من تجارة العبيد إلى تجارة الرقيق الابيض
في شارع (ريد لايت ) ملكة الجمال بمئة دولار

صلاح حسن: قبل عشر سنوات وصلت إلى هولندا لكي ابدأ حياة جديدة بعد حياة مليئة بكل أنواع القهر والجوع والقحط والصحراء ، بعد حياة لاطعم فيها ولا امل . منذ لحظة وصولي وانا اسمع الناس والاصدقاء يتحدثون عن نساء عاريات يقفن في غرف زجاجية ويقدمن المتعة لكل عابر سبيل مقابل مئة خلدن ( العملة القديمة في هولندا ) . كانت فكرة رؤية امرأة عارية شيء يفوق الخيال بالنسبة لعربي قادم من جحيم الصحراء واليأس والدكتاتوريات . وكان الحديث عن تلك الفتيات يأخذ طابع السحر والتهويل والخوارق . فقسم من هؤلاء الناس يحذر الاخرين من دخول الشارع الاحمر لكي لا يقع في سحر تلك الفتيات الذي يأسر الإنسان ولن يستطيع الخروج منه إلا بمعجزة . وقسم أخر يقول انه لابد من رؤية تلك الحوريات لان التفكير بهن دون رؤيتهن سيؤدي إلى الجنون .
ولانني مجنون بالأساس فقد قررت ان اذهب لرؤية هذا العالم وليقع السحر اينما يريد ان يقع . اتصلت بصديق يسكن في أمستردام وطلبت منه ان نذهب إلى الشارع الاحمر ( ريد لايت ) فضحك وهو يقول إن كل القادمين الجدد يزورن هذا المكان قبل أي شيء في هولندا . اتفقنا ان نذهب في عطلة نهاية الاسبوع لان العروض ستكون في كامل تألقها وصخبها . في الطريق إلى ذلك المكان كان يصاحبني شعور غريب هو مزيج من الخوف واللهفة ، شعور بالضيق احيانا ، واحيانا الرغبة بأكتشاف عالم جديد في كل شيء . كنت اسأل صديقي كل خمس دقائق متى سنصل ؟ وكان يقول وهو يضحك : بعد قليل .
سأحاول ان اصف المكان بموضوعية تامة لان هذا التحقيق لم يكتب للمتعة بل لرصد ظاهرة فريدة في هذا العالم . الشارع طويل ويفصل بين جانبيه قناة مائية عرضها سبعة امتار تقريبا وهناك جسور كثيرة تربط جانبي الشارع . على طرفي هذا الشارع الرهيب تصطف الغرف الزجاجية وامام كل شباك تقف امرأة ( من غير هدوم ) على حد تعبير الفنان الكبير عادل امام . ولكن المخيف في الامر هو الجمال .. الجمال الخارق الذي تتمتع به فتيات هذا الشارع . اول امرأة رأيتها لم اصدق عيوني ؟ فليس من المعقول ان تكون هذه المرأة بكل هذه الفتنة مباحة للجميع ؟؟ سألت صديقي وانا مبهور .. هل حقا إن بمستطاع أي شخص ان يستمتع مع هذه المرأة بمئة خلدن ؟! فقال اذهب واسألها . اقتربت منها وانا ارتجف حيث بدأت وهي تغمز لي وتستدير لتريني ما وهبها الله من جمال عبقري واشارت من خلف الزجاج إن السعر مئة خلدن والمدة خمس عشرة دقيقة مع المانع المطاطي .!
بقيت متسمرا امام هذه المرأة وشعرت بعد قليل إن يدا تسحبني برفق فكان صديقي الذي قال لي والضحكة لا تفارق فمه : توجد فتيات اجمل من هذه ، دعنا نواصل المشوار . كانت الغرف الزجاجية قريبة من بعضها البعض وكانت تضم فتيات من كل الجنسيات تقريبا ومن مختلف الاعمار ، إلا إن ما يجمع هؤلاء الفتيات هو الجمال الفتان . وقد بدأت اقارنهن بفنانات هوليود وملكات جمال العالم وقد وجدت الكثير منهن اجمل من ملكات الجمال واقسم على ذلك ولولا الحياء لقدمت للقارئ الكريم صورا قريبة لهن . مشينا بضع خطوات فرأيت صبية على احسن ما خلق الباري فصحت بصديقي : الله اكبر .. انظر أنها طفلة .. هل هذا معقول ؟ فأجابني بدراية العارف بقانون هذا الشارع ... لا يسمح لاي فتاة دون السابعة عشرة العمل في هذا الشارع وهذه الفتاة ربما نكون في السابعة عشرة .!
عندما عبرنا إلى الجانب الاخر من الشارع الاحمر رأيت واحدة يبدو عليها الهدوء والعذوبة واللطف فقلت لصديقي لنتكلم مع هذه الفتاة اللطيفة وهممت بالاقتراب منها ، إلا إن صديقي وبلهجة حازمة قال لي : لا تقترب .. انه رجل ؟!! رجل ؟ ماذا تعني ؟ كيف يمكن إن يكون رجلا ؟ انظر إلى صدره (ا ) . غير انه ضحك طويلا هذه المرة وقال : كان ينبغي إن اخبرك إن ليس كل الموجودات من النساء . عند ذلك تهشمت كل الصور الجميلة التي رأيتها في البداية واستبد بي غضب من هذا العالم الذي يستغل كل شيء من اجل المال حتى اجمل قيمة لدى الإنسان وهو جسده الذي لا يقدر بأي ثمن .

في أمستردام اليوم فريقان متناقضان عن الشارع الاحمر (ريد لايت ). قسم منهم يقول إن الشارع جزء من شخصية المدينة وهو جزء حيوي للغاية ويستقطب الكثير من السياح الذي ينعش الاقتصاد فلا بد من بقائه . بقسم آخر يجد إن الشارع فضاء للجريمة وتجارة اللحم الابيض والمخدرات وغسيل الاموال فلا بد للبلدية من ان تفعل شيئا . بلدية أمستردام قامت بأجراء مسح تام على الشارع ووجدت إن ما يقرب من ثلاثين من هذه الغرف الزجاجية لا تتطابق مع القانون وسوف تغلق أو لا تجدد تراخيصها لان بعض ما تكسبه جاء عن طريق له علاقة بالجريمة المنظمة .
لقد اكتشفت البلدية ان هناك الكثير من الفتيات كن مجبرات على ممارسة البغاء بسبب النصب الذي تعرضن له من قبل هؤلاء التجار ورجال الاعمال . اذ غالبا ما يعلن بعض هؤلاء التجار عن اعمال ليست لها علاقة بهذه التجارة الغريبة فتتقدم الكثير من الشابات اللواتي يبحثن عن مستقبل في هولندا إلى هؤلاء الذين يقومون بالاحتفاظ بجوازات سفرهن ويجبروهن على العمل في مجال البغاء . وغالبا ما يكًن من أوربا الشرقية أو كوبا أو افريقيا . مؤخرا قامت البلدية من اجل التحري عن الاخطاء التي يرتكبها هؤلاء التجار بأستخدام عملاء لها يقومون بمتابعة الفتيات اللواتي يعتقدون انهن مجبرات على البغاء . يقوم هؤلاء بعد ان يطلبوا ممارسة المتعة مع احداهن بطرح أسئلة لا تثير الشبهة عن البلد الذي جاءت منه الفتاة وهل تشعر انها سعيدة في مهنتها أو هل تتقاضى اجرا جيدا ؟ وعلى ضوء الاجوبة يقرر العميل في ما اذا كانت الفتاة مجبرة على العمل أم لا . ويحدث احيانا إن تبادر الفتاة وتخبر زبائنها عن وضعها المأساوي فيقومون بأخبار البلدية بالامر . بعد شهرين من ألان ستقوم البلدية بتقرير عدد النوافذ التي سوف تغلق بعد إن تنتهي من التقرير الذي يشتغل عليه الخبراء وربما يكون مصير هذا الشارع الغلق مثلما حصل في مدينة هارلم .
قبل إن نخرج من الشارع الذي يغص بالسياح من كل مكان رأينا انا وصديقي سائحين يبحثان عمن يلتقط لهما صورة مع احدى الفتيات فتبرع شخص معروف عند الجالية العربية بمغامراته العجيبة الغريبة والتقط بعض الصور للسائحين . وبعد إن اعاد لهما الكاميرا سألهما من أين قادمان فقالا : من اسرائيل . حين سمع هذا المغامر كلمة اسرائيل صاح بأعلى صوته وباللغة الانكليزية ( نحن اعداء .. انتم قتلتم صديقي في جنوب لبنان ) عندها ركض السائحان هاربين بكل ما يستطيعان بينما بقي المغامر يصيح خلفهما .. الويل لكم .. اللعنة .. اللعنة .