بشار دراغمه من رام الله: دموع في عيد الأم هذا الربيع لكنها ليست دموع الفرح، أمهات لبسن الثوب الأسود هو ليس ثوب السهرات بكل الأحوال، بحثن عن شيء يستمعن إليه في هذا العيد فوجدن قصيدة quot;أميquot; للشاعر محمود درويش تُتلى نحيبا بصوت مراسيل خليفة ليبقى العيد مجلس عزاء. أما الهدية التي أنتظرها فلم تكن سوى لذات الكبد على شكل جثث في تلك المقبرة، أو جسد مهتريء خلف تلك القضبان اللعينة.
quot; الوردة التي تزين هذا البيت ذهبت، وهديتي لكل عام لم تعد موجودة، مناسبة عيد الأم باتت مصدرا للحزن فلا مكان لفرح في هذا المكان. بحث عن كلمة سعادة لم أجدها حتى الآن لكنني سأوصل البحث وبصراحة لن أجدها quot; تلك هي مقولة والدة الشهيد محمد سعيد بمناسبة عيد الأم.
لم يخطر ببالها عندما ذكرنا لها quot;عيدكquot; سوى ذلك الجسد المسجى تحت الثرى. وقفت وأدارت وجهها نحو ذلك المكان الذي ترقد فيه جثة محمد وقالت quot;الله يرحكم يما... اليوم عيدي ليش ما جيت وجبتلي هدية، بس أكيد راح تجيب أنا بعرفك منيح وربيتك منيح راح أستناك يما ما تتأخر الله يرضى عليكquot;. أنهت أم محمد تلك الكلمات لتسيل بعد ذلك دموعها على وجنتيها وفي تلك الأثناء تنهدت وعادت لتنفجر بالبكاء. ذلك المشهد المؤلم تواصل أثناء حديثنا مع أم محمد التي تابعت كلامها بعد عشرات التنهيدات لتضيف وبلغتها الخاصة :quot; محمد كان كل عيد يشتري أحسن هدية ويقولي تفضلي هديتك يا ست الحبايب في عيدك، وفي العيد الأخير قبل استشهاده ما كان معه فلوس أجا عندي وقالي أنه عازم أصحابه بالمطعم وما معه ولا شيكل أعطيته 100 شيكل حتى ما ينحرج مع أصحابه وبعد ساعة رجع وحامل علبة مسكرة بين أديه وقالي هديتك يا ست الحبايب اليوم عيد الأم وبعد شوية جاب وردة وأعطاني اياها وقالي الهدية بلا وردة ما بتنفع لكن الوردة ذبلت يوم استشهدquot;.
هذه الصورة انعكست عند كل أم شهيد و شهيدة في عيدها ووقفت كل منهن أمام صورة ابنها الشهيد المعلقة على الجدار وكلهن اصطلحن على تسمية تلك الصورة بـquot;لوحة الحزن الأبديquot;. فهناك 4000 أما فقدت ابنها برصاص الاحتلال، فيما بلغ عدد الجرحى نحو 60000 جريحا وجريحة ليقع على عاتق الأم رعايتهم خاصة في ظل غياب بنية تحتية ومحدودية الخدمات المؤسساتية المتوفرة لرعاية وإعادة تأهيل هؤلاء الأشخاص.

هديتي ستتأخر 13 عاما
والدة الأسيرين عاطف وعمار مصطفى سياج جلست في ذلك الركن من المنزل على كرسي خشبي قديم. جئن بناتها الخمسة ليقدمن لها الهدايا في عيد الأم تسلمت أم عاطف تلك الهدايا بعدما تبادلت قبلات المحبة مع بناتها وقالت لهن :quot; هديتي الأولى لن تأتي إلا بعد ثلاثة عشر عاماquot; وهي الفترة التي حكمت بها قوات الاحتلال على الأسير عاطف quot;أما الهدية الثانية فستأتي بعد ستة أعوام لما يطلع أخوكم عمار من السجنquot;.
حدثنا أم عاطف وسألناها عن شعورها في يوم عيدها بينما ولديها خلف قضبان السجان فأكدت على أن هذا اليوم مصدر حزن وقلق تتذكر فيه هدايا أبنيها في الأعياد السابقة. وفي هذا العيد جمعت تلك الهدايا أمامها وتتناول كل واحدة منها وتقول :quot; هذي من عمار الله يرضى عليه وهذي من عاطف الله يفك أسره وأسر جميع الشبابquot;. وفجأة ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة، وكأن طيف ابنيها الأسريين قد لاح أمامها. ومن ثم تعود أم عاطف للتناول هدية تلو أخرى وكان لزاما عليها أن تذرف دموعا وتتذكر هيئة ابنها عندما جاءها بالهدية.
هذا هو حال أمهات الأسر فقد أجمعن على أن quot;كل الأيام هي عيد لهن بحضور أبنائهن ولا عيد في غيباهمquot;.


أحمد لم يجد أمه ليقدم لها الهدية
أحمد كغيره من الأبناء يريدون أن يفرحوا أمهاتهم بعيدهن، في هذا اليوم وعلى غير عادته خرج مبكرا من منزله وجاب الأسواق بحثا عن هدية بعدما ادخر مصروفه اليومي لهذه المناسبة. دخل إلى أحد محلات الذهب والمجوهرات وطلب خاتما وقال لصاحب المحل لو سمحت أحفر لي عليه quot;إلى أمي الحبيبةquot; خرج فرحا من المحل وعاد للمنزل وانتظر عودته والدته ليقدم لها الهدية لكنها لم تأت بعد وأحمد لا زال ينتظرها.
أحمد يعلم أن والدته لن تعود لأنها استشهدت برصاص إسرائيلي حاقد لكنه يقول:quot; لا أريد أن أكون مختلفا عن أصدقائي فانا أحب أمي كثيرا مثلهم تماما... لقد سمعتهم وهم يهمسون فيما بينهم يقولون أنني سأكون حزينا في عيد الأم هذا العام لأني والدتي استشهدت وسمعتهم أيضا يهمسون بأنهم لن يشتروا هدايا لأمهاتهم تعاطفا معي. ولكي لا أحرمهم من الفرحة قررت أن أكون مبادرا بشراء هدية والدتي فأنا سأحتفظ بها وأعتقد أنها ستصلها يوما ماquot;.


أمهات خلف القضبان
لقطات الحزن في عيد الأم تنتقل من مكان إلى آخر. هذه المرة الحكاية خلف قضبان السجان. فالأم تقبع هناك والابن والابنة خارج تلك القضبان يتطلعون بشغف لأم محررة يقدمون لها الهدايا. فهناك أكثر من 130 أسيرة لازلن يقبعن في سجون الاحتلال الإسرائيلي، منهن 20 أسيرة أم، وبلغ مجموع أبنائهن حوالي 75 طفلا، الأمر الذي يعكس مدى حرمان تلك الأمهات السجينات من أبنائهن الصغار الذين هم بأمس الحاجة إليهن خاصة في مثل هذه المناسبات.
إجراءات الاحتلال تواصلت ضد الأم الفلسطينية بمجالات مختلفة فهناك نحو 70 أما أجبرت على الولادة على الحواجز الإسرائيلية و نتج عنها 38 حالة وفاة أجنة على تلك الحواجز، بسبب المنع أو التأخر في الوصول إلى المستشفيات.
وتواصل الأم الفلسطينية التي فقدت أبنها بالاستشهاد سماعها لأغنية أبو عرب quot;وصية شهيد إلى أمهquot; أما ذاك الأسير خلف القضبان أو من فقد أمه برصاص الاحتلال فان لا زال يلقب الشريط لسماع أغنية quot;أحن إلى خبز أميquot;.