أسامة العيسة من القدس: في الشارع الضيق بالبلدة القديمة في القدس الذي يطلق عليه درب الآلام، تسير حياة الناس بهدوء مشوب بألم وأمل، يشبه ذلك الذي يسبق العاصفة، ففي كل لحظة يمكن أن ينقلب الهدوء إلى ملاحقة جنود حرس الحدود الإسرائيلي (وهي فرقة خاصة، معروفة ببطشها الشديد)، لشبان فلسطينيين، أو أن يقدم مستوطنون من الذين استولوا على بنايات عربية في الشارع إلى إثارة القلاقل.
المومس الفاضلة.
وينسى الظرف اليومي الضاغط، السكان المحليين ارتباط شارعهم بمسيرة المسيح حاملا صليبه، الشهيرة في الكتب المقدسة، والتي تتذكرها المدينة كل عام في المسيرة التقليدية التي تحاكي الام المسيح، حيث يتطوع احمد المؤمنين بحمل صليب خشبي والسير به مثلما فعل المسيح بالضبط، ويعيد تذكيرهم بتلك القصة المؤثرة تدفق مؤمنون أجانب ومن بلدان عربية غالبيتهم من الأقباط، عندما يأتون لاقتفاء أثار المسيح بكثير من الورع الديني وأحيانا بالدموع، وبعض هؤلاء الذين تغص بهم فنادق البلدة القديمة الشعبية، ينطبق عليهم صفة (مرضى القدس) وجميعهم من الغربيين الذي يملك كل واحد منهم تفسيره الخاص للكتاب المقدس.
في هذا الشارع الذي سار فيه المسيح ينزف دما، لتعرضه للتعذيب، كان تسير بذيله مريم المجدلية المومس التي أمنت بالمسيح ولحقته، في تنويع على ما يمكن تسميته المومس الفاضلة التي ظهرت بعد ذلك في الآداب الغربية.
وكل سوط كان ينزل على جسده النحيف كان كأنه يحفر في جسد المجدلية، وأدت العلاقة الخاصة هذه بين الاثنين إلى تاويلات معاصرة للذين لا ينفكون ينبشون في التاريخ فكان فيلم (الإغواء الأخير للمسيح) الذي أدى ظهوره قبل سنوات إلى حملة احتجاج واسعة لم تهدا لعدة اشهر، وشهدت عواصم عالمية تظاهرات ضد الفيلم الذي منع من العرض في الدولة العربية.
وهو ما حدث أيضا لرواية تطرقت لعلاقة المسيح بتلك المجدلية، هي رواية الكاتب الاميركي (شيفرة دافنشي) التي تتصدر قوائم الكتب الأكثر مبيعا في العالم والتي منعت في أكثر من بلد عربي.
إعادة اعتبار
اختار دان براون أسلوب روائي كلاسيكي معروف، ليقدم إسهامه فيما يعرف بالدراسات الكتابية أو التوراتية وهو علم معروف في الغرب، ويكاد يكون مجهولا في العالم العربي، حيث الأخذ بالمسلمات، أمرا شائعا وأسلوب حياة.فلا يكل باحثون متميزون في الغرب عن البحث والتمحيص في كل ما يخص الرواية الإنجيلية الرسمية، ولا يكاد يمر عام دون ان يصدر كتاب أو عمل فني يعيد النظر في المسلمات.
وفي روايته شيفرة دافنشي، التي استخدم فيها الأسلوب البوليسي يقدم دان براون إسهامه في هذا الموضوع، بتتبع تاريخ (جمعية سيون الدينية) وهي جمعية أوروبية سرية تأسست عام 1099 في القدس على يد ملك صليبي، وتعمل على حماية ما تراه القصة الحقيقية للمسيح، وهي غير تلك التي تقدمها الكنيسة الكاثوليكية.
وبحسب هذه الجمعية فانه كان هنالك أكثر من 80 أنجيلا، ولكن بعد وفاة المسيح بنحو 400 عام وتبني الإمبراطور قسطنطين للمسيحية دينا للدولة، لأسباب سياسية، فانه ولهذه الأسباب اعتمد فقط الأناجيل الأربعة المعروفة الان خصوصا بعد أن قرر مجمع نيقية الشهير طبيعة المسيح الاولوهية، والتي تمت بالتصويت، ولهذا كان يجب التخلص من الأناجيل التي روت قصة المسيح بصفته البشرية.
ويعتقد أتباع هذه الجمعية بان المسيح تزوج مريم المجدلية، التي تقول بأنها سليلة عائلة بنيامين الملكية العريقة وليست مومس كما تظهرها الرواية المسيحية المتداولة، وأكثر من هذا فإنها حملت منه، وهربت بحملها إلى بلاد الغال (فرنسا الان)، وهناك ولدت، وتعمل جمعية سيون على حماية سلالة هذه العائلة والوثائق التي تثبت ما تراه بأنه القصة الحقيقية للمسيح.
وفي عام 1975 اكتشفت مكتبة باريس الوطنية مخطوطات عرفت بالوثائق السرية، تبين منها أن هناك أسماء شخصيات مؤثرة في التاريخ البشري انضمت إلى جمعية سيون ومن بينهم اسحق نيوتن وساندرو بوتشيلي وفيكتور هوجو وليناردو دافنشي.
وعند دافنشي يتوقف الروائي كثيرا ليقدم ما يمكن اعتباره دراسة لأعماله التي تكشف أسرارا كثيرة خبأها دافنشي في لوحاته ليقدم روايته لقصة المسيح.
فمثلا فان التدقيق في لوحة دافنشي الشهيرة العشاء الأخير تظهر بان الحواري الذي يجلس على يمينه لم يكن سوى امرأة هي مريم المجدلية، وكذلك فان لوحات أخرى لدافنشي يتوقف عندها دان براون بالتفصيل تكشف مزيدا من الأسرار عن المجدلية المنفية الحزينة حاملة ارث المسيح، ويظهر براون ليس فقط معرفته بتاريخ الجمعيات السرية المسيحية، والفن التشكيلي ولكن أيضا في علوم أخرى مثل الفلك والرموز والديانات الوثنية والرياضيات والمعمار والطقوس، وكل ذلك في رواية بوليسية.
ويكشف براون عن مجموعة أسقفية تابعة للفاتيكان تسمى (اوبوس داي) وهي مذهب كاثوليكي متشدد مقره الرئيس في 243 جادة ليكسنغتون في مدينة نيويورك، وأنجز هذا المقر حديثا بتكلفة زادت عن 47 مليون دولار.
ويشير براون إلى ما يسمى بالتعذيب الجسدي الذاتي الذي يمارسه أعضاء هذه المجموعة، مثل وضع حزام مدبب على الفخذ لمدة ساعتين يوميا يوغل في اللحم ويتسبب بألم ونزف دماء ويستخدم ذلك كنوع من التطهر.
ولا يقتصر التعذيب الذاتي على ذلك ولكن أيضا هناك الضرب الذاتي بالاسواط حتى تتسبب بجروح للعضو المؤمن في هذه المجموعة التي تفرق بين الرجال والنساء من أعضائها، وعادة ما تقوم النساء بخدمة الرجال في المجموعة وتنظيف غرفهم، وفي مقر المجموعة الرئيس في نيويورك يوجد مدخلين واحد للرجال والأخر للنساء.
ويشير إلى النفوذ لهذه المجموعة في الفاتيكان، خصوصا بعد تقديمها مليار دولار للفاتيكان.
حين غابت المجدلية
هكذا نظر روائي معاصر شاب لمريم المجدلية ولقصتها مع المسيح، وهي رؤية ستثير كثير من النقاش خصوصا بعد ان يعرض فيلم مأخوذ عنها ابتداءا من شهر أيار (مايو) المقبل.
وبدأ تصوير الفيلم في متحف اللوفر في باريس، الذي يفتتح به براون الفصل الأول من روايته، وجعله مسرحا لفصول أخرى من الرواية، ولا يعرف إذا كان مخرج الفيلم (رون هاوارد) سيصور مشاهدا في القدس، التي
| القبر المقدس في كنيسة القيامة |
في القدس عندما يقتفي المرء أثار مريم المجدلية، سيسير في درب الآلام، ومن هناك إلى كنيسة القيامة، التي بنيت بعد نحو 400 عاما من صلب المسيح، على ما يعتقد انه قبر المسيح، الذي وصلت إليه المجدلية ومريم العذراء بعد دفن المسيح، وفقا للرواية الإنجيلية، ليجدن انه قام من بين الأموات وصعد إلى السموات العليا.
في هذا المكان الذي وقفت فيه المجدلية قبل ألفي عام، يتجمع اليوم العشرات على لحد مغطى ببلاطة رخامية، لا يكف المؤمنون عن الجلوس حوله والتبرك به، بينما تعبق في المكان رائحة البخور النفاذة، ولا يستطع البعض، أحيانا، كبح جماح مشاعرهم فيأخذون بالبكاء مستذكرين آلام المسيح وتتلبسهم مشاعر مريم المجدلية في تلك اللحظة التي وقفت فيها على القبر.
ولكن المسالة حول القبر المقدس، ليست دائما بهذا الصدق والشاعرية والسمو، ولا تعكس الخلافات العميقة بين الطوائف المسيحية المختلفة على الاستئثار بالمكان، ورغم أن توازن القوى الذي فرضته تدخلات الدول الأجنبية طوال قرون في فلسطين رتب حقوق لكل طائفة في المكان وهو ما يعرف باسم (الاستاتكو) وهي لفظة تعني الحفاظ على الوضع القائم، إلا ان ذلك لا يمنع من وقوع إشكالات، تؤدي إلى وقوع إصابات ونزف دماء، مثلما يحدث في كل عام بمناسبة سبت النور، بين الروم الأرثوذكس والأرمن الأرثوذكس لخلاف حول المكان الذي سيخرج منه النور المقدس.
| يؤجر الصلبان الخشبية |
ويفصل بين بطريركية الأقباط وسطح كنيسة القيامة باب صغير ولكن مفتوح على إشكالات كبيرة بين الأقباط والأحباش الأرثوذكس الذين يسيطرون على دير صغير متداعي اسمه دير السلطان فوق كنيسة القيامة، كان إلى عام 1967، مع الأقباط، ولكن الاحتلال الإسرائيلي سلمه إلى الأحباش، ورفضت إسرائيل مطلبا للرئيس المصري السابق أنور السادات بإعادة الدير للأقباط، وهذا المشكلة هي سبب رئيس لمنع البابا شنودة الأقباط زيارة القدس والأراضي المقدسة.
على جانبي الباب يسود التحفز بين أبناء العقيدة الواحدة، رغم ان ما يجمعهم أيضا ليس فقط العقيدة، ولكن الشكل والمزاج والملابس المتواضعة، وعندما طلبت من راهب قطبي التقاط صورة له على سطح القيامة، خاف ثم شجعه رفاقه الرهبان، فطلب الإذن من الأنبا أبراهام، مطران الأقباط في القدس، الذي أجاب بأن تلك فكرة جيدة، ودخل الراهب إلى السطح بخيلاء متحديا الرهبان الأحباش بلباسهم الأسود، والذين اخذوا ينظرون شزرا.
هذا مكان يحمل عبق التاريخ وأنفاس المجدلية، ويمكن لمس ذلك من الباب الصغير من سطح كنيسة القيامة المفضي إلى داخل الكنيسة حيث القبر المقدس، الذي كانت حجة حمايته سببا في انطلاق حروب ضروس بين الغرب والشرق ما زالت تبعاتها حاضرة حتى الان والتي عرفت بالحروب الصليبية، ولا يمكن إحصاء عدد القتلى والشهداء الذين سالت دمائهم حول هذا القبر المفترض، ولكن المؤكد أن القليل من المدافعين أو المهاجمين كان في ذهنهم تلك المومس الفاضلة، المجدلية الحزينة الغائبة، حتى تذكرها براون وأعاد لها الحياة من جديد مثلما فعل، كما قال، مغنو أوروبا الجوالين المعروفين بالتوربادو، الذين تغنوا طوال قرون، باسمها، وكما فعل كبار الفنانين مثل دافنشي وموتسارت، ومحبيها الذين نشروا قصتها على ورق اللعب، التي تتداولها أيدي ملايين البشر في العالم، يتسلون بها أو يلعبون القمار، دون ان يعرفوا سر المراة المرسومة على تلك الأوراق وكذلك (الولد) و(الشايب) أو ماذا تعني البستوني أو الكوبا وغيرهما من رموز سرية عن تلك المشرقية المومس الفاضلة.




التعليقات