قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

على الرغم من أن "فرانكي"، راوي هذه الرواية "جوي سبيدبوت" للروائي الهولندي تومي فيرينيجا والتي ترجمتها محمد عثمان خليفة وصدرت عن دار العربي للنشر، أصابه الشلل بعد إصابته في حادثة طريق ودخوله في غيبوبة لأكثر من مائتي يوم عندما كان في الرابعة عشر من عمره، " أنا، "فرانكي هرمانز"، ذراع سليمة في جسد مشلول وزنه أربعون كيلو"، إلا أننا نرى إذا كان يستطيع أن يتغلَّب على كل الصعوبات التي تقابله أثناء تقدمه في العمر.&
نحن نرى الدنيا من وجهة نظر "فرانكي"، وهو شخصية مليئة بالأخطاء، دائمًا غاضب وكاره لكل شيء، وعلى الرغم من أن بلدته "لومارك" ليست بالمكان الجذَاب، إلا أن أصدقاءه الذين تجمَّعوا حول "فرانكي" الصامت جعلوا تلك البلدة مكانًا أفضل للعيش، ومن ضمن هؤلاء الأصدقاء يوجد "جوي سبيدبوت"؛ زعيمهم. "جوي" القادم الجديد إلى البلدة، الفوضوي العبقري في الهندسة، الذي يبني طائرته الخاصة، و"بي جي" الفتاة التي يتقاسمها كل من فرانكي وجوي وصديقهما كريستوف، لكن هذا الأخير هو من فاز بها ليس لأنه أراد ذلك ولكن لأنها هي من أرادت ذلك حيث " يقدم لـ"بي جي" الشيء الذي لم يقدمه لها عشاقها الآخرون: النظام واليقين".
الحياة في بداية الأمر تظل قاسية مع "فرانكي"، الذي لا يزال يعيش مع والديه، ويشعر بالإكتئاب المزمن، ولا يرى نهاية طيبة لمستقبله المعتم، وحالة اليأس هذه أحيانًا ما تتسرب إلى طريقته في رواية الأحداث. لكنه ما إن يكتشف الكحول والجنس، تبدأ الأمور بالتحسُّن بالنسبة له. يخبرنا "فرانكي" عن وجهة نظره في تلك البلدة الصغيرة، ويبدأ في وصف الحياة حوله حتى يدخل في مرحلة لعب الـ"ريست"، والبطولات المنظمة التي تمت إقامتها.
من أجواء الرواية:
هذا الذي جرى كان بعد أعوام. أعوام عديدة. حدث خلالها الكثير، وأخيرًا فهمت الحقيقة العميقة التي يتندر بها العجائز فوق مصاطبهم عند النهر: لم تعد الأمور، فعلًا، كما كانت من قبل. بل إن الأسى على هذه الحقيقة ليس كما كان من قبل. وسوف تعتاد أن تعيش مع هذه الحقائق الواضحة، مثل عظام بيضاء ناصعة.&
بعد أن عاد "جوي" من "دكار"، سأله "كريستوف" بشكل مباشر عما إذا كان من الممكن أن يدعو "بي جي" إلى الحفل السنوي الذي يقيمه بيت الشباب. فهو لم يجد فرصة مناسبة أخرى.&
- اعزمها انت بنفسك. بتطلب مني أنا ليه؟&
هكذا حضرت "بي جي" حفل اتحاد طلاب "أوتريخت"، في رداء رمادي فضي أنيق، وسط دهشة الجميع من أن "كريستوف" يعرف مثل هذا الجمال.&
في تلك الليلة مارس معها الحب. وهكذا صارت هي القاسم المشترك بين ثلاثتنا.&
في الصيف التالي، وداخل مقهى في "أوتريخت"، أخبر "كريستوف" "جوي" أنه على علاقة مع "بي جي"، وأنها اختارته هو. "كريستوف". وأنها لا تريد رؤية "جوي" مجددًا. طلبت من "كريستوف" أن يبلغه ذلك لأنها لا تحتمل المشاعر المؤلمة التي تصاحب إنهاء أي علاقة.&
لم يلكم "جوي" "كريستوف"، ولم يحطم عنقه؛ بل استقل سيارته، وأوقفها خارج "أوستربيك". مشى بقية المسافة إلى منزله، وجمع حاجياته في حقيبة قبل أن يغادر المنزل تاركًا رسالة يقول فيها إنه سيتصل بهم. هذا كل ما عرفناه. والناس يقولون إنهم رأوه يعمل على بلدوزر في مشروع الطريق الجديد، وأنه أطلق لحيته، وبالتالي فمن الممكن أن يكونوا مخطئين، وأنهم رأوا شخصًا يشبهه وحسب.&
هل يدهشك أن "كريستوف" هو من فاز بـ"بي جي" في النهاية؟ أنا لم أندهش؛ ووجدت من الطبيعي أن يأتي الدور عليه، ومن المنطقي أن يستغل هو الفرصة. وبوسع "كريستوف" أن يقدم لـ "بي جي" الشيء الذي لم يقدمه لها عشاقها الآخرون: النظام واليقين - فعلى مر القرون، كان هذا هو الطلب الوحيد الذي يطلبه المواطنون من سلطات الحكم في كل مكان. وبالطبع كان يمكن لهذا التأثير أن يكون محدودًا، لو أنها لم تحمل منه. وبذلت عائلة "كريستوف" جهدها لتقنعها بعدم إجهاض الجنين، ولم يمضِ وقت طويل قبل أن يقوم بلدوزر (ليس موديل كاتربيلر، ولكنه ليبير) بتنظيف قطعة أرض بين "لومارك" و"فيسترفيلد" حيث سيقيم "كريستوف" و"بي جي" منزلهما الجديد.&
التحق "كريستوف" ببرنامج دراسي مكثف ليحصل على درجة القانون، قبل أن يتسلم عملًا في مصنع الأسفلت، أما "بي جي" فلم تنهِ دراستها الجامعية.&
كما اكتشفت أخيرًا من يشبهه "كريستوف"، ذلك السؤال الذي أصبح مثل هوس أبدي بالنسبة لي. عثرت عليه في كتاب "مساعدو هتلر"؛ إنه صورة طبق الأصل من "هينريش هيملر"، أقسم لك على ذلك. كان هذا الكتاب على الرف في مكتبة والديّ منذ أمد بعيد. فخلال فحص طبي في معسكر "لونبورج" لأسرى الحرب، أقدم "هيملر" على الانتحار بكبسولة "سيانيد" عندما طلبوا منه أن يفتح فمه. التقطت الصورة بعد انتحاره بوقت قصير. في أعلى الزاوية اليسرى منها تشاهد طرفًا لامعًا لحذاء عسكري، وكان "هيملر" لا يزال يرتدي نظارته وملفوف في بطانية على الأرضية الخرسانية. إنه "كريستوف" بالضبط، وخصوصًا بطريقة رقوده تلك.&
أعدت اكتشاف ذلك الكتاب في الليلة التي أعقبت جنازة ماما. كانت قد توفيت بعد إصابتها بسرطان تفشى في غددها الليمفاوية. انتهينا من دفنها، وكنا نجلس في غرفة المعيشة مع الأقارب عندما لمحت الكتاب على الرف. قلبت صفحاته حتى الجزء المخصص للصور. كان "ديرك" ينظر في الكتاب من خلفي.&
- شبه صاحبك بالضبط.&
لا أزال أتذكر أمرًا واحدًا بكل فرحة، وذلك هو يوم زفاف "كريستوف" و"بي جي". انعقد حفل الزفاف في الكنيسة، وظهر الحمل واضحًا في فستان زفاف "بي جي"، فهي توشك أن تضع طفلها. كان القس "نيوفنهويس" يعكس كل مشاعر الحب، بينما كنت جالسًا في الممر بين الصفين. عندما غادرنا الكنيسة، رمقتني "بي جي". غادر العروسان في سيارة "بنتلي" مستأجرة. وأقيم حفل الاستقبال بعد ظهر ذلك اليوم في "مانداج"؛ الفيلا التي بناها الرجل العجوز خارج القرية بعد أن دمرت الشاحنة السكانيا منزله في شارع الجسر. الجو صيفي حار، وأزهار نباتات الخشخاش والقنطريون تتفتح. اليوم "كريستوف" محط جميع الأنظار؛ وألقى والده كلمة هنأ فيها الأمير وأميرته، ومع عبارته الأخيرة ظهر "كريستوف" من عند مؤخرة المنزل ومن ورائه فرس أبيض، هديته لـ"بي جي" في زفافهما. أعترف أنني لم أتوقع منه حركة مثل هذا. أحييه.&
بكت "بي جي"، بنفس الطريقة التي كانت تبكي بها يوم غادر "جوي" البلدة فوق البلدوزر للمشاركة في السباق. قبلت "كريستوف" وربتت على عنق الحصان - هي لم تكن من هواة الخيول على أي حال. بينما وقف الضيوف في إعجاب، مطلقين صيحات الاستحسان، وابتسم "كريستوف" ابتسامة عريضة. ثم في تلك اللحظة، سمعنا في السماء صوت محرك: هدير جميل لم يلحظه أحد في البداية، ففي أيام جميلة مثل هذه تكون في السماء العديد من الطائرات الصغيرة. ولكن الصوت هذه المرة كان مغريًا ويفرض نفسه على أجواء الحفل. ونظر أحدهم لأعلى، قبل أن تتحول المزيد والمزيد من الرؤوس نحو السماء في اتجاه الصوت الذي صار فجأة قريبًا للغاية. ثم صاح أحدهم: "هذا الشيء سيتحطم!"، وهكذا اندفع الحشد المذعور كل في اتجاه، يركضون بكل قوة وكأن أحدهم ألقى قنبلة نتنة الرائحة وسطهم.&
إنها طائرة سماوية اللون.&
تقترب على ارتفاع منخفض وبسرعة كبيرة من عند الحقول في اتجاه الفيلا، وهي تسحب من خلفها لافتة عريضة من القماش. اصطدمت والدة "كريستوف" بمائدة وهي تركض لتحتمي خلف أي شيء، فارتعد جسدي لسماع خشخشة الزجاج الذي تهشم. بدا أن الطائرة لن تتوقف عن الهبوط نحو الأرض، قبل أن ترتفع ثانيةً في آخر لحظة وتحلق فوق رؤوسنا. لجأ كثيرون إلى المنزل، بينما امتلأ الحقل خلفه بأناس يركضون، ولكن عندما سقط ظل الطائرة على مدخل المنزل نظرت إلى السماء؛ خيل إليَّ أنه صليب هائل عملاق يوشك أن ينقض علينا فيسحقنا. ارتفع الطيار بطائرته، لمحته يرتدي نظارة الطيران، وتظهر أسنانه من خلال ابتسامة. عندئذٍ انخرطت في نوبة ضحك شديدة لم تتوقف.&
تسمرت سيدة عند مدخل المنزل، وهي تحدق في الشكل الذي صنعته الطائرة في السماء: إنها "كاثلين إيلاندر". فمها مفتوح في دهشة، ورفعت يدها الضعيفة نحوها، وهي تقول:&
- ده.... ده...&
لا أعرف إن أمكن لكثير من الحضور أن يقرأوا الكلمات المكتوبة على اللافتة أم لا، ولكني عرفت أن الكل عرفها. قلت لك من قبل... "جوي" قادر على أن يصنع من كل يوم حدثًا جديدًا.&
"عاهرة القرن".
مكتوبة بأحرف أنيقة. أكاد أختنق من الضحك. تأكدت أنه قرأ الرواية، وقرر أن يخلدها في هذا اليوم المجيد!&
يا لها من رسالة مثيرة للشفقة وسط كل هذا الذعر الذي سببه الحصان، الذي تخلص من عقاله وانطلق يركض عبر الحقول إلى حيث لا يعلم أحد. قامت الطائرة بمناورة واسعة قبل أن تعود لتلقي التحية الأخيرة. في تلك اللحظة خرج "كريستوف" غاضبًا من المنزل ومعه بندقية الصيد الخاصة بوالده. صرخت والدته بينما كان يجهزها، وصوب قبل أن يطلق النار نحو الطائرة التي غابت في الأفق. يبدو أنه فشل في التصويب أو أن الطائرة كانت بعيدة بما يكفي لتفادي الطلقة. كانت تتجه نحو القرية. عدلت "كاثرين إيلاندر" أحد الكراسي وجلست عليه، وهي تراقب الطائرة تبتعد. صاح أحدهم، "الحصان!". أخذ "كريستوف" يسب ويلعن، وهو ينطلق مع آخرين راكضًا إلى حيث اختفى الحصان.&
أولئك الذين بقوا وقفوا وسط الفوضى ينظرون في صمت مذهول. بينما وقفت "بي جي" مثل شراع زورق متداعٍ من الدانتيل والحرير وسط أنقاض يوم زفافها. أحسست أنها محتارة بين الغضب والضحك الهستيري. أما ضحكاتي فلم تتوقف، والحقيقة أنها مستمرة منذ ذلك اليوم إلى الآن. نظرت "بي جي" إليَّ، ثم إلى شريط بعيد ملون من ضيوف الزفاف الذين يطاردون حصانًا أبيض وسط الحقول، وهزت رأسها قليلا. صبت كأسين من الشمبانيا من فوق إحدى الموائد التي بقيت صامدة، لامست الكأسين معًا، وروتني كأسًا قبل أن تجرع كأسها بدورها. قالت في شرود، وهي تمسح شفتيها:
- عاهرة القرن. عاهرة القرن. مش ممكن.&
بعد أسبوعين أنجبت "بي جي" ولدًا، وانتقلا في ذلك الخريف للعيش في المنزل، حيث لا يزالان يعيشان فيه إلى الآن. رأيت الصغير لأول مرة عندما كان يركب دراجة في شارع "بولسفيج" بجانب "كريستوف"، وفي مؤخرة الدراجة راية برتقالية تتمايل يمنة ويسرة. حياني "كريستوف"، بينما استمر الصغير البدين في طريقه. لم يكن يشبه "هينريش هيملر".
لو حدثتك من الناحية العلمية، فإن من الممكن أن يكون ذلك الصغير ابني، فأنا مارست الجنس في مرات عديدة أخرى مع "بي جي". كما أن فحولتي وقدرتي على الإنجاب مثالية. على حد وصف "بي جي". وهي كانت تأتيني أيام يكون "كريستوف" مسافرًا. وبابا يعمد دومًا إلى غلق ستائر حجرة المعيشة، وعندئذٍ تأخذ هي راحتها معي تمامًا. بدأت التجاعيد تظهر قليلًا بجانب أذنيها، ولكن غرامي بها لم يخمد أبدًا. يكفي أنها لا تزال قارئتي الوحيدة.
لم تكن مرتاحة للفقرات التي كتبتها عن "جوي"، وعمَّا جرى بيننا. قالت لي وكأن هذا يفسر أو يبرر كل شيء:&
- هو شخص حالم.&
أحيانًا تطلب مني أن أحملها بذراعي السليمة، فأضع يدي تحت مؤخرتها وتوازن هي جسدها على كتفي، حتى أتمكن من رفعها ببطء. ثم تجلس لفترة وجيزة على يدي كما تجلس فوق مقعد دراجة السباق. عندما أرفعها أشعر للحظات أني قوي مثل دب وتشعر هي أنها خفيفة مثل ريشة. فيسري في جسدها قدر كبير من المتعة. وعندئذٍ ننهار. ونمارس الجنس مثل حيوانين محمومين.&
لم أتوقف عن التجوال في أنحاء قريتي، المرور على "هيني أوسترلو" في منزل الحديقة في المنطقة خلف تمثال الديك الأحمر الصغير. ما إن يراني حتى يبادر بوضع ذراعه فوق الترابيزة، بعد أن صار يربط بيني وبين مصارعة الريست في عقله المسكين، ولكني أهز رأسي رافضًا، وأحيانًا ما أستسلم في تلك اللحظات للبكاء. أتذكر كل شيء. وأتذكر شرف الـ"هارا كيري"، الذي تناله بطعنة واحدة قوية حاسمة، ولكنني في النهاية أرى أنني لم أفقد شرفي، وأسارع بالابتعاد عن المكان وعن الذكريات وأنا بعد في كامل حواسي.&
افتتحوا الطريق E981. وبدأ مع ذلك النهر الأسفلتي العريض عصرًا جديدًا، وتوارت قريتنا خلف حواجز الصوت البلاستيكية شاهقة الارتفاع. وبالفعل، لم نعد نسمع أي شيء، وكذلك لم يعد يسمعنا أحد. وربما لا يعرف بنا أحد ممن يمرقون بسياراتهم فوق تلك الطريق، إلا إذا لمح بطرف عينه أعالي منازلنا، وتلك القبة التي يزينها ديك منتفخ في جسارة؛ أما خلاف ذلك فقد قرر العالم أن يوارينا عن الأنظار. ولكننا خلف ذلك الحاجز كما نحن. لم نتغير. ولم نمُت...
... نحن ما زلنا هنا.
&