ذكرت فى مقال سابق لى عن معارضتى بصورة عامة للثورات والانقلابات وكل أعمال العنف، وذكرت بأنه لا يستطيع أحد أن ينكر تأثيراتها السلبية على الحياة اليومية وخاصة على الطبقة الفقيرة، حيث ان نسبة كبيرة من العمال وأصحاب المهن الحرة الصغيرة الذين يعيشون مما يكسبونه يوما ليوم، فاذا ما انقطع رزقهم بضعة أيام يجوعون فيضطرون الى الأعمال الغير شرعية للكسب الحرام لإطعام عوائلهم وأطفالهم، وينطلقون على غير هدى كذئاب جائعة تفترس من تلقاه امامها. وقد عاصرت فى حياتى ثلاثة أحداث لا يمكن أن تمحى من ذاكرتى، الأولى بعد حركة رشيد عالى الكيلانى عام 1941 عندما أخذ الجيش العراقي بالتراجع بغير انتظام أمام الجنود البريطانيين الذين دخلوا العراق من الحدود الأردنية وزحفوا على بغداد، وقام الجنود المنسحبون بإلقاء أسلحتهم فى نهر الفرات ليسهل عليهم الهرب من المعركة الغير متكافئة، فشرع شيوخ العشائر بالتفاوض مع الانكليز بأن يسمحوا لهم بالاستحواذ على تلك الأسلحة لقاء عدم التعرض لهم. وطبعا وافق الانكليز على ذلك بكل طيبة خاطر!

وصل خبر تراجع الجيش الى بغداد، فانفلت حبل الأمن واختل النظام وقام بعض الجهلاء والمجرمون المحترفون ومعهم بعض رجال الشرطة بالهجوم على دكاكين اليهود ndash;خاصة فى شارع الرشيد- ونهبوها ولم يكتفوا بذلك، فقد هاجموا ونهبوا دكاكين المسلمين أيضا، وقتل بعضهم بعضا للاستحواذ على المسروقات، وقد أطلق على تلك الأعمال الشنيعة إسم (الفرهود) التى راح ضحيتها العشرات (وربما المئات) من اليهود والمسلمين، ومرت أسابيع قبل ان يعود الهدوء ويعود الناس الى مزاولة أعمالهم اليومية.

الثانية حصلت بعد ثورة تموز 1958 حيث قام بعض من ضباط الثورة الذين حاصروا قصر الرحاب الملكي برمي أفراد العائلة المالكة بالرصاص وقتلوا معظمهم دون أن يشهر أحد من أفراد العائلة سلاحا بوجه المهاجمين مخالفين بذلك أوامر القيادة بعدم التعرض للعائلة المالكة والمسئولين السابقين والأجانب، وطالبت بتسليمهم الى قوات الجيش والشرطة. التبرير الوحيد الذى يفسر ما قام به اولئك الضباط هو أنهم كانوا فى توتر عصبي شديد وكانوا يتذكرون جيدا مصير العقداء الأربعة الذين أعدموا بعد فشل حركة الكيلاني وعودة العائلة المالكة الى بغداد بمساعدة البريطانيين، فكان الخوف من أن يكون مصيرهم مثل مصيرالعقداء اذا ما نجت تلك العائلة واستعانت بالبريطانيين مرة أخرى. وانتشرت بعدها إشاعة لا اعرف مدى صحتها وهى ان المستشفى الملكي الذى أخذ اليه القتلى والجرحى اتصل بالعقيد عبد السلام عارف وأخبروه بأن اصابة الملك بليغة وانه قد يعيش اذا ما أعطوه دما، فرفض عارف ومات الملك الشاب الذى لم يتجاوز عمره 23 عاما.

ذلك ما حصل فى قصر الرحاب، أما ما حدث فى شوارع بغداد فى ذلك اليوم والأيام القليلة التى مرت بعدها، فقد اختلط الحابل بالنابل وانطلق القتلة واللصوص والجهلاء فى الشوارع يسحبون (يسحلون) جثة عبد الاله ولي العهد ونورى السعيد (وكلاهما كانا مبغوضين من الشعب) وبعض من وقعوا بأيديهم من المسئولين بالحبال فى الشوارع ومثلوا بجثثهم ببشاعة ووحشية لا مثيل لها. وقتلوا عددا من الأجانب البريئين، كما أشعلوا النار فى السفارة البريطانية ونهبوها. ولكن أعداء ثورة تموز يصرون كذبا فى مقالات نشرت فى الصحف هذه الأيام على أن الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم وضباطه هم الذين شجعوا على القيام بتلك الأعمال الاجرامية البشعة. ولا ريب من أن بعضا من هؤلاء الكتاب الحاقدين هم من أبناء او أحفاد المنتفعين من الحكم الملكي او يمتون بصلة اليهم.

والثالثة كانت بعد دخول القوات الأمريكية بغداد فى نيسان/ابريل 2003 وهروب (فارس العرب) من المعركة، فانطلق المجرمون ليسرقوا ما خف حمله وغلا ثمنه ويدمروا مالم يستطيعوا حمله وهاجموا الدوائر الحكومية والمستشفيات والمدارس والمتاحف وأمعنوا فيها نهبا وتخريبا بشكل لا يصدق. ولقد شاهدت فى منتصف عام 2004 بأم عينى أبراج الكهرباء والمواصلات السلكية بين بغداد والحدود الأردنية وقد خربها اللصوص بالساحبات (التراكتورات) الزراعية وجردوها من اسلاك النحاس لبيعه والحصول على ثمنه غيرمبالين بما قد يصيب المواطنين من أضرار فادحة حلت بهم بسبب قطع تلك الأسلاك. ولا زال المخربون يمعنون بتدمير الأبراج وغيرها حتى اليوم ولا يمنعهم دين ولا أخلاق ولا وازع من ضمير.

مثل هذه الأمورالمؤسفة قد تحصل فى كل مكان فى العالم وليس فى العراق وحده، قد تحصل عند قيام ثورة او انقلاب او اثناء الحروب، بل وحتى بعد المباريات الرياضية وفوز فريق وخسارة آخر فيخرج الغوغاء العاطلون والمراهقون المفلسون فينهبون ويدمرون ويحرقون كل ما تصل اليه أياديهم من الأثيمة سيارات مركونة ومحلات موصدة ومخازن كبيرة، كما حصل فى لندن قبل شهور، وحصل ذات الشيء فى كندا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول المتقدمة.

يصر أعداء ثورة تموز المجيدة على انها كانت انقلابا وليس ثورة، ومن الجلي الواضح أن الانقلاب يعنى ذهاب حكم ومجيء آخر دون أن يكون للشعوب رأي فيه كما حصل فى انقلاب 8 شباط 1963 عندما قامت مجموعة من الضباط الحاسدين المغرضين بالانقضاض على قادة الثورة وقتلوا أكثرهم وعلى رأسهم الشهيد الخالد عبد الكريم قاسم وصحبه ممن غامروا بحياتهم لأسقاط الحكم الملكي الفاسد، وأيدتهم الغالبية العظمى من أبناءالشعب ومن كان يمثلهم من الأحزاب الوطنية مثل الحزب الوطني الديموقراطي وحزب الاستقلال والحزب الشيوعي وغيرهم من الأحرار، وانضم اليهم فى البداية القوميون والبعثيون الطامعون بالحكم بحجة الوحدة العربية، وانتظروا الفرصة المؤاتية للغدر والخيانة، وقاموا بانقلابهم الأسود وعاثوا بالبلد فسادا وتدميرا، وفجروا فى الساعات الأولى من انقلابهم 20 طائرة ميغ حديثة جاثمة فى مطار الرشيد، ودعسوا بدباباتهم سيارات مدنية بمن فيها فى ساحة الباب الشرقي، واستمر حكمهم 40 عاما، من عام 1963 الى عام 2003 خسر فيها العراق ما يزيد على المليون شهيد من خيرة شبابه، بالاضافة الى ملايين المعوقين واليتامى والأرامل، ودمرت بنيته التحتية نتيجة لمغامراتهم وحروبهم الصبيانية الفاشلة، واستلم الحكم الجديد بلدا مخربا وشعبا مذهولا لا حول له ولا قوة بعد حصار اقتصادي قاتل لأكثر من عقد من الزمن، كان خلالها (بطل البوابة الشرقية) يبنى القصور لعائلته والمقربين اليه.

بالرغم من تجمع أعداء العراق من الملكيين والبعثيين والقوميين والبارزانيين وعملاء الدول القريبة والبعيدة وتوحيد جهودهم لعرقلة أعمال الحكومة الجديدة لأظهارها كحكومة عاجزة، ونجحوا بذلك الى حد كبير، فلم تستطع الحكومة أن تنفذ المشاريع الكبرى لاعادة إعمار البلدان ولا تقديم كل الخدمات التى شعبنا بأمس الحاجة اليها مثل توفير الماء الصالح للشرب والكهرباء وغيرها، وهى مستهدفة دوما من قبل مجاميع من المجرمين أطلقوا على انفسهم اسم (المقاومة) وكل ما يطمحون اليه هوالحصول على الحكم لتنفيذ أغراضهم الشخصية الدنيئة غير مبالين بما قد يحل بالبلد والشعب من أضرار فادحة.

إن ما يحصل الآن فى العراق يكاد يطابق ما حصل فى اواخر أيام حكم الزعيم الراحل، فان البعثيين والبارزانيين وأيتام العهد الملكي والجهلاء والمغامرين قد أجمعوا على إزاحة رئيس الوزراء المنتخب والتخلص منه، فإن تم لهم ذلك فسيتقاتلون فيما بينهم لعدم وجود رابط حقيقي يجمعهم سوى الحصول على الكرسي، وسنرى من الكوارث والنكبات ما لم نرى او نسمع به منذ غزو المغول واحتلالهم لبغداد عام 1258 ميلادية (قبل 700 عام من ثورة تموز المجيدة)، وسيقسم العراق الى أقاليم متناحرة يقتل بعضها البعض الآخر، ولن يجنبنا هذا المصير البائس إلا توحد أبناء شعبنا الغيارى تشكيل سد مانع متراص أمام مطامع ورثة اولئك المجرمين الذين أجهزوا على أشرف إنسان وأنبل من حكم العراق فى عصرنا هذا.
وسلام من شعب العراق الأبي على الزعيم الشهيد يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيا.