8- البشر وكائنات السماء الأخرى في الكون المرئي: معضلة الاعتراف والإنكار؟

أظهر اكتشاف جديد بأن مجموعة مجرات تتجه منجذبة نحو نقطة معينة وهذه الظاهرة ليست لها صلة بتوسع الكون والذي يشمل جميع المجرات، إذ أنها تلاحظ في تجمعات معينة من المجرات تنحصر في زاوية رؤيا يقدر عرضها بعشرين درجة وتتركز حول محور طوله 2،5 بليون سنة ضوئية يمتد من مجموعتنا الشمسية في جزء من الكون يلاحظ أنه ينجرف في إتجاه مجرات القنطور أو السونتوريوس Centaurus ومجرات الشجاع Hydra بسرعة مليون ميل في الساعة.

ولايعرف العلماء حالياً مالذي يسبب هذا الجذب الهائل لهذا الجزء من كوننا، ولكنهم على ثقة بأن هذا التأثير بدأ مبكراً عندما كان الكون في اللحظات الأولى من نشأته. وقد أبدى أليكساندر كاشلينسكي، أحد أعضاء الفريق العلمي في ناسا NASA الذي اكتشف هذه الظاهرة، رأيه لموقع ديسكوفري بقوله أنهم لايعرفون طبيعة الجسم الذي يسحب كوننا لعدم توفر معلومات كافية عن هذه الظاهرة في الوقت الحاضر، ولايعرفون فيما إذا كان هذا الجسم كون آخريقع خارج الأفق الكوني لكوننا المرئي أو نسيج مختلف آخر للفضاء، ولكنه أضاف بأنه في كلتا الحالتين فهذا الجسم بعيد جداً عنا وخارج كوننا المرئي وطبيعته سوف تكون مختلفة تماماً عما نعرفه هنا في هذا الكون.

إن ثبت أن سبب هذه الظاهرة العجيبة هو تأثير وجود كون آخر خارج كوننا هذا، فسوف يكون هذا تأكيد على إستنتاج تشير إليه عدة نظريات حديثة ويتزايد عدد كبار علماء الفيزياء والفلك في قبولها تتعلق بطبيعة الكون ونشأته وهي أن كوننا ليس وحيداً بل يوجد هناك عدة أكوان لامحدودة في العدد تظهر بشكل متكرر ودائم. وفي سياق شيوع أطروحة الأكوان المتعددة فكر بعض العلماء بتطبيق نظرية دارون في النشوء والارتقاء وفق مبدأ الانتخاب الطبيعي والبقاء للأقوى والأصلح، على علم الكون الكوزمولوجيا la cosmologie وذلك انطلاقاً من فكرة أن الكون الذي يحتوي على عدد كبير من الثقوب السوداء يتكاثر كثيراً se produit مولداً عدداً كبيراً من الأكوان الأطفال، وكل واحد من تلك الأكوان الوليدة يحمل في طياته الإرث الجيني أو الوراثي patrimoines geacute;neacute;tiques للكون الأصلي وهناك من يموت في مهده ويندثر من تلك الأكوان وأخرى تنمو وتتطور وتعيد الكرة من جديد في عملية تكاثر أخرى مثل الكائن الحي. وحسب بعض النظريات المتداولة فإن كوننا المرئي الذي نعيش فيه جاء نتيجة لتطور طبيعي وانتخاب طبيعي من بين مليارات الأكوان الأخرى التي ولدت معه من رحم كون أقدم، وهذه فكرة العالم الفيزيائي لي سمولان Lee Smolin الذي كان أول من اقترح تطبيق مبدأ الانتخاب الطبيعي الدارويني على علم الكون الكوزمولوجيا فهو يعتقد أن في كل ثقب أسود ويوجد في كوننا المرئي مليارات الثقوب السوداء يحدث انفجار كبير بغ بانغ Big Bang يؤدي إلى ولادة كون جديد تمتلك فيه الثوابت الكونية الجوهرية قيم مختلفة قليلاً أو متطابقة مع قيم الكون الأم الذي أولدها، وفي حالة وجود اختلافات ولو طفيفة تحدث طفرات تطورية mutations وتحولات تؤثر على الإرث الجيني الوراثي مما يخلق اختلافات بين الأكوان التي بقيت على قيد الحياة كما هو الحال في مبدأ الوراثة البيولوجي principe drsquo;heacute;reacute;diteacute; biologique وعند وقوع الطفرة التطورية يتدخل عامل الانتخاب الطبيعي الذي وصفه دارون في نظريته البيولوجية في كتابه أصل الأنواع. أي أن الانتخاب الطبيعي يستند على نجاح عملية إعادة الإنتاج أو التكاثر. فكلما كان عدد الثقوب السوداء كبيراً كلما كان عدد الأكوان المتولدة كبيراً أي تزدادا عملية التكاثر التي تؤدي إلى نشوء عدد كبير من الأكوان الشقيقة أو التوائم المتباينة أو المتشابهة ذات الإرث الوراثي أو الجيني المتشابه أو المتقارب جداً وبالتالي يكون البعض منها قادراً على إنجاب أطفال أكوان أي التكاثر والنمو وخلق أجيال جديدة من الأكوان حيث يمكن القول أن الظروف الملائمة لنشأة أكوان جديدة تحتوي في طبيعتها على الظروف الملائمة لنشأة الحياة داخل بعض تلك الأكوان مثلما حدث في كوننا المرئي. فالحياة جزء أساسي من التكوين الجوهري الكوني فالبشر ظهروا لأن تطوراً ما ضمن عملية انتخاب طبيعي سبقت ظهور الحياة في كوننا المرئي، كان قد حدث جعل حتمياً ظهور البشر في كوننا المرئي ليس فقط على سطح الكرة الأرضية بل في كل مكان في الكون المرئي تتوافر فيه الظروف الملائمة مما يعني أن ظهور الحياة في أي مكان في الكون المرئي سيكون بالضرورة رديفاً لظهور جنس بشري من نوع ما وبدرجات متفاوتة من التطور.

النشأة وعدم التماثل
يبدو كل شيء مدرك من الأرض تقريبا أنه مكون من المادة بدلا من المادة المضادة. ويعتقد كثير من العلماء أن زيادة المادة عن المادة المضادة المعروفة باسم (عدم التماثل الباريوني) هي نتيجة لخلل في إنتاج جسيمات المادة والمادة المضادة في الكون في وقت مبكر إبان مرحلة الولادة، في عملية تسمى التخليق الباريوني. إن مقدار المادة التي يمكن ملاحظتها في الوقت الحاضر في هذا الكون يتطلب عدم توازن في الكون المبكر بموجب جسيم واحد من المادة مقابل مليار زوج من جسيمات المادة والمادة المضادة يتم إنشاء المادة المضادة في كل مكان في الكون حيث تتصادم الجسيمات عالية الطاقة. الأشعة الكونية عالية الطاقة التي تؤثر في الغلاف الجوي للأرض (أو أي مادة أخرى في النظام الشمسي) تنتج كميات صغيرة من المادة المضادة ناتجة عن تدفق الجسيمات، والتي تفنى على الفور عن طريق احتكاكها بالمادة القريبة. وبالمثل فإنه قد يتم إنتاجها في مناطق مثل وسط مجرة درب التبانة ومجرات أخرى، حيث تحدث أحداث سماوية نشطة جدا (أساسا التفاعل بين التدفقات البلازما مع الوسائط بين النجوم). ووجود المادة المضادة الناتجة قابل للاكتشاف من خلال أشعة جاما التي تنتج عندما تفنى البوزيترونات مع المادة القريبة. ويشير التردد والطول الموجي لأشعة جاما إلى أن يحمل كل 511 كيلو الكترون فولت من الطاقة وفق الملاحظات الأخيرة التي قامت بها وكالة الفضاء الأوروبية لأشعة جاما (مختبر الفيزياء الفلكية الدولي أشعة جاما) وقد تفسر الأقمار الصناعية منشأ سحابة عملاقة من المادة المضادة المحيطة بمركز المجرة. الملاحظات تظهر ان السحابة غير متناظرة وتطابق نمط ثنائيات أشعة إكس، نظم النجم الثنائي وتحتوي على ثقوب سوداء أو نجوم نيوترونية، معظمها على جانب واحد من مركز المجرة. في حين أن هذه الآلية ليست مفهومة تماما، فمن المرجح أن تنطوي على إنتاج أزواج من الإلكترون والبوزيترون، والمادة العادية تحصل على طاقة هائلة أثناء الوقوع في بقايا النجوم.

وقد توجد المادة المضادة بكميات كبيرة نسبيا في مجرات بعيدة بسبب التضخم الكوني في الوقت البدائي للكون. وتحاول ناسا تحديد ما إذا كان هذا صحيحا بالبحث عن الأشعة السينية وأشعة جاما التي تشير الاحداث الى فناءها في اصطدام الكتل العظمى.

البحث عن العوالم المضادة
كان الفيزيائي ألڤاريز أول من بادر عام 1960 إلى البحث الشامل عن المادة المضادة الكونية. فقد بدأ بالبحث عن الجسيمات المضادة الثقيلة في الإشعاع الكوني كنواة الهليوم المضاد أو الكربون المضاد أو الأكسجين المضاد. ولا يمكن لهذه الجسيمات نظرا لضخامة كتلها أن تنتج من اصطدامات الجسيمات بين النجمية، خلافا لما هو عليه الأمر بالنسبة للبوزيترونات والبروتونات المضادة. فاكتشاف نواة هليوم مضاد يعني والحالة هذه أن جزءا من المادة المضادة بقي بعد الانفجار الأعظم؛ كما يعني اكتشاف نواة كربون مضاد أو أكسجين مضاد وجود نجوم مضادة، لأن الكربون والعناصر الأخرى الأثقل لا تتكون إلا في النجوم.
ومعظم الفيزيائيين الفلكيين لا يعتقدون بوجود نجوم مضادة. صحيح إن الضوء الصادر عن النجوم المضادة لا يختلف عن ضوء النجوم العادية، ولكن اصطدام الجسيمات بين النجمية بالنجوم المضادة يُنْتح دفقا هائلا من أشعة گاما. لاحظت المكاشيف Deacute;tecteurs المدارية أشعة گاما منخفضة الطاقة مما يدل على فناء ذؤابة ريش هائلة من البوزيترونات positrons قد تكون آتية من مركز مجرتنا. ومع ذلك لا يعتقد العلميون بصدور هذه البوزيترونات عن نجم مضاد. لأن هذا الأخير، إن وجد، سيبدو كمنبع شديد ومرَكَّز لأشعة گاما ذات طاقة أعلى بكثير من تلك التي رصدتها المكاشيف. وهذا ما يدفعنا إلى القول بعدم وجود نجوم مضادة في المجرة. كما نصل، بالمحاكمة نفسها، إلى القول بعدم وجود مجرات مضادة في أي عنقود (تجمع) مجرات محلي.

وماذا عما هو كائن على مسافات أبعد؟ فقد يوجد في الكون مجرات مضادة معزولة تفصلها مسافات شاسعة عن المجرات المؤلفة من المادة العادية. قام الفلكيون في العقد الماضي بدراسات مستفيضة لتوزع المجرات شملت المجرات التي يصل بعدها إلى بليون سنة ضوئية. ولم تظهر هذه الدراسات أي منطقة معزولة يمكن اعتبارها مكونة من مادة مضادة. وعلى العكس من ذلك فقد أظهرت الدراسات وجود نسج (شبكة) من عناقيد (جموع) مجرات محيطة بفضاء خال، كأنه حوض استحمام هائل ممتلئ بالفقاعات المزبدة. ولو كانت أجزاء واسعة من الكون مؤلفة من المادة المضادة لأنتجت المناطق التي تتداخل فيها المادة والمادة المضادة مقادير ضخمة من أشعة گاما في بدء نشأة الكون. ولم يكتشف الفلكيون أي توهج قد يعود إلى هذه الأشعة. وإن كان للمجرات المضادة وجود، فلا بد من أن تكون خارج مدى أفضل التلسكوبات أي على بعد لا يقل عن عدة بلايين من السنين الضوئية.

إن الزيادة الطفيفة في عدد البوزيترونات العالية الطاقة التي سجلها التلسكوب توحي بإمكانية وجود مصدر آخر للطاقة المضادة هو الجسيمات الافتراضية الثقيلة الضعيفة التفاعل ومن جهة أخرى تزودنا نظريات الكوزمولوجيا (علم الكونيات) الحديثة بحجج تؤيد تكوّن الكون بكامله تقريبا من المادة العادية. فقد أنتج الانفجار الأعظم، حسب أكثر هذه النظريات شيوعا، فائضا صغيرا من المادة على المادة المضادة في لحظة الخلق الأولى. وقد حدثت هذه الظاهرة بسبب عدم تناظرٍ صغيرٍ في قوانين الفيزياء يعرف باسم انتهاك قاعدة بقاء الندية وشوهد في المختبرات. ففي مقابل كل ثلاثين بليون جسيم من المادة المضادة خلقت أثناء الانفجار الأعظم ظهر ثلاثون جسيما من المادة العادية مضافا إليها جسيم زائد. وبعد مضي نحو جزء من المليون من الثانية على الانفجار الأعظم بدأت الجسيمات والجسيمات المضادة بإفناء بعضها بعضا حتى لم يبق إلا فائض صغير من المادة العادية. وأصبح هذا الفائض النسبي وهو في واقع الأمر عدد كبير من الجسيمات الكون الذي نعرفه حاليا.

وعلى الرغم من أن هذه النظرية تبدو مقنعة، فقد تابع بعض العلماء البحث عن الجسيمات المضادة الثقيلة، وهم لايزالون مقتنعين بوجود مناطق واسعة من المادة المضادة، وبأن نوى المادة المضادة الثقيلة السائرة بسرعة تقارب سرعة الضوء تستطيع اجتياز المدى الشاسع الذي يفصل هذه المناطق عن مجرتنا، وفي الستينات والسبعينات نشر ألڤاريز وعلماء آخرون اكتشافات عديدة وحللوا عشرات الآلاف من صدمات الأشعة الكونية لتحديد ما إذا كان أحد الجسيمات الصادمة مادة مضادة ثقيلة؛ كما جمعت تجارب حديثة ملايين العينات من الأشعة الكونية. وعلى الرغم من هذه الجهود فإنه لم تظهر أية مادة مضادة أثقل من البروتون المضاد.
ليس هناك ما يمنعنا من تصور إصدارِ مجرات مضادة بعيدة جسيماتٍ مضادةً ثقيلة تَحُول الحقولُ المغنطيسية في الفضاء بين المجرّاتي بينها وبين بلوغ الأرض. أظهرت قياسات الإشعاع السينكروتروني المار عبر عناقيد المجرات أن شدة الحقل المغنطيسي في العناقيد تساوي جزءا من مليون من الحقل المغنطيسي على سطح الأرض. ولما كانت شدة الحقل تضاعفت نحو ألف مرة أثناء تشكل العناقيد فمعنى ذلك أن شدة الحقل في الفضاء بين المجرات تساوي جزءا واحدا من مليار جزء من شدة الحقل على الأرض.

وتجدر الإشارة إلى نظرية بعض علماء الفيزياء في جامعة هارفارد الذين يعتقدون بوجود التوأم المعتم لمجرة درب التبانة Sombre Jumelle de la voie lacteacute;e ويوجد على هيئة قرص ملاصق للمظهر المادي المرئي للمجرة لكنه مكون من المادة السوداء مكوناته الأولية من الذرات والفوتونات السوداء أو المعتمة وهي مكونات غير معروفة ومجهولة الماهية وغير مرئية وسموها بالإسم العلمي DDDM ndash; double disk dark mater، ومن بين هؤلاء العلماء ليزا راندال Lisa Randall وهي عالمة مشهورة سبق أن نشرت في مجلة physical Review Letters المتخصصة الذائعة الصيت. فعلى ضوء الأبحاث النظرية والمشاهدات الحديثة، فإن أغلب المادة السوداء matiegrave;re noire تتوزع على شكل هالة halo حولة المجرات. والمعروف أن هذه المادة الباردة لاتتفاعل لا مع المادة العادية ولا مع نفسها مع حدوث استثناءات نادرة حسب أصحاب النظرية تجعل جزء ضئيل منها يتفاعل في إطار التفاعل النووي الشديدinteraction forte يشتت الطاقة ويبرد ومن ثم ينهار على شكل قرص في حالة دوران حول المجرة المادية الباريونية المرئية matiegrave;re baryonique أي حول المادة العادية التي نتكون منها مع باقي مكونات الكون المرئي Lrsquo;univers visible والتي تشكل 5% من مجمل المادة الموجودة في المجرة. وتقدر نسبة المادة السوداء المتفاعلة بــ 5% أيضاً من مجمل المادة السوداء في المجرة. والحال إنه على مستوى الكون المرئي فإن كثافة المادة غير المرئية التوأم يمكن أن يقارن بالباريونات baryons أو المادة الباريونية العادية. إن هذا النموذج يفترض أنه في اللحظات الأولى للكون كانت البروتونات والالكترونات والفوتونات السوداء مختلطة على هيئة بلازما ساخنة Plasma chaud تماماً مثل المادة العادية المرئية matiegrave;re normale visible ومع تزايد برودة الكون تشكلت الذرات وتكونت المجرات في حين بقيت غالبية الجسيمات السوداء particules noires منفصلة عن أزواجها الجسيمات العادية لذلك نراها توزعت على هيئة هالة حول المجرات. وفي لحظة انتظام الذرات العادية وتجمعها ينظم جزء صغير من الذرات السوداء نفسه أيضاً ويتطور بالتوازي مع المادة المرئية، باعثاً بدوره نوع من الإشعاعات غير القابلة للرصد أي الاشعاعات السوداء Lumiegrave;res noires التي تعجز أجهزتنا عن كشفها أو رصدها inaccessible وعند برودها تفقد تلك الذرات السوداء نوع من الطاقة وتنها مشكلة قرصاً مماثلاً لقرص المجرة العادي المرئي يدور حوله ومرتبطاً به كالتوأم الملتصق وإن هذا العالم الأسود monde noire يمكن أن يكون متنوعا مثل تنوع عالماً المرئي وبالتالي فإن مجموع المجرات السوداء المتداخلة بالمجرات المرئية في كوننا المرئي يمكن أن تشكل كوناً أسود غير مرئي univers noire invisible متوازي ومتداخل مع كوننا المرئي يحتوي على نفس محتويات كوننا المرئي لكنها غير مرئية. يتبع

[email protected]