قراؤنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

في 13 نوفمبر من عام 2007 قامت جريدة إيفننج ستاندرد بالتعاون مع إحدى منظمات العمل المدني بتنظيم ندوة عنوانها "" هل يصلح الإسلام في لندن "" إشترك فيها عنايات بنجلاوالا مسلم متشدد من أصل هندي. و إد حسين المسلم الذي إستقطبه حزب المهاجرون بقيادة ورئاسة الداعية عمر بكري فستق الذي كان"" ُيطالب المسلمين الترويج علنا لأسلمة المجتمع البريطاني وتطبيق الشريعة لأن كلاهما واجبة الديني "" وعمل إد معه على إستقطاب الكثير من شباب الجامعات .. ولكنه وبعد 11 سبتمبر تراجع عن تفكيره المتشدد وعاد لينادي بالإعتدال ..الندوة كانت مع 3 من أكبر صحافيي لندن .. إحتدم النقاش والحوار حول الحريات التي تسمح للبريطانيين المسلمين القيام بكل ما يتناسب مع شعائرهم ودينهم .. نقاب وحجاب وحرية في بناء المساجد ومدارس إسلامية و أصر الصحافيون الثلاثة على هذه الحقوق المشروعة في الديمقراطية .. بقي إد وحيدا ُينادي بالعمل فقط بالتشريعات البريطانية والإعتدال؟

اليوم فقط إستطعت إستجماع عقلي بعد صراع رهيب ما بين أحاسيس متضاربة حين تسمّرت أمام شاشة التلفزيون الجمعة السابقة .. لم أشعر بالوقت ولكني شعرت بالدموع وهي تتساقط ..خذلني عقلي , ولميخذلني قلبي .. دموعي المنسابة بلا إرادة ولا عقل ..لم أبكي على المصلين المذبوحين وحدهم بل بكيت بحرقه على كل طفل سيعيش يعد هذه المجزرة..بكيت على المجازر التي سبقتها والمجازر التي ستلحقها .. بكيت على ضياع الإنسانية والضمير عند كل الإرهابيين .. تذكرت ُمصلين مصر والعراق في كنائسهم .. تذكرت ُمصلين مسجد فنسبري بارك في جامعهم َ.. تذكّرت مجزرة نيس الفرنسية ..وُمهاجم البرلمان البريطاني ..والطبيب ُمهاجم الحرم الإبراهيمي باروخ جولدشتاين عام 1994 .. لم أرى أي فرق بينهم .. كلهم إرهابيون فقدوا قيمة الحياة وقيمة النفس البشرية .. إبتدعوا وإحتفلوا بأبشع صور الموت ..بعضهم بإسم الدين وبعضهم بإسم حماية بلادهم .. ولكنهم يشتركون جميعا في فقدان إنسانيتهم التي حثت عليها كل الأديان ..

ُترى ماالذي حدث بين 2007 و 2019 لنواجَه جميعا بكل هذا العنف والكراهية التي إعتقدت الحكومات الغربية بإستئصالها بعد الحرب العالمية الثانية ؟؟؟ ما الذي أيقظها وأعطاها ُقدسية ..

تصاعد الخوف من قيم الغرب والتشدد في المحافظة على الهوية الدينية وفرض أسلوبها في الحياة ورفض الإندماج وإستغلال الحريات كلها لصالحها .. أضف إليها فكر القاعدة وصور ممارسات داعش البربرية؟ قابله تصاعد مواز لفكر اليمين المتطرف مستغلا المخاوف على قيمه وخوفه من الإسلام والمسلمين وإستعمله لتأجيج إستقطاب الناخبين لصالحه للوصول إلى السلطة .. وللحد من تدفق المهاجرون الذين يرفضونهم ُمسبقا كما يعتقد .... ومن يدري ربما طرد الآخرين؟

مجزرة نيوزلندا، بداية أم نهاية؟شاب في الثامنة والعشرين من العمر .. أكّد هذا الفكر المتطرف حين إعتقد في قدسية فعله الإرهابي كخدمة لكل الدول الغربية "" كنت أنقذ أوروبا من خطر الإحتلال الإسلامي "" آمن بتفوق الرجل الأبيض من خلال خطابات التمييز والكراهية التي صدرت خلال تصاعد اليمين المتطرف . وساهم في تغذيتها الرئيس الأميركي بدون أن يفطن إلى أن الكراهية وقود العنف .. رؤية الشاب الإرهابية قد تصبح (لا قدّر الله ) مثلا لأنماط أخرى من المتطرفين .. ولكنها أيضا لا تختلف عن رؤية وطموحات المنظمات المتطرفة خاصة حين إبتدعت هذه المنظمات حرب الهويات.. في دول صهرها التعايش وتقاسم لقمة العيش في هوية إنسانية تعلو هوياتهم المتعصبة سابقا.

ماقام به هذا الشاب ليس جنونا وليس عملا إنفراديا .. بل هو نتيجة تخطيط وتشجيع من كثيرين من المتطرفين البيض .. وقد يصبح دافعا للكثير من المتعصبين البيض. وأتمنى أن لا ُيقابَل بمثله من أي من المواطنين المسلمين.

على جميع الحكومات التحليل التام لكل ما جاء في المانفستو .. وفتح الحوارات والنقاشات التي تهدف لحماية كل المواطنين بحياد تام.. والعمل ضمن إستراتيجية مرتبطة بجدول زمني لوقف كل ما من شأنه إستفزاز أي من الطرفين .. في ذات الوقت الذي نناقش فيه بجدية وموضوعية كل ماجاء في أدبيات الجماعات الإسلامية المتطرفة.. والوقوف معا ضد كل أشكال الغلو والتطرف من كلا الطرفين ..

علينا جميعا تقبُل الحقيقة التي لا مفر منها .. وهي أن تعايشنا وتسامحنا هي الطريق الوحيد لضمان الحياة الآمنة .. والتوقف عن إستعمال صور الحروب التاريخية لبعث الخوف والكراهية .. قبول إختلاف القيم العقائدية وإحترام الحريات هي أول الطريق لهذا التعايش الآمن ..

الكف عن إستغلال خطاب الكراهية لدى القيادات السياسية .. الذي إستعمله أردوغان في أول أيام المذبحة لتأجيج مشاعر شعبة ضد أوروبا وإستقطاب المؤيدين له .. خاصة وهو يواجه النكسة الإقتصادية وترفض أوروبا عضويته إليها ..

أن لا نقوم بتجريد الفعل من دوافعة الأساسية .. بل نغوص في هذه الدوافع لدراستها والعمل على معالجتها ..ونرقى بأنفسنا بتثبيت كل الإيجابيات في العقائد الدينية .. ولا نجعلها تقف سدا أو عائقا في طريق تعايشنا ..

لقد فهمت حكومات العالم أجمع .. أهداف الجماعات الجهادية .. وعلينا الآن أن نغوص في تفكير الجماعات الغربية المتطرفة .. لنعرف الداء وأي من الأدوية أفضل لعلاج وباء الكراهية والعنف ..

علينا جميعا إحترام صلاة الآخر .. ولكن ليس معنى هذا أن نقيم صلواتنا في وسط الشوارع لتعرقل السير والمارة .. فهي حركات إستفزازية يعتبرها الآخر تحديا له ومظهرا من مظاهر الإحتلال.

وعلينا مسؤولية الوقوف ُمتكاتفين ضد الإرهاب .. سواء كانت جذورها فكرية أم أيدلوجية سنتحد في مواجهتهم في الشرق وفي الغرب .. لأنها ستقتل أبناؤنا جميعا .. لا نحتاج إلى ُمسكّنات .. بل نحن أحوج ما نكون للوقوف معا ضد الإرهاب وإستباحة حياة أبرياء .. التعايش يحتاج كثيرا من ضبط النفس .. والتفكير بهدوء في إستراتيجية مشتركة بين المجتمع المدني والحكومة .. لا نريد أية مرونة من الحكومات .. نريد يد من حديد تضرب جذور الإرهاب مهما تحايل وإتخذ أشكال مختلفة .. بمساعدة كل فرد في المجتمع .. على الحكومة واجب حماية كل فرد من مواطنيها .. بغض النظر عن لونه وجنسه ومذهبة .. وعلينا مساعدة الحكومات في ذلك لإنقاذ قيم التعايش والتسامح التي إفتقدناها في أوطاننا .. وأن نكون قدوة للشعوب في أوطاننا في المرونة والتسامح ووأد العنصرية .. علينا الإنتصار في معركتنا الذاتية في التصالح مع أنفسنا وفي إحياء ضمائرنا .. نلحقها بمعركة مع كل فرد يحاول إحياء هذه العنصرية بأي شكل سواء في الشارع أو في المدارس أوالجامعات وفي الفضاء العام .. أن نمد يد المساعدة لإخوتنا القادمين الجدد ُمبينين لهم أن إحترام قيم المجتمع الذي نعيش فيه .. هي إحترام لذواتنا ولديننا الذي حث على الإلتزام بقوانين الدول التي نعيش بها .. ونسترزق من خيرها .. في ذات الوقت الذي نمد فيه يد المساعدة للحكومة وحثها على إتخاذ كل الإجراءات التي من شأنها حماية مواطنيها الأصليين والقادمين الجدد جميعا بدون تمييز ولا عنصرية ..نريد خطابا عالميا من كل الدول العربية والغربية والهندية وكل العالم ُيجرّم خطابات الكراهية التي ساعدتها مواقع التواصل الإجتماعي على الإنتشار واللعب على عقول الضعفاء سريعي الإقناع لفرط حساسيتهم.

الموقف النبيل لرئيسة الوزراء والتضامن الشعبي ورفع الأذان في البرلمان النيوزيلندي ووضع النساء للحجاب ليس سوى تأكيدا لنصر المبادىء العلمانية الإنسانية .. في مساواتها بين جميع المواطنين وقبول هؤلاء المواطنين بهذه المبادىء .. لن يصمد إن لم يعمل المسلمون على المعاملة بالمثل .. والتخلي عن بعض المظاهر المستفزة وتأجيج المشاعر المعادية .. لأنها أصبحت حرب وجود.