مطلع عقد الستينات من القرن الماضي، واجهت دولة الإستقلال الفتيّة في تونس مصاعب وتحديات خطيرة على مستويات متعددة سياسية، واقتصادية واجتماعية. وكان سكان المناطق الداخليّة بالخصوص يعانون من الفقر والخصاصة في أشكالها الأكثر فظاعة وقسوة.

وعالما بكلّ ذلك، أطلق الزعيم الحبيب بورقيبة شعاره الشهير: "فرحة الحياة"، داعيا من خلال خطبه وتوجيهاته إلى القيام بحملات تنظيف واسعة شملت المدن والقرى وحتى الأرياف النائية.

وقد لعبت الإذاعة الوطنيّة دورا مهما في نجاح تلك الحملات، وتوعية الشعب بأهدافها النبيلة. وبتلك الطريقة أعاد بورقيبة الطمأنينة والأمل لقلوب "أبنائه الأفاضل وبناته الفضليات"! ورافق تلك الحملة، تعريف بتفاصيل برنامج "التنظيم العائلي" الذي كان الهدف منه تحديد النسل، وتحسين مستوى عيش العائلة التونسية.

وفي نهاية 2014، صعد حزب نداء تونس بقيادة الباجي قايد السبسي الذي يحب ان يقول دائما بأنه فخور بان يكون من ضمن من تحتضنهم "جبّة بورقيبة"، إلى السلطة، واعدًا التونسيين بإعادة الامن، ومحاربة الإرهاب والتهريب، وإنعاش الإقتصاد المريض، وتهيئة المناخ الملائم للنهوض بالبلاد التي شهدت كبوات خطيرة بعد انهيار نظام زين العابدين بن علي.

وكان من الطبيعي ان يستبشر التونسيون، خصوصا من صوتوا منهم للحزب المذكور، بمثل هذه الوعود. غير ان الطموح إلى السلطة، وتفضيل المصالح الخاصة على المصالح الوطنية سرعان ما أغرق "نداء تونس" في الصراعات بين الاجنحة، وبين الأفراد، تاركا البلاد لفوضاها وخرابها، متخليا عن المهام العاجلة القادرة على أن تعيد الفرحة والطمأنينة للنفوس وللقلوب. وظلت العاصمة، وبقيّة المدن والقرى تعيش أوضاعا مزرية ومخجلة حيث آنعدمت فيها النظافة، والعناية بالمحيط والبيئة، جرى وانتفت مظاهر التمدن والتحضر.

وبسبب الفوضى التي تزداد آستفحالا يوما بعد يوم، أصبحت الساحات العامة فضاءات تتكدّس عليها السلع الرخيصة والمهربة، ومنها تنبعث الروائح النتنة. والبعض منها أصبح مأوى للسيارات بما في ذلك المساحة الصغيرة المخصصة للراجلين في العاصمة! ولم تسلم الحدائق والشواطئ من هذا التشويه، وهذا التدمير. اما محطات النقل العمومي فقد باتت تفتقد إلى أبسط الخدمات والعناية.

ومن المخجل حقّا أن تصبح الفضاءات الأمامية للمساجد أسواقا لبيع الأزياء والملابس الغريبة عن التقاليد التونسية العريقة، وترويج كتب الفتنة والتكفير والفتاوى الصفراء التي تحرّض على العنف، وترهيب الناس وتقسيمهم إلى كفار ومؤمنين. لذا ليس من الغريب في شيء أن يحن الكثير من التونسيين إلى الزمن القديم حيث كانت تونس من البلدان العربية والإفريقيّة القليلة التي كانت تفتخر بمظاهرها المدنية والحضاريّة.

لو حرص حزب "نداء تونس" على تنفيذ برنامجه الطموح، لازدادت شعبيته، ولما سمح لحركة النهضة بالعودة إلى الواجهة من جديد، ولما تجرأت بعض الاحزاب الصغيرة المعروفة بنزوعها إلى التطرف والعنف على اشعال الانتفاضات الخطيرة في وسط وجنوب البلاد مطلع العام الحالي، والتي كادت ان تنسف ما تبقى من احلام التونسيين الطامحين في ان يعود الامن إلى بلادهم، وان يستعيد الاقتصاد حيويته التي خنقتها الازمات المتتالية، ومافيات الفساد والتهريب.