تمثل الصناعات اليدوية في سورية جزءا حيويا من الثقافة الجمالية التي يتميز بها السوريون عبر التاريخ وأسهمت مهارة الحرفي السوري المتوارثة منذ آلاف السنين في التعامل مع مواد الطبيعة في خلق إبداعات أصبحت نماذج للدقة والإتقان والإبداع على المستوى العالمي حيث أصبحت سورية موطن العديد من أمهات هذه الصناعات.


عماد مصطفى - تامر قرقوط: تتجمع أغلب هذه المهن اليدوية التقليدية على اختلاف منتجاتها وتاريخ ظهورها في سوق واحدة تسمى سوق المهن اليدوية الذي يشكل مقصدا مهما للسياح بتنوع وجمال الصناعات التي يضمها من سيوف دمشقية وحفر ونحت على الخشب وصناعة القش والمطرقات النحاسية والجلديات بمختلف أنواعها إضافة إلى الموزاييك الدمشقي والصدفيات والشال والبروكار الدمشقي والزجاج.

يمتد السوق الذي يدخله الزائر من خلال بوابة واسعة يعلوها قوس حجري حوالي 200 متر في صفين من محلات تتقابل بشكل متواز يخترقها شارع ضيق بعرض خمسة أمتار من الشرق إلى الغرب وفي منتصف الجهة الجنوبية للمحلات يقع باب صغير يفضي إلى فناء واسع تحيط به من الجهات الأربع محال أخرى يمثل تكملة السوق من الجهة الجنوبية.
ويقول الدكتور سعد الله آغة القلعة وزير السياحة في تصريح لـ سانا إن دور الصناعات اليدوية في ترويج المنتج السياحي مهم جدا لأنه يعكس تقاليد المجتمع وفنونه المختلفة مضيفا إننا نريد تحويل الصناعات التقليدية إلى صناعة تشارك في النشاط الاقتصادي والسياحي في سورية مؤكدا أن إشراك الصناعات التقليدية في النشاط السياحي هي سياسة أساسية تتبعها وزارة السياحة.

ولفت اغة القلعة إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تناميا في عدد السياح وفي التسويق للمنتج السياحي بما فيه منتج الصناعات التقليدية ما انعكس بعائد مادي على الحرفيين وصناع المهن التقليدية مضيفا ان هذا يدفعنا إلى دعمهم والمساعدة في الحفاظ على هذه الصناعات من خلال افتتاح أسواق جديدة لها.

من جانبه قال هاني العشي رئيس لجنة سوق المهن اليدوية وصاحب محل لبيع وترميم العاديات الشرقية.. إن مهنة ترميم العاديات والتحف الشرقية تعود إلى قرون خلت لافتا إلى أن نماذج وتصميم هذه الشرقيات هي نفسها التي كانت تنتج في زمن الملكة التدمرية زنوبيا واوضح أنه يعتمد في ترميم القطعة وإعادتها إلى ما كانت عليه على كتلوكات و بروشورات قديمة حيث يتم إضافة احجار نصف كريمة مثل الفيروز والعقيق والمرجان وقطع من الفضة.

وبدوره قال كنان طافش حرفي مهنة البروكار على النول اليدوي إن صناعة البروكار فن حقيقي يقوم على تطعيم الحرير الطبيعي بخيوط ذهبية وفضية تزيد من رونق القماش برسوم ونقوش وصور وفق أشكال هندسية ونباتية متقنة إضافة إلى بعض المنمنمات الجميلة لافتا إلى أنه لا يزال يعتمد في صناعة البروكار على نول خشبي قديم يعود تاريخه إلى أكثر من 195 عاما.

وأضاف طافش إن صناعة البروكار علم بحد ذاته يعتمد على معرفة نوع الخيط ومتانته وطريقة التعامل معه إضافة إلى اعتماده على الرياضيات في حسابات الخيوط المراد وضعها في التصميم كذلك على علم الميكانيك في صيانة وضبط النول اليدوي.

ولفت طافش إلى ان صناعة البروكار تعود إلى نحو ثلاثة قرون في دمشق وحلب ويتم صنعه وتحضيره بشراء الحرير الطبيعي الخام من طرطوس والدريكيش وصبغه قبل القيام بعمليات البرم والذوي ووضعه على النول الخشبي المحتوي على آلة الجاكار ذي السنانير التي تساعد في نسج الصور والأشكال على القماش موضحا أن البروكار الخفيف يستخدم للالبسة بينما يستخدم الوسط للاعمال الديكور أما الثقيل منه فيستخدم للمفروشات وورق الجدران.

من جهته قال محمد جهاد حلبي صاحب محل موزاييك وصدفيات إن مهنة الموزاييك تقوم على تطعيم الخشب بالخشب عبر إعطائها أشكالا هندسية متنوعة من المربع والمثمن والمستطيل مشكلة بذلك رسوما معينة يتم لصقها مع بعضها البعض بعد تقسيمها إلى شرائح تثبت على المصنوعات الخشبية من الطاولات والكراسي وغيرها.
وأوضح حلبي طريقة صنع الموزاييك من أخشاب الجوز والزيتون والكينا والورد التي تتميز كل منها بلون معين تعطي الرسوم الألوان المطلوبة والمميزة يتبعها عملية تقطيع الخشب وتنظيفه من الشوائب بآلة الرابوت لتصبح ذات ملمس ناعم تجمع بعدها القطع وفق شكل معين على علبة أو طاولة أو إطار يتبعها عملية تنزيل وتطعيم القطعة بالصدف بعد حفر بعض الأماكن في القطعة ووضع الصدفة والقيام بالتنعيم والتزيين ومن ثم تطلى القطعة بمادة اللكر للحفاظ عليها.

وقال فياض سليمان سيوفي صاحب محل بيع وتصنيع سيوف دمشقية إن صناعة السيوف الدمشقية حرفة دمشقية بحتة وذات تاريخ عريق ومازالت تصنع بنفس الطريقة التي وجدت عليها حيث يتم تطعيم مقاطع السيف بالذهب والفضة أو الكتابة بماء الذهب على النصل موضحا أنه يتم رسم الأشكال الهندسية أوالنباتية على مقبض السيف وكتابة الأشعار أوالآيات القرآنية بماء الذهب والفضة على نصل السيف لإعطائه مظهرا فنيا وجماليا إلى جانب مهابته كأداة حرب كذلك تستعمل المعادن الثمينة كالذهب والفضة والاحجار الكريمة إضافة إلى النحاس والرصاص والحديد في ترصيع وتعشيق ونقش خمد السيف الدمشقي كما يطعم بعضها بالعاج والصدف والعظم بأشكال لا مثيل لها.

وأضاف سيوفي ان السيف الدمشقي معروف بجودة المعدن الذي يصنع منه حيث سمي بالمعدن الأسطوري نظرا لصلابته الكبيرة وملمسه الناعم وحدته ومتانته موضحا أن طريقة صنعه تتم في البداية بسبك خليطة معدنية فولاذية مضاف إليها نسب دقيقة ومدروسة من شوائب الكربون والمغنزيوم والكبريت والفوسفور وبعض المواد العضوية الاخرى ثم يتم طرقها وسحبها بدرجات حرارة متسلسلة لتخرج قضبان الفولاذ البيضاء الرفيعة والتي تجدل مع بعضها جدلات متتالية لتشبه الحبل الفولاذي تطرق لمرات عديدة ما يؤدي لإعادة التحام هذه الجدلات مع بعضها البعض وكأنها روح واحدة لتصبح صفحة النصل ملساء مزينة بتموجات صغيرة ودقيقة مميزة مضيفا ان صناعة السيف قد تستغرق أسبوعا إلى ثلاثة أشهر وفقا للزينة المطلوبة.

يذكر أن مديرية مدينة دمشق القديمة تعمل حاليا على إحياء ودعم 33 مهنة يدوية مهددة بالزوال مثل مهنة القباقبي والبغجاتي والسيوفي والصايغ والبروكار والقيشاني والعجمي والرسم على الزجاج وذلك بترميم مدرسة قديمة وتحويلها إلى سوق تضم هذه المهن.