرامية، وقد يبدو ناعسا، ولكن ما أن يصل للبيت، يجلس على الطاولة، ويبدأ كتابة رسالة حب للصباح التالي، ولا أن يتسرع في كتابة رسالة سطحية، بل عليه ان يتفرغ لشرح شخصية حبيبته، ومدى عمق حبه، بل عليه قبل أن يبدأ الكتابة أن يلبس رداء اصفر ذهبي، فوقه عباءة بيضاء، لينهي رسالته. وبدل ان يعطي رسالة الحب والغرام لاحد بنات حاشيته لتوصلها لحبيبته، عليه أن يختار شاب وسيم مناسب لهذه المهمة، ليناديه ويهمس في اذنه، ويضع الرسالة بين يديه، ويستمر في مراقبته، وهو راكض ليختفي لبيت الحبيب.

وبينما ينتظر الحبيب المتيم الجواب، يكرر بعض أناشيد الكتاب المقدس، ليخبره الخدم بجاهزية ماء لغسل اليدين، مع عصيدة فطور الصباح، في الوقت الذي يلمح بعض الاشعار الصينية، لينشد بعد لحظة وأخرى بعض القصائد التي هو مولع بها. وبعد ان يستحم، ويلبس عباءته، وبدون سروال، يأخذ الكتاب المقدس "اللوتس" ويقرئه بصمت. وبدقة متناهية في لحظة عمق قراءته للكتاب المقدس، يرجع الرسول ومعه الجواب، ولغته جسمه تدل على انتظار الحبيب للجواب مباشرة، وبسرعة البرق يوجه المحب نظره عن الكتاب المقدس، ليكمل مهمة كتابة الرد للحبيب المتيم."

هذه صفحة ترجمتها من اللغة الإنجليزية من أحد أظرف كتب الادب الياباني وهو "كتاب الوسادة" الذي كتبته الاديبة اليابانية، سإي شووناجون، في عام 1002 ميلادية، وهي امرأة ملكت ذكاء خارق ولطف عميق، وكتابها من أجمل الكوميديا الأدبية في التاريخ الياباني. عاشت من عام 966 وحتى عام 1025 وكانت شاعرة وسيدة في القصر الامبراطوري، حيث خدمت الامبراطورة تإيشي، زوجة الامبراطور ايشيجو، الذي بدأت مسئولياته في الحكم وهو في السادسة من عمره، بعد أن تنحي والده عن الحكم. كما كان والدها وجدها شعراء في القصر الامبراطوري، وقد تزوجت ثلاث مرات.

وقد اهتمت النساء اليابانيات في تلك الفترة بكتابة الشعر والنثر باللغة اليابانية، بينما كانوا شعراء القصر من الرجال يكتبون الشعر وبفخر باللغة الصينية. وتعرض هذه الكاتبة الفذة في "كتاب الوسادة" خبراتها في الديوان الامبراطوري، كما كتبت الكثير عن الامبراطور تي إيش. وقد كانت تملك هذه الشاعرة ذاكرة فذة وتعبير دقيق لما عاشته ورأته في الديوان الامبراطوري، لتعبر في هذا الكتاب بدقة عن فترة تاريخية مهمة، كما تعرض في كتابها أحاديث وآراء ورسائل ونصائح.

وقد كان هذا الكتاب في الحقيقة عبارة عن مذكرات شخصية، لم تكن راغبة في نشرها، بل هي مذكرات صادقة لم تتوقع أن يراها أحد. وقد كتبت هذه الاديبة الكثير عن الحب والمحبين، ونصحتهم عن كيفية كتابة رسائل الحب، التي كانت تقدم للحبيب، مع باقة من الورد في ذلك الوقت. وقد كتبت هذه المذكرات في حوالي عام 1002، وقد ترجم هذه النسخة من اللغة اليابانية إلى اللغة الإنجليزية الكاتب الغربي ارثر ولي. ولنا لقاء.

طوكيو 30 يناير عام 2019