يقدم الشاعر والباحث د.حاتم الجوهرى "نبوءة خراب الصهيونية: العدمية فى الأدب الصهيونى، بين الأزمة الوجودية وصحوة العربى"، فى كتابه الجديد الصادر عن دار روافد تصورا يتنبأ فيه بخراب وانهيار دولة المشروع الصهيونى "إسرائيل". وقد اعتمد في ذلك على كتابات النخبة الإسرائيلية ذاتها، ومن داخل الأدب الصهيونى والمصادر العبرية الفكرية والثقافية الأصلية نفسها، ولم يقدم تصوره هذا استنادا لفكرة أيديولوجية مسبقة أو حماسة عاطفية وفق مرجعيات هويَّاتية ذاتية تتمركز حولها. حيث يسلط الضوء على تيار جديد فى المشهد الصهيونى الثقافى والأدبى والسياسى، وهو تيار: "الصهيونية الوجودية" وتبنيه - فى أدبه وطرحه الفكرى- للاختيار العدمى ونبوءته التى رصدها الباحث كظاهرة ووسمها عبر كتابه بـ "حتمية خراب الدولة وتفكك المشروع الصهيونى، ذلك الخراب الكامن والمؤجل والموقوت".

ويشير المؤلف إلى أنه تاريخيا ظهر تيار "الصهيونية الوجودية" للوجود حين انشق عن تيار "الصهيونية الماركسية" بعد إعلان الدولة وقرار تقسيم فلسطين عام 1947م، وعلى أثر الفظائع والمجازر التى حدثت فى حق العرب الفلسطينيين من عمليات طرد وترويع وإرهاب وقتل بدم بارد فى حرب عام 1948م.
الكتاب في جزئه النظري وضع عدة ظواهر داخل الأدب الإسرائيلي تحت مجهر الاختبار والبحث عن السياق والدلالة من خلال منهج النقد الثقافي، ومن هنا اهتم بالتعامل مع فكرتي: الحداثة وما بعد الحداثة وأثرهما وانعكاسهما على الأدب العبري الحديث؛ لتختبر فرضية أن "الصهيونية الماركسية" واكبت مشروع الحداثة الأوربي، والبحث عن مخرج للمسألة اليهودية عن طريق العقل البشري، وكذلك اختبر فرضية أن تيار "الصهيونية الوجودية" وتوجهه العدمي؛ يأتي في سياق مرحلة ما بعد الحداثة الأوربية والتمرد على العقل والمعايير المنطقية بعد فشل هذا العقل في دوره المنوط به.
تفكك "الصهيونية الماركسية":
يقول المؤلف أن هذا الاتجاه تأثر بفكرتين رئيسيتين وكانا هما الدافع الأساسى وراء ظهوره، الأولى: تفكك أيديولوجية التيار السياسية الأم (الصهيونية الماركسية لمؤسسها بيرخوف) ونهايتها بلا عودة، والتى كانت تقوم على مشروع للاحتلال التقدمى المزعوم، يبدأ باحتلال فلسطين بمستوطنات ذات طابع جماعى عمالى ماركسى، ثم تنشر النخبة السياسية لهذه المستوطنات فكرها الماركسى الصهيونى، بين السكان العرب الفلسطينيين وتستقطب منهم من يقبل بفكرة دولة مشتركة بين الاحتلال الصهيونى الوافد وبين السكان الفلسطينيين فى مرحلتها الأولى، وفى مرحلتها الثانية ما بعد التأسيس تنتقل للمشاركة فى العمل السياسى العمالى الماركسى العالمى، وهو ما حدث عندما استجاب كوادر "الصهيونية الماركسية" لمطالب منظمة الأممية الشيوعية الدولية (الكومنترن) فى موسكو لقبولها فى عضويته فى عشرينيات القرن العشرين، ووضعت فى الواجهة بعض الفلسطينيين الذين تم استقطابهم للأيديولوجية (وهو ما مثله واقعيا حزب عمال صهيون "بوعلى زيون" عبر تطور مسمياته وانشقاقاته التنظيمية المختلفة، خاصة مرحلة تعريب الحزب واستقطاب وضم الكوادر الفلسطينية وتسميته: الحزب الشيوعى الفلسطينى، مرورا بانشقاقات العرب التنظيمية عنه واستعادة معظمهم لوعيه الذاتى، وتبنى الأغلبية اليهودية تسمية: الحزب الشيوعى الإسرائيلى قبولا بقرار تقسيم فلسطين.. إلى آخر الانشقاقات الفكرية والتنظيمية لكوادر "الصهيونية الماركسية" التاريخية فى فلسطين المحتلة). إنما مثل قرار تقسيم فلسطين نهاية العالم ونهاية الأيديولوجيا عند قطاع من تيار الصهيونية الماركسية، لأنه يعد ضربا فى مقتل لأيدولوجيته عن دولة مشتركة بين العرب واليهود، وكان هو المؤثر الأول فى تبنيهم للإتجاه العدمى.
الفكرة الثانية أزمة "السلب الوجودى" وحتمية "الإنتفاضة الوجودية" للعربى، والتى أثرت فى تشكل تيار "الصهيونية الوجودية" أو "الصهيونية العدمية"، هو تيقنهم من أن "السلب الوجودى" والتهميش الذى تعرض له العرب الفلسطينيين أثر الاحتلال الصهيونى وفظائع وجرائم إعلان دولة "إسرائيل" بفكرتها عن "الوجود المتفوق" والهيمنة الوجودية على الفلسطينيين، وكامل البلاد العربية ومنطقة الشرق الأوسط وتحالف دولة المشروع مع القوى السياسية الغربية تحت مشروع الهيمنة و"السلب الوجودى" ذاتهما؛ لابد سترتد على أصحابها فى "يوم قيامة" مؤجل وقادم لا محالة.. يحمل الخراب والدمار للمشروع الصهيونى، لتسيطر فكرة انتظار "الكارثة" أو "الخراب الحتمى" على فكر أفراد هذا التيار، وهو ما نتج عنه تبنيهم لحياة عبثية تفتقد للمعنى والجدوى، وأصبحت فكرة العدمية والقلق الوجودى المستمر هى الفكرة المركزية عندهم للوجود فى المشروع الصهيونى.

أدب نهاية العالم وخرابه
(الأبوكاليبس والدستوبيا والعبث):
ويرى الجوهري أن التمثل الرئيسى لهذا التيار فى الأدب والثقافة والفنون كان دون السياسية، فمع قرار التقسيم وأحداث القتل والترويع والترهيب والطرد، وصل أفراده لمرحلة اليأس من العمل السياسى والحزبى فى ظل تيقنهم من الخراب الذى ينتظر المشروع. وظهر تمثلهم بشكل رئيسى على المستوى الأدبى، حيث تبنى هذا التيار عدة أفكار رئيسية منها: فكرة "الأبوكاليبس" أو "أدب نهاية العالم" أو "أدب يوم القيامة"، "أدب الرؤى" الذى يتوقع المستقبل المظلم ويستحضره دائما. فكرة "الدستوبيا" أو "أدب المدينة الفاسدة"، ردة على "أدب اليوتوبيا" الذى كان يبشر به الصهاينة الماركسيون الأوائل "الرواد" (الحالوتسيم)، حيث أصبح المجتمع الصهيونى عندهم هو المجتمع الفاسد الذى ينتظر الكارثة الحتمية والتى لا مفر منها. ناهيك عن التشابك والتأثر الشديد الذى حدث بين اختيارات تيار "الصهيونية العدمية"، وبين حالة الصدمة واليأس فى أوربا ما بعد الحرب العالمية الثانية، والتى بزغت فيها "الوجودية" السارترية بأفكارها عن الفردية والتمرد على الموروث والتاريخ وكل الأنماط الفكرية الجاهزة، فتأثرت حالة ما يعد إقامة الدولة الصهيونية عند العدميين الصهاينة بحالة مجتمع أوربا ما بعد الحرب العالمية الثانية، وامتد التأثر إلى كافكا وألبير كامو، وغيرهما.

مصدر الأزمة والشعب الترانسندنتالى
ويشير الجوهري إلى أن الشاعر الصهيونى اعتقد أن فكرة "التعالي اليهودي" هى مصدر الصدام اليهودى الوجودي المستمر مع الآخرين عبر التاريخ؛ وقرر الشاعر أن مصدرها ينبع من موروث اليهود وتفسيرهم لعقيدتهم الدينية الخاصة، كما هاجم الشاعر الأفكار الرئيسية لـ "الصهيونية الدينية" والتى تمثلت فى: الاختيار أو الاصطفاء (شعب الله المختار)، الوعد بالأرض المقدسة (أرض الميعاد)، الخلاص و"الماشيح" اليهودي الذى سيأتي آخر الزمن ليعيد اليهود إلى أرضهم المقدسة ويمكنهم فى الأرض. ولهذا اتخذ "أفيدان" موقفا عدوانيا ساخرا من العديد من رموز وتمثلات الفكر الديني باعتبارها – على عدة مستويات – مصدرا للخراب والصدام الوجودي المستمر مع الآخرين (الأغيار)، فسخر الشاعر من "إله إسرائيل" ذلك الرب الذى يصورونه داعما للعنصرية والقتل والحرب والدمار والصدام الوجودي الذى لا نهاية له. ومن المهم الإشارة لفكرة "صيرورة الصدام الوجودي" هذه التى يضعها الشاعر على حساب "التعالي اليهودي" والتى كانت من الأسباب الرئيسية لاعتناق الشاعر الفكر العدمي والعبثي؛ لعجزه عن تغيير هذه العقلية وتفكيك روافدها التراثية والدينية عموما! كذلك انتقد الشاعر العديد من قيم التراث اليهودي، مثل فكرة: الشعب المقدس – أرض الرب – شعب الكهنة؛ مسقطا ذلك فى بعض الأحيان على الواقع اليهودي السيئ على أرض الواقع حاليا، فى فلسطين وداخل حياة المستوطنين اليهود فى المشروع الصهيوني، الذى من المفترض أنه يمثل طوق النجاة وحلم كل يهودي فى الشتات.
الحياة العبثية
ويضيف الجوهري "كما نجد أن الشاعر قد انشغل بالمصير وجدوى الحياة وأزمتها، وشعر بغياب طريق النجاة والخلاص؛ فكان ذلك هو قلب الحالة الشعرية عند "أفيدان"، حيث خيمت على عالمه الشعري فكرة: الوجود والحياة العبثية التى لا طائل من ورائها، والتى يقيدها الواقع عن إيجاد مخرج لنفسها مما هى فيه، وارتكزت التجربة الوجودية عند أفيدان حول: الفقد وانتظار النهاية والكارثة المحتومة للمجتمع والدولة الصهيونية. فانشغل الشاعر دائما بالسؤال المصيري والبحث عن دوافع الوجود وجدوى الحياة، وشعر دائما بحالة من العبثية تسيطر على الوجود الصهيوني بمجمله على أرض فلسطين، والأدهى أنه شعر بحتمية هذا المصير العدمي والنهاية المأساوية التى تنتظر دولة "إسرائيل". وكان وجوده واختياره الفردي الذاتي احتجاجا على خراب الوجود الجماعي ومصيره المؤجل بالهلاك والمحكوم عليه بالصدام، فكانت "الوجودية الصهيونية" عبثية وعدمية فى شعورها باستحالة وجود واستمرار فكرة الجماعية الصهيونية بسبب تاريخها الصدامي ووجودها الذى جاء على حساب الوجود الفلسطيني أساسا، فشتان بين الاعتراض على حالة الوجود العامة وعجزها عن التفوق والوصول لحالة مثالية فى تيار الفلسفة الوجودية عامة، وبين الاعتراض القائم على النفى واليقين من خراب العام والجماعي الصهيوني؛ الذى ربطه أفيدان دائما بالصدام المؤجل مع الفلسطينيين.

الكارثة المنتظرة
ويوضح "صارت فكرة النهاية و"الكارثة" المنتظرة تطارد "أفيدان" فى كتاباته، واحتلت "الأبوكاليبسية" مساحة شعرية مهمة عنده، فكان الشاعر كالشخص الذى يتنبأ بأحداث النهاية، وكان دمار "الدولة" هو الهاجس الذى يطارد "أفيدان"، واستحضر العديد من الحالات التاريخية التى سكنت ذاكرة الشخصية اليهودية؛ وتعرض اليهود فيها للدمار والشتات الجماعي مجددا، ففى العديد من القصائد توقع أفيدان خروج المستوطنين الصهاينة من أرض فلسطين، ورجوعهم لحالة "اليهودي الرحالة" الذى يهيم فى الأرض دون مستقر.. واستخدم الشاعر بشكل ملحوظ عدة رموز للدلالة المباشرة على "إسرائيل" أو "الدولة" أو "الصهيونية" أو "المجتمع"، وارتبطت كلها بالحقل الدلالي لفكرة: البيت، فاستخدم: الجدران – الحوائط – البيت – البوابة - الباب، وكثيرا ما تحدث أفيدان عن سقوط الجدران وانهيار حوائط البيت! فى إشارة لسقوط الصهيونية ووجودها على أرض فلسطين، وكان السؤال الوجودي شديد التكرار فى أشعاره: من أين! وإلي أين!

صورة العربى
ويرى الجوهر تأثر تناول "أفيدان" لصورة الآخر العربي أيضا بالأزمة الوجودية المسيطرة على الشاعر وعالمه! فقام الشاعر بتصوير العربي - وخاصة الفلسطيني - فى وضع وموقف وجودي جبري يحتم عليه عداء المستوطن الصهيوني اليهودى، خاصة وان هذا الآخر الصهيونى أعلن الشاعر انه يكره العربي صراحة، وقدم "أفيدان" العربي فى موقف المترقب أو المنتظر للحظة ينفجر فيها فى وجه من اعتدي عليه، فيري أن مسار المشروع الصهيوني كما حكم على المستوطن بحالة من الوجود القلق والهش والشعور العدمي؛ حكم أيضا على الآخر العربي بنفس الوجود القلق المأزوم بانتظار لحظة الصدام والانتقام ممن سلبه حقه الوجودي.. وصور "أفيدان" الصهيونية ومحاولاتها تحجيم الوجود العربي وإضعافه وفصله عن موروثه ؛ ليصور أيضا صمود العربي (الأسير) فى وجه السلاح وانتصاره الوجودي القادم. فجاءت صورة الآخر العربى عند الشاعر "دافيد أفيدان" مفاجأة، ومختلفة تماما عن الصور النمطية التى قدمها الأدب أو الإعلام الصهيونى والغربى؛ لم تكن تحمل صفات الصورة الذهنية التقليدية، سواء عند اليمين الصهيونى بنظرته التشويهية للعربى باعتباره: الدوى/ البربرى/ الفظ/ الشهوانى/ العداونى..الخ، أو صورة العربى عند اليسار السياسى الصهيونى، التى نظرت للعربى صورة توظيفية، تقوم على محاولة احتوائه السياسى والثقافى داخل المشروع الصهيونى، فقدمت له صورة تقوم على: الإنسانية/ الضحية/ المظلوم/ العامل البوليتارى المرتقب/ الشريك الطبقى أو الاشتراكى.. عبر الشاعر عن نظرة تجاوزت اليمين الذى لم ينضم له الشاعر أبدا، و تجاوزت اليسار الذى انتمى له الشاعر فى شبابه قبل حرب عام 1948، عبر الشاعر عن تيار "الصهيونية الوجودية" بنظرته للعربى كـمصدر كامن للأزمة الوجودية الأبوكاليبسية التى تنتظر المشروع الصهيونى ودولته.