يعد الفنان يوسف أحمد, واحد من أبرز الفنانين التشكيليين في دولة قطر وعلى مدى تجارب فنية كثيرة استغرقت من زمنه زهاء نصف قرن,الى جانب كونه مؤسسا للريادة الزمنية والابداعية على حد سواء وفي تجاربه المبكرة كان يعد الرسم(رسما) وبذا فانه كان يحقق منجزاته الفنية على وفق السياقات المعتادة في الرسم وذلك لتوظيف المواد الخام المصنعة اصلا للرسم وانواع الفرش وسكاكين سحق الالوان والمذيبات وسوى ذلك من المواد الاخرى وكان يهمه الرسم على حامل اللوحات والتأكيد على اتجاه اللوحة اي انه يضع كل وحداته الصورية ومفرداته الرمزية والاشارية باتجاه تصميمي مناسب للأغراض والوظائف التي يرغب بوضعها على سطح اللوحة لتمثل في نهاية الامر غاياته وقصوده المتداخلة ضمن اطر المواضيع العامة التي تمثل قضايا وطنية أو قومية أو انسانية, ويعرف الجميع بأن العقدين السابع والثامن من القرن الماضي شهدا تبدلات سياسية كثيرة وحروب استنزافية مدمرة وقضايا ساخنة وكانت سياقات الاعمال الفنية في تلك الفترة تمثل حالات من المساندة والتأييد للقيم الانسانية النبيلة ومناوئات الحروب بكل اشكالها واغراضها والفن دائما سام بذاته ومهذب لذاته وعلى هذا الاساس فان الفنان يوسف أحمد اخذ دوره ومساحته الواسعة والمشاركة في المعارض العربية والعالمية محققا حضوره المنظور ليس في كونه فنانا فحسب بل وكرجل مثقف ذو عقل مفكر.
والفنان وبأسباب خاصة كثف جهوده من أجل تأكيد الذات مع الاحتفاظ بقيم الموضوعات العامة, واجتهد لكي يقصي الكثير من الترهل اللوني والخطي وهذا متأت من ادراك قيم اضافية تخص جوانب فكرية وفلسفية معمقة, واعتقد بأن النقطة السيادية في تفكير الفنان تكمن في مديات تواصله مع تجسيد ملامح من الثقافة الشعبية في دولة قطر او في البلاد العربية والاسلامية, بالأضافة الى مواكبته للمستجدات في الفنون العالمية فهل ان الرسم على السياقات المعتادة يؤدي دوره كما ينبغي؟
ان الفنون في العالم تسير بطرق مختلفة ويوما اثر يوم تتبرعم وتتفرع حتى استحالت الى غابة كبيرة تبدأ ولا تنتهي والرسم بالصيغة المعتادة تشعبت أيضا وتنوعت, وتاريخ الفن الحديث حافل بالكثير من الاتجاهات الفنية المتباينة والفنان يوسف أحمد اتخذ قرارا حاسما على هجر الصيغ المعتادة في الرسم معوضا عن ذلك بسبل ادائية اخرى مختلفة عن جميع الفنانين فكيف يكون ذلك؟
ان احد أهم عناصر العمل الفني هو المواد الخام ولكن, أي مادة خام ومهما تكن, سبلا عديدة في طرائق تحريكها واحتمالها في صناعة الاشكال أو تقويضها, تبعا لموقف ورؤية الفنان لمسوغات الوجود البشري والكوني, والمواد الخام تمثل وسائط لنقل الافكار والشعور والاخيلة لا أكثر ولا أقل و لكن الفنان يوسف أحمد استعان بخبراته الكبيرة في مجالي صناعة الورق والالوان مستغنيا عن المواد التقليدية المصنعة اصلا للرسم, ولذا فأنه أكسب المواد الخام أبعادا تعبيرية اخرى, تخطت فكرة ان المواد الداخلة في بنى الاعمال الفنية ماهي الا وسائط بينما كان الفنان يعدها غايات وخلاصات, تكشف عن بحوث جادة في مجالات تفهم اوجه الثقافة في دولة قطر وفي بعض البلدان العربية والاسلامية ودالة الورق الرمزية سرعان ما تؤدي بنا الى الأفكار الخاصة لصناعة الكتب والمستلزمات التعليمية في العهود المنصرمة بيد ان يوسف أحمد حين يصنع رقائق من الورق ويجعلها كسطوح تصويرية فأنه يجري على الورق عدة اجراءات فنية بحيث يطوع المادة على وفق ما يبتغي فقد يطبع أحرفا بارزة أو علامات, وربما يضع حزوزا أو ندبا أو أي شيء اخر والاهم في الامر انه لا يترك المواد الخام على حالها بل يتلاعب في سطوحها التصويرية, فتبدوا مثل مجسمات نحتية ببعدين اذا كانت مصنوعة من الورق وبثلاثة ابعاد اذا كانت منفذة بمواد خام اخرى مثل توظيف قطع من القصب أو بعض الاخشاب فتبدوا هذه التشكيلة مثل فنون الفسيفساء في الحضارات المجاورة.
ان سلسلة الاعمال الفنية التي انجزها يوسف عمر تبدو احادية الالوان ولكنها تسمح بمرور الضياء وبالوقت نفسه تعكس الظلال وبذا فأنها ستتسم بمشاركة البعد الرابع وهو البعد الزمني أو الحركي, ليس لأنه يؤلف تراكيب وأجزاء بارزة تشبه أعمال النحت, بل ولأنه يكسب العمل ضربا من الاشتغال الروحي المفعم بالأثارة البصرية والمؤيد بأفكار متجلية, وكأن الفنان ينوي ابتكار أبجدية جديدة وهذه الابجدية مشفرة لا يمكن للقاصي والداني فك ملغزاتها الا من خلال الشكل العام للعمل الفني الدال على الهيبة والوقار وذلك متأت حتما من خلال اجراءات الفنان على خلق المغايرات واجراءات التحوير ووضع الاختصارات الشديدة على بنى الاشكال وتغيير أنساق المفاهيم السائدة الخاصة بتعريف المواد الخام والأشكال وعدها غايات وقصود كائنة بذاتها.
يبدو لي: ان أعمال الفنان يوسف أحمد سمحت له بتمرير حريته ومواقفه وتطلعه نحو الغد فانه حين يصنع أشكالا دائرية أو مستطيلة أو مربعة فأنه لا يقصد صيغا تزيينية وانما يقدم شروحا عن مغزى الوجود الحيوي المفعم بالايمان والتقوى والورع بدلالة نزوعه باتجاه الفنون التجريدية واكتفائه بالمواد الخام التي يجتهد بصناعتها وتأهيلها لكي تكون أنماطا من الفن الحديث.