قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

كما تكون التساؤلات عبارة عن أثافي أساسية ترتكز عليها الكثير من الأبحاث والدراسات في أي حقل من الحقول المعرفية، وكما كانت النواة الأولى والخلية الرئيسية في الفلسفة هي التساؤل، كذلك كان تساؤل الصديق (كرم ربيع)، دافعاً رئيسياً لديّ لأن أعود إلى الزمن الذي عاش فيه كل من المتصوف حسين بن منصور الحلاج والشاعر أبو نواس، حيث النقاش كاندائر حول سبب قتل الحلاج كرجل تقي ومتصوف ونبيل، بينما لم يقترب أحد من أبو نواس صاحب السكر والعربدة وتاريخه عامر بالعهر والمجون.

وهو ما دفعنا للعودة إلى المدونات المكتوبة عن الشخصيتين المذكورتين أعلاه، وبالتالي التوصل المبدئي لتصورٍ مفاده بأن حالنا في الزمن الراهنمن جهة التخلف الاجتماعي والنيل من الأفاضل وإعطاء الحرية الكاملة لأوباش المجتمع، ومن ثم المسارعة إلى تكفير الآخر بناءً على المصلحة أو الهوى لا يختلف عن حال الناس في تلك المرحلة التي عاش بها الحلاج، كما أننا بعد العودة الى مدونات السلف استنتجنا بأن السبب الرئيسي لصلب الرجل ليس موضوع الخروج عن الدين أو الكفر، إنما الدافع الأبرز لنحره كان السلطة وتلفيقات الحائمون في فلكها، وذلك لأسباب سياسية صرفة، ويمكننا القول بأن الحلاج لم ينل ما ناله إلاّ بناءً على حسه الإنساني الرفيع، والمواقف الشجاعة له في اعتراضه على ظلم السلطة ودفاعه المستميت عن المظلومين، وتأييده لثورات الزنوج والقرامطة ضد الخليفة العباسي، إذ تؤكد المرويات بأن الحلاج كان يتجول فى أسواقالبلاد، فينتقد الأوضاع السائدة فى عصره دفاعاً عن العامة، نظراً للمعاملة القاسية التى كانوا يلقونها حينذاك من عسس الدولة ومتنفذيها وأبواقهاوالمستفيدين منها، كما كان دائم الحديث عن إصلاح أحوال العباد والحكام، فهو بالتالي ما كان مصدر إنزعاج لدى محبكجية (المزاودين) الخليفة في زمانه، فدبروا له مكيدة خسيسة من مكائدهم، وحوكم على إثرها محاكمة شكلية، بعد اتهامه بالإلحاد والزندقة، حيث اتُّهم بالسحر وادعاء الألوهية، علماً أنه وفق المرويات التاريخية أنه أثناء محاكمته الجائرة قال الحلاج: "ما لكم أن تتهمونى بما يخالف عقيدتى، ومذهبى السنة، فالله الله في دمي".

عموماً فما فعله جلاوزة السلطة بالحلاج ماضياً، هوعين ما فعله أتباع تنظيم داعش راهناً ولعدة سنوات في سورية والعراق، فهم عدا عن حربهم المفتوحة على الأيزيديين ومن بعدهم المسيحيين، حاربوا كل المتنورين من المسلمين، فانتهكوا أعراضهم وهدروا في مناطق سيطرتهم دماء كل من لا يسير وفق نهجهم الدموي، وذلك بأحكام أخرجوها من جيوب المنفعة وأهوائهم الإيمانية، مخالفين فيها آراء الملايين من أنصار نفس المذهب والكتاب الذي يذبحون الغير بسيفه، وذلك اعتماداً على بعض الأحاديث الواردة فى كتب التراث والتي ربما نجد عشرات الأقوال التي تبرِّر اللجوء إليها حينها وليس العمل بها في الوقت الحاضر، وبالتالي الأخذ ببعض الآراء الفقهية والتفسيرية لأئمة مثل:"ابن تيمية" و"ابن باز" والتي لا تحرم قتال الآخر على عمومه، واللجوء إلى نسخ حكم آيات ترسخ لشن حروب دينية تبيح الدماء باسم الدين، فى مقابل إثبات حكم آية واحدة، أي آية السيف الآمرة بالقتال؛ ولو كان ذلك مخالف لكل الأعراف والمواثيق الإنسانية الراهنة؛ ولكن من يمنع الدواعش من جرائمهم بينما رصيدهم تعاظم بالأهواء الشخصية مع الدعم اللامحدود منالسلطات الاقليمية، وتضخّموا نتيجة الإلتفاف المحلي حولهم، هذا في حال إبعادنا قصة الدعم المالي واللوجستي الذي تلقوه من أجهزة مخابرات الدول.

والجانب الآخر من الشبه بين حالنا راهناً وحال الناس في المنطقة منذ قرون خلت، متعلق بعادة الثأر التي لا تكون عادةً إلاّ بحق أفاضل المجتمع ورواده ومتنوريه، ولا يتم القصاص من أوباشه ومنتهكي أعراض الأوادم فيه كما من المفترض أن يكون، وكما كان بالضبط في زمن الحلاج ومن كانوا على خلاف أخلاقياته، إذ أن المجتمعات المعاصرة في بلادنا ورغم كل التطور الحاصل فيها من جهة الاتصالات والتكنولوجيا وعلوم الإدارة، إلا أن ثمة جانب واحد بقي على حاله، ولم يتحسن أو يتطور ذلك الجانب في حياة المواطنين الذين تغيرت كل أنماط حياتهم باستثناء ذلك الجانب المتعلق بالتخلف الاجتماعي، ألا وهي قضية الثأر، إذ معروف في العرف العشائري أو القبلي أنهم في حالات الصراع الدموي الذي يفضي إلى قتل أحدهم بيد فاعلٍ واحد أو فاعلين منتمين لعوائل أو عشائر أخرى، أنهم لا يقتربون من الأوباش أو الحثالات في العوائل أو العشائر الأخرى، إنما يختارون مفخرة تلك العائلة أو العشيرة ليقوموا بتصفيته، وبناءً على المفاضلة اللعينة بين النبيل والدنيء، لا يتم إلاّ اختيار أفضل الخَلق اجتماعياً أو سياسياً أو علمياً أو خُلقياً من الطرف الآخر حتى يتم هدر دمه تأكيداً على التمسك بعرف الثأر الجائر، والحالة هذه فكأن ثمة جينات داخلية في بنية المجتمع تحث على التقهقر والانشداد نحو السلف ليس حباً بالزاهي والقيّم لديه، إنما الحنين لا يكون إلاّ إلى أسوأ ما توارثناه عنه، وكأن ثمة ما يحض أبناءالحاضر إلى التخلص ممن كان نبراساً كل همه المضي للأمام، وذلك كرهاً بالتقدم وحباً بالاِرتكاس، لذا ومن باب الحفاظ على موروثات التخلف ولكي يثبتوا تعلقهم بكل ما كان من الغابر يقومون من فترة إلى أخرى بقتل الرموز المتطورة، لئلا تنقطع أواصر العلاقة مع المنصرم بكل ما فيه من الأوبئة، حيث يُظهرون من خلال ممارساتهم تلك بأن الماضي نفيسٌ بأكمله، ولا ينبغي التخلص من أي جزئية منه مهما كانت تلك الجزئية مناهضة لكل القيم الإنسانية وحضارة العصر الراهن.