تباينت الأراء وتشابكت الأفكار والعمل .. ناجح !

لم يكن الشارع العراقي يعيش في حالة هدوء نسبي مع عرض مسلسل (هدوء نسبي). تأليف الكاتب السوري خالد خليفة وإخراج التونسي شوقي الماجري ، فالأغلب كان في حالة انتباه لما يتصدى له العمل من تفاصيل وقصص وحكايات حيث أحداثه عراقية قريبة جدا ، على بعد اقل من سبع سنوات وما زالت طرية في الذهن ، ولا يجد المرء إلا ان يرفع عينيه قليلا ليتذكر ما حدث بالتفاصيل ويستطيع أن يقارنها بما اتى به المسلسل ، ومن هنا كانت اللقطات تتراقص امام أنظار المشاهد العراقي وتتراوح ما بين الحقيقة والخيال ، وهو ما اثمر عن تباين في وجهات النظر ، ومن أجل الوقوف على ما أحرزه العمل من صدى وملاحظات ، ارتأينا ان نلتقي بعض الممثلين العراقيين الذين شاركوا فيه وهم : كريم محسن واسيا كمال وطه المشهداني وسنان العزاوي وخليل فاضل خليل) مع شهادتين لمخرجين معروفين هما (عزام صالح وفاروق القيسي) .

بغداد: سنبدأ برأيي المخرجين اللذين تابعا العمل وسجلا ملاحظاتهما عليه ، كل واحد من وجهة نظره الخاصة ، الأول : عزام صالح الذي قال : هناك دس على العراق ، حيث اظهر العمل كل الشخصيات العراقية سلبية واظهر الشخصيات العربية ملائكة للرحمة ، فالصحفيون العرب هم يحبون ويعشقون ويساعدون الناس ولغتهم لغة رحمة ، وانهم جاءوا من أجل العراق ، وان العراقيين إرهابيون بشكل منقطع النظير .

وأضاف : هناك مغالطات تاريخية ، فمثلا بعد السقوط لم يكن هناك قتل طائفي مباشرة وإنما بعد مرور أكثر من سنتين ، كما أن خط الممثل العربي أكثر من خط الممثل العراقي ، وهناك اقحام مواضيع مصرية مثل ان تأتي الصحفية المصرية من مصر لترى معاناة المصري الذي يعيش في العراق ، كما ان هناك شخصيات عراقية أعطيت ادوارها لممثلين سوريين ، وكأنما بدأت المتاجرة بالمواضيع العراقية وأن الموضوع العراقي لايخرج إلا من خلال الأخوة العرب ، أما بالنسبة إلى التقنية فهي متميزة جدا والانتاج عال ويكاد يكون أكثر 25 مرة من الانتاج العراقي ، كما أود ان أشير إلى تميز الممثل العراقي في هذا العمل كونه صاحب الموضوع ، وكان جواد الشكرجي استاذا ، وكان خليل فاضل خليل مدهشا بحيث انه طغى حتى على الشخصية التي يمثلها .

اما المخرج فاروق القيسي فقال : كان (هدوء نسبي) من المسلسلات التي تابعتها بشغف لأن 60-70 من الممثلين كانوا من العراقيين ، و90% من الأحداث التي تحدث في بغداد او العراق عموما ، لكن هذه الأسباب وأسباب أخرى منها ضخامة الإنتاج وقدرة المخرج كانت من العوامل التي دفعتني الى متابعة العمل ، والحقيقة انه عمل متكامل إلى حد ما وفيه قدرة إنتاجية متكاملة وبذخ في الإنتاج ، المخرج كان مقتدرا في قيادة دفة العمل وكان قادرا على استخراج ادق تفاصيل العواطف من الممثلين ، كما ان الممثل البطل عابد فهد اشاد بالممثلين العراقيين قائلا (لقد دهشت بأداء الممثلين العراقيين) .

وأضاف : ملاحظاتي عن العمل ان فيه تطويلا بعض الشيء ولو كان 20 حلقة لكان متكاملا جدا ، كما هناك بعض الأخطاء والهفوات التي مرت على المخرج مثلا : في الفندق كانت بعض اللوحات مكتوبة باللغة الفرنسية ، وفي العراق لايوجد فندق فيه كتابة بالفرنسية ، ولأنه قام بالتصوير في مدينة (حمص) كانت اللافتات بالفرنسية ، كما هناك التكرار في اظهار السيارة التاكسي نفسها ، تظهر في كل مشهد ، وعموما العمل ممتاز ويدل على قدرة المخرج شوقي الماجري ونتمنى في العراق ان ننتج مسلسلات بالمستوى نفسه .

الفنان كريم محسن قال : المسلسل ممتاز إنتاجا وفكرة ونصا وإخراجا ، ويعود الفضل بالدرجة الأولى للمخرج شوقي الماجري الذي لعب الدور الأساسي بإخراج الممثل العراقي بهذا الشكل ، المهم أن الفكرة لم تطرح كونها (حدوتة) ويشرح من خلالها تنامي الشخصية إنما طرح واقعا أرشيفيا ، ارشيفا للحالة العراقية (قبل الإحتلال واثناءه وما بعد دخوله) ، وبرأيي ان العمل أعطى الأمل من أن العراق سيكون حاله أفضل كما أنه ترك للمشاهد أن يحكم على ذلك ، فهناك صور ودلالات ، ووفق المخرج في هذا بحيث انك تتابع التقنية مع الارشيف ويقنعك بها .

وأضاف : أنا ارى ان أحداث العمل واقعية إن لم تكن أقل من واقعية لأن ما حدث آنذاك كان اسوأ ، ولا أجد اية ملاحظات سلبية على العمل فهما تكون الفكرة التي تعتبرها هفوات ، فالعمل طرح القضية العراقية من دون تزييف أو مجاملة أو انحياز لفئة او طائفة او فكر او شخصية او حزب ، بل طرح قضية انسانية اعتمد فيها على الارشيف ، كما انه اظهر العراق حالة واحدة وليس هناك محافظة تختلف عن الاخرى ومن دون تمييز او اشادة بأحد ، ولا بد لي ان اشير إلىان المسلسل كان تجربة مهمة للفنان العراقي في ان يعمل بمواصفات الفن الصحيح ونتمنى ان يكون انتاج اعمالنا العراقية بهذا الشكل الصحيح .

كريم قال ايضا : أنا اخذت النص كاملا وقرأته وأعطيت ملاحظاتي للمخرج حول الأشياء التي تسيء إلى العراق ، والمخرج كان متعاطفا ويسمع اي ملاحظة منا ويغير بعض الاشياء التي فيها اشارة الى طائفة معينة ، فغيّر اسماء اشخاص واماكن حتى لاتشير الى جهة معينة وتغذي الطائفية .

وقالت الفنانة اسيا كمال : العمل فيه الكثير من الواقع ولم ينصف فئة على حساب فئة اخرى باعتقادي ، أي انه كان حياديا ، لم اتابعه بالكامل بسبب الوقت حيث انني اواصل تصوير دوري في المسلسل في الوقت الذي كان فيه يبث في الجو ، خاصة ان موقع البيت كان اخر موقع ، نصور ويرسلونه الى المونتاج مباشرة ، لذلك لم يتابعه اكثرنا .

واضافت : ما لفت انتباهي ان العمل ليس فيه أي صحفي عراقي ، هل ان الذين غطوا احداث الحرب هم فقط الصحفيون العرب ، بينما الصحفيون العراقيون كانوا يملأون الساحة وذهب بعضهم شهداء لان هذه كانت قضيتهم ،ولا اعتقد ان الصحفيين العرب يحبون العراق اكثر من اقرانهم العراقيين ، كما لدي ملاحظة وهي ان الكاتب كان بإمكانه ان يركز على الأسرة العراقية كي يرمز للبيت الذي هو الوطن الذي في لحظة تشتت ولمّ شمله في الاخير ، الاسرة العراقية هي التي تمثل العراق بأكمله وبكافة اقطابه .

وحول السبب في عدم اعطاء النص كاملا للممثل العراقي والاكتفاء بالأوراق التي تخص دوره اشارت اسيا الى : ان المخرج شوقي الماجري قبل التصوير عقد جلسة وتحدث فيها عن النص كاملا ، كما أنني انضممت إلى العمل في مراحله الأخيرة وليس من البداية بعد ان اعتذرت الممثلة التي انيط بها الدور وكانت مشاركتي لان العمل يتحدث عن الاحتلال بالاضافة الى انها مساهمة تضيف الى الممثل العراقي خاصة ان العمل مع مخرج كبير لايختلف فيه اثنان ، كما انها اضافة للفنان العراقي وانتشار اوسع .

أما الفنان طه المشهداني فقال : فنيا .. استفدت كثيرا من هذه التجربة فائدة كبيرة ، فقد تعلمت من هؤلاء الناس كيف يشتغلون والمخرج كيف يفكر ويبدي رؤيته للمثل واعجبتني طريقته في اعطاء الملاحظة للممثل ، فهو يعطيها بخصوصية ، بينه وبين الممثل ، وهناك احترام لكل الاشياء وهذا ما اذهلني .

واضاف : لدي العديد من الملاحظات على العمل ، فهو ناجح فنيا ، ولكن خطئي وخطأ الفنانين العراقيين اننا لم نقرأ النص بشكل كامل ، ولو كنا قد قرأنا لعدلنا عليه ، اعطونا مشاهد الشخصيات التي نمثلها فقط وقبل التصوير بشهرين ، وملاحظاتي : ان العمل فيه نوعا ما اثارة طائفية ، وهذا غير مقبول ، من جهة اخرى ان الكل في العمل يبكي ، لماذا البكاء هذا؟ نحن في ازمة الموت في العراق وكنا نتزاور ونحيا ، ومع احترامي للصحفيين العرب فقد اظهرهم المسلسل وكأنهم (آلهة) المقاومة ضد الاميركيين في العراق وتراهم يبصقون على الإميركيين اينما يكونون حتى وان كانوا في السجون ، هل هم الذين دافعوا عن العراق اكثر من اهل العراق انفسهم ، فقد ظهروا انهم يحبون العراق اكثر من العراقيين وهذا بالطبع مجاف للحقيقة ، كما ان الاحداث لم تكن حقيقية بالكامل وتم الاعتماد على وثائق اعلامية للصحافيين العرب ولم يعتمد على العراقيين ولو كان العمل قد اعتمد على العراقيين لأخذ بعد اخر ، واعتقد ان هدف المخرج كان هو ان يثير الجدل السياسي والانساني بوعي ، وان على المقابل ان يتعامل بوعي مع القضية ومن دون انتماءات كما ان حجم الادوار التي اعطيت للممثلين العراقيين كانت صغيرة جدا وفقيرة قياسا للممثلين العرب ، وربما يسأل سائل لماذا المشاركة اذن فأقول ومن معي من الفنانين العراقيين اننا عملنا من اجل كسر الحاجز الابداعي بين الفنان العراقي والعربي وقد ظهر ان الفنان العراقي متميز بحضوره والتزامه وابداعه وافكاره ، ولكن للاسف كانت اجور الفنانين العراقيين بائسة وعتبي على الفنان العراقي نفسه والمنتج ايضا .

واشار المشهداني : كنا قد تحدثنا مع المخرج الماجري ، وخاصة جواد الشكرجي ، قال له لا نريد للموضوع ان يثير طائفية ونريد ان نقدم عملا فنيا يوثق مأساة الانسان العراقي دون الانحياز الى جهة معينة ، وللحقيقة ان شوقي عمل على هذا الاساس وكان الرجل جميلا بأفكاره ، والهفوات التي حدثت هي عادية جدا .

اما الفنان سنان العزاوي فقال : هذا العمل من اهم الاعمال التي ظهرت هذا العام وارشفت لتاريخ العراق الحديث وبالتحديد لفترة الاحتلال الاميركي والتي لم يستطع أي مخرج عراقي ان يؤرشفها لا على الجانب الفني ولا على الجانب الشخصي واقصد الخوف من تبعات هذا الموضوع الحساس ، والعمل اثار قضية مهمة هي قضية الصحفيين وما يتعرضون له ، وكنت اتمنى ان يكون هناك حضور للصحفيين العراقيين ولكن يبدو ان للضرورة الفنية اسبابا وللتسويق وفق مسميات النجومية لبيع المسلسل اضطر الجانب الانتاجي لاختيار ممثلين عرب لادوار البطولة ، ولكن مع ذلك هو شيء مهم ان يزج بعدد كبير من الفنانين العراقيين مع الكوادر العربية كي يحدث هذا التلاقح .

واضاف : هناك بعض الملاحظات الفكرية في ارشفة بعض الحالات على الصعيد الواقعي منها : لا اعتقد ان صحفيا عربيا تعرض الى تعذيب بهذا القدر من قوات الاحتلال ، ولا يعني هذا انني مع قوات الاحتلال بل انا ضده قلبا وقالبا ، كما ان فترة العنف الطائفي لم تكن موجودة مع دخول جيش الاحتلال بل ظهرت في اواخر عام 2006 بعد تفجير ضريحي الامامين العسكريين ، وما يحسب للعمل انه لم يظهر أي موقف من الدولة الحالية ابتداء من الشرطي الذي لم نره وانتهاء بأي مسؤول .

واشار سنان الى : ليس بالضرورة للعمل الدرامي ان يكون كل شيء فيه واقعيا ، والا فأين جمالياته ، وهكذا اعمال تضع المخرج بين محكين ، الاول ان يؤرشف للقضية بزمانيتها ، والثاني ان يضيف جانبا جماليا على ما يقدم .

وحول الشخصية التي مثلها والتي تفجر نفسها في النهاية ضد القوات الاميركية قال سنان : انا مقتنع جدا بالنهاية التي اقدم عليها هذا الضابط الذي يتعرض الى مواجهة لوحده وبعدها يقوم بتفجير نفسه بواسطة حزام ناسف ضد عربة اميركية ، يوم لم تكن هناك منظمة القاعدة ولا الميليشيات !!.

اما الفنان الشاب خليل فاضل خليل فقال : العمل ناجح مئة بالمئة ولا يختلف عليه اثنان ، وهناك من قال ان فيه بعض الاخطاء التاريخية ، العمل نقل الواقع بنسبة 60% وقد تلافى أمور القتل على الهوية ، وانا ارى ان العمل كان محايدا جدا وما انحاز الى طائفة معينة ، وكنا قبل أي مشهد نصوره يقوم المخرج بطرح اسئلة على الممثلين كي يتأكد من النص فيسأل عن الاسماء والحوادث ويحاول تجنب ما يثير الشكوك ، واعتقد ان هناك اخطاء مثل ان العمل اظهر الصحفي العربي يخاف على العراق اكثر من العراقي او ان الصحفي العربي كان يتجول لوحده في شوارع بغداد انذاك وهذا غير صحيح ، كما اعتقد ان الحلقات الاربع الاولى حدث فيها نوع من الملل لان الاحداث تجري في سورية حول مشاكل (ناهد) وزوجها .

واضاف : في المجمل ان العمل ناجح واخذ صداه كما ان التجربة كانت نافعة لنا كممثلين عراقيين ونتمنى دوام التواصل .