الإحتفاء بذكرى رحيل قادة وزعماء تاريخيين تقليد محمود ومعمول به في مشارق الأمم ومغاربها لكن المذموم واللامعقول هو الإحتفال الرسمي بميلاد هذا الزعيم أو ذاك وبحسب تواريخ ميلاد كاذبة في الغالب الأعم على ما هو رائج فقط في جمهوريات الخوف والجوع كما في عراق صدام حسين وكوريا الشمالية وفي الحركات والأحزاب الستالينية والفاشستية ووفق طقوس طوطمية متخلفة ترقى إلى عبادة الفرد وتصنيمه وتحويله إلى خير مطلق في ظاهرة إستبدادية تقتصر على التجارب السياسية الأحادية المتخلفة الأمر الذي بات ملحوظاً في بعض المجتمع السياسي الكردستاني أيضاً مع بالغ الأسف.
فإختزال الشعب والوطن والقضية والبشر والحجر في شخص الزعيم الملهم وتحويله إلى ما يشبه مبعوث العناية الإلهية للإرتقاء بهذا الشعب أو ذاك وتصويره بمثابة أحد الرسل والأنبياء يمثل إيغالا في التقهقر وإعادة انتاج الميثولوجيات والخرافات البدائية في إطار آخر لا يقل رثاثة وتخلفاً واثارة للضحك حتى .
وعلى جاري عادة إقتداء الضحية بجلادها نشهد سنوياً في كل من كردستان العراق وكردستان سورية وياللمفارقة تفاقم هذه الظاهرة ففي الأولى ثمة عطلة حكومية رسمية بمناسبة مولد أحد الزعماء الكرد وقس على ذلك وفي الثانية نشهد وعلى مدى أيام من كل عام في مثل هذا الشهر ما يشبه الإستنفار العام للإحتفال باليوم التاريخي والإستثنائي لميلاد زعيم كردي آخر والذي لولاه لما بزغت شمس الحرية على الكرد ولبقوا أسرى واقعهم البائس على ما تتحفنا سرديات وخطابات المولد الميمون الذي يتحول إلى مولد شعب وأمة ... إلخ ما هنالك من هرطقات تمجيدية وتزلفية قوامها التقديس والتأليه وإسباغ صفات خارقة وقيم فضيلة كاملة على الزعيم الذي يتحول والحال هذه إلى قيمة عليا غير محسوسة وسامية عن الواقع المُدرك وتتحول نظرياته وفلسفته كما يحلو لمريديه القول إلى إكسير الحياة والفانوس السحري والناموس المؤطر والناظم لفهم التاريخ وقراءة الواقع وإستشراف المستقبل فهو معنى الوجود ومبناه حتى أن لا حياة بدون القائد حسب الشعار الشهير والأثير الذي تُعرف به حركة كردستانية تُعتبر رائدة في صناعة عبادة الفرد وتقديسه وطوطمته والذي يختزل عمق مبلغ الكارثة .
والطامة الكبرى ليست هنا فقط فبعد أيام قليلة من أسبوع الإحتفالات وإحتلال الفضاء العام وإخراج الناس للساحات للتهليل والتراقص مع زيادة جرعة وعجقة صور الزعيم في مداخل المدن ومخارجها وأزقتها وحواريها والمطبوعة حتى على قوالب الحلوى ( الكيك ) وكأننا حيال أعياد ميلاد تُنظمها هذه الأسرة أو تلك لأحد أفرادها فكأن المراد هنا الترميز إلى العائلة الكبيرة والأم أي الشعب بل الشعوب التي تحتفي بميلاد علة وجودها ونافخ الروح فيها كما لا تفتىء البروباغاندا الحزبية التأليهية الترديد بشكل مثير للغثيان.
فالزعيم ما عادت فلسفته العظيمة وفتوحاته الفكرية وقدراته الهائلة مُتناسبة مع حجم شعب واحد أو قضية بعينها بل هو قائد الشعوب والبشرية جمعاء وهكذا فبعد الإحتفالات الصاخبة والمسيرات المسبحة بحمد الزعيم والمتغنية به تبدأ بعد أيام معدودات طقوس الحزن والكمد لكن هذه المرة على والدة الزعيم التي في ذكرى وفاتها تُعقد الندوات والمراسيم للبحث في مناقبها وفي إستثنائيتها كونها أم الزعيم وتاليا أم الشعب فشر البلية ما يضحك إذ مع كل الإحترام لها ولكل أمهات العالم وللأمومة كمنظومة قيمية سامية ومتكاملة لكن هذه الطقوس النفاقية والعبودية تُسيء بالدرجة الأولى إلى عدالة ونصاعة القضية الكردية وإلى من يتم تقديسهم ورفعهم فوق سوية الناس وإلا فما المنطق والعقل في الإحتفاء بذكرى الرحيل هذه ؟.
ثمة إيغال في السوريالية والتفاهة والرثاثة والإبتذال فالزعيم الجنوب الإفريقي الكبير نيلسون مانديلا ترك كرسي الرئاسة بعد دورة واحدة لكن في ربوعنا علينا الإحتفاء حتى بعيد ميلاد الزعيم وبالمناسبات الخاصة بأقاربه في سابقة ننفرد بها إذ حتى في أعتى تجارب عبادة الفرد لم يسمع أقله كاتب هذه السطور بهكذا شيء باعث على الضحك الأسود.