محمد البرادعي قدم استقالته، بعد مقتل العشرات اثناء قيام الجيش والداخلية بفض الاعتصامات في يوم 14 اب، لم تكن استقالة محمد مصطفى البرادعي استقالة مفاجئه. لقد صرح قبلاً انه لايؤيد استعمال العنف في فض الاعتصامات في ميدان رابعة العدوية او غيرها بحق حاملي شعار الشرعية لمؤيدي الرئيس المعزول محمد مرسي. مؤكداً انه لا يستطيع تحمل مسؤولية قرارات لا يؤيدها.
تابعت الخبر كغيري ممن يهمه شأن أكبر دولة عربية مخطط لها ان تدمّر كما اريد للعراق وسورية، الحقيقة لم اكن أتمنى من البرادعي ان يعلن استقالته وانسحابه من المشهد السياسي في هذه الظروف التي تشتعل ساحات مصر فيها غلياناً في كل شبرمن ارضها، استقالته أفرحت أعداءه من شيوخ السلفية والاخوان الحالمين بالحكم والخلافة الاسلاميه على طريقتهم الخاصة، والذين يكيلون له كل الاتهامات الخاصة به وحتى بشؤون واسلوب حياة عائلته، خاصة ان هذه الاستقالة حصلت بعد فترة قصيرة جداً من ثورة 30 يونيو مما تعطي انطباعاً سيئاً للمتفائلين بمسيرة هذه الثورة، إضافة الى أنها قد قد تفتح باباً آخر لاستقالات أخرى تضعف ثورة التصحيح الذي انتفض الشعب من اجلها وحماها جيش السيسسي وهذا مالانتمنى حصوله لمصر أبداً.
نتمنى على مصر ان تستعيد دورها الريادي الذي تحلت به وبرزت في زمن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، مصر القوية، مصر التي انتصرت على اكبر عدوان ثلاثي، وأمّمت قناة السويس.
مهما كانت المبررات من البرادعي، فالاستقالة لم تكن موفقة، لقد حصلت في وقت غير مناسب أدّت به الى ان يجد نفسه مرمياً بزاوية ضيقة وبكم كبير من الانتقادات والاتهامات القاسية، قد لا يرضاها لنفسه، انتقادات انهالت عليه من كل الفئات والحركات والاحزاب والشخصيات.
البرادعي اعلن انه لا يتحمل مسؤولية قرارات غير مقتنع بها، او لا يؤيدها، هذه التصريحات تدينه بشده أكثر مما تؤيده لان منصبه الان يمثل كنائب لرئيس الدولة للعلاقات الخارجية، وهذا المنصب من الناحية السياسية لايتطلب منه اي تصريح فالمسألة تقع على عاتق وزير الدفاع والداخلية ورئيس الجمهورية، اما هو يجب ان يكون بعيدا عن كل تصريح آلّا إذا كان الامر يخص العلاقات الخارجية وبهذا يعني انه لايتحمل اي مسوولية في هذه الحالة والسكوت كان له افضل.
ثم ما معنى انه لا يتحمل اي مسؤولية !! اي مسؤولية يقصدها !! فالمسؤولية يجب ان يتحملها كل من ارتضى لنفسه ان يتحلى بموقع سياسي، لكن ليس من الواجب كل من يتموقع في موقع سياسي عليه ان يصرح في مالا يخص اختصاصه، فالتصريح لكل حسب مسئوليته. ثانياً ان كان يدين الطريقة التي اتخذتها الدولة او الفريق عبد الفتاح السيسي بفض الاعتصامات، فلماذا لم يقترح البرادعي ما هي الطريقة الأنسب بفض الاعتصامات ! و بحق من يحمل السلاح ضد قوات الأمن والجيش وبحق من عطل العمل في مؤسسات الدولة وعمل على ىشّلّ قدرتها، وبحق من يقطع الطرق ويحاصر المباني المحيطة برابعة العدوية والميادين الاخرى، وبحق من يروّع الناس ويحرق مؤسسات الدولة ويهدّد ويتوعّد بالسلاح استماتة ً بالشرعية المزعومة وبحق من حوّل أرض الكنانة العظيمة الى ساحات يسودها التخلف من المعتقدات، تكفير وتهديد وقتل كل من خالفها الرأي في الحكم والعقيدة،
ثم ماذا كان رأي البرادعي عندما عثرت القوات الامنية في مخيمات المعتصمين على كميات كبيرة من الذخيرة والسلاح،!! على من كان يريد الاخوان اصحاب الشرعية الاسلامية ينوون استخدام هذا السلاح ؟.
نعم قد نؤمن ان البرادعي تربى على ثقافة تؤطرها مباديء الديمقراطية والتسامح واحترام الرأي الآخر، لكن ذلك لايتنافى بضرورة استعمال القوة بحق من لا يحترم القانون ويحمل فكراً لايؤمن بالديمقراطية وشعاره التحريض على الحقد والبغض والكراهية، ويحمل فكراً يجوز له التمثيل في اجساد كل من لا يشاطرهم الرأي والعقيدة من الشيعة والأقباط وغيرهم.
إنكلترا عندما تعرضت لموجة تخريب من قبل شباب طائش يطالب بتحسين أحواله المعيشية بطريقة وحشية كانت تخرب وتعتدي على البيوت والمحلات، امرت الدولة في باديء الأمر الشرطة كلها بالنزول الى الشوارع لحماية الشعب وبعدها هدّدت ان لم يستتب الامن فإنها ستضطر الى الاستعانة بالجيش والخروج من ثكناته نحو الشوارع لاستتباب الامن الداخلي،
كان من واجب السيسي ووزير الداخلية ان يتحملا حماية الأمن الداخلي للبلد وإلا لن يكون للدولة اي هيبة. وستكون ساحة مفتوحة لكل من هبّ ودب من التدخلات الخارجية.
الدولة والجيش كانا قد إنذرا المعتصمين بضرورة فض الاعتصام، والدولة أمهلتهم ايام ليست قليلة قبل فض الاعتصام،ولم يكن السلاح والقوة خيار الدولة الأول، لكن عندما شهر الاخوان والمعتصمون السلاح بوجه قوات الأمن فماذا يتوقع البرادعي، وعندما يكون الاعتداء على ألمنشآت العسكرية والأمنية ماذا يتوقع احد ان يكون الرد، وعندما يهدد البلتاجي انه في حال فضّ الاعتصامات في الميادين سيكون الرد بقتل الآلاف. هل يقف السيسسي يتفرج أو ان ترمى الدولة الزهور المعطرة على خيامهم ؟!
البرادعي المتسامح جداً مع من يكيل اليه التهم والذي انسحب وانهزم من اجل قتل العشرات منهم فقط وقدم استقالته يتهمه اعداؤه بانه وراء قتل الالاف من العراقيين في عام 2003.
كما يتهمه الاخوان والسلفية انه يحمل فكراً ليبرالياً متطرفاً يبتعد كثيراً من القيم والاعراف العربية والاسلامية.
البرادعي متهم ببعض التهم الاجتماعية فمنها على سبيل المثال ان ابنته المحامية ليلى متزوجة من رجل أجنبي غير مسلم.
هذا الاتهام فنّده السفير المصري في فينا الذي كان شاهداً على هذا الزواج وأكّد ان إجراءات الزواج كانت على الطريقة إسلامية.
الحقيقه هذا الاتهام لايهمني من ابنة البرادعي، تتزوج من وكيف تعيش، بقدر ما يهمني ان يجلب البرادعي او غيره الامان والعدالة والديمقراطيه واحترام كل العقائد والاديان
لا يهمني من تكون زوجة البرادعي ولأي طائفة تنتمي وما هي أفعال ابنته مادام البلد قد يرتفع في ظله الى مستويات الرقي والتقدم والاحترام المتبادل وعدم التهميش لأي مكون كان، لا تهمني خصوصية العيش لعائلة البرادعي مادام في ظله لإيقطع رأس ولا يمثل بجسد ولا يأكل كبد ولا يتهمني بالكفر والرافضي والمجوسي او القبطي الذي يفرض عليه ان يدفع الجزية مادام هو يعيش حياّ في الارض المصرية بجانب الاخواني الحالم بالحكم وكأننا نرجع الى زمن القرون والحروب التي ابتلى بها رسولنا العظيم محمد (ص) ايام دعوته العظيمة.
ألفاظ لاتعبر الا عن فكر متحجر تستنكرها كل القيم والمباديء والديانات السماوية، محمد مرسي وصف الشيعة بالانجاس، كما وصف الشيعة بانهم اشد خطراً من اليهود وهذا ما أكده الشيخ السلفي المحرض على الفتنه والكراهية محمد حسين يعقوب في جلسة جمعته مع الرئيس مرسي ومجلس شورى العلماء من السلفية، فلا ادري كيف يحلّل البرادعي الحائز على جائزة نوبل للسلام استقالته بحق هؤلاء المجرمين، كان عليه ان لاينهزم امام الحق في احرج ساعات الاحتياج!؟
الاتهام الثاني الذي ندافع فيه بحق البرادعي انه متزوج من امرأة شيعية إيرانية،
أخو زوجة البرادعي انكر هذا الادعاء جملة وتفصيلاً واكّد ان أخته مصرية الأصل وقد درست في مدارس القاهرة.
لكن وفي هذا الخصوص يستوقفني هذا الاتهام بعدد من الاستفسارات.
على فرض ان زوجة البرادعي شيعية فما العيب في ذلك ، الا إذا اعتبرنا وبحسب ادعاءات مشايخ السلفيه الذين يعتبرون ان مايقارب أكثر من 200 مليون ن شيعي في العالم هم كفار وبحسب ادعاء الشيخ محمد يعقوب يؤكد ان مرسي وصف الشيعة بأنهم اشد خطراَ من اليهود، مرسي بهذا التصريح استفز مشاعر اكثر من 200 مليون شيعي في العالم ولان الشيعة كفار تم قتل المظلوم حسن شحاته بالطريقة المقززة التي استنكرها العالم كله وذلك بعد يوم واحد من الخطاب التحريضي المثير للكراهية والفتنة والطائفية في مناسبة ما يسمى بنصرة الشعب السوري وبحضور رئيسهم المخلوع، اهذه هي ديمقراطية حكومة الاخوان والسلفية؟.
أهؤلاء يستحقون الاستقالة من أجلهم lsquo; والاعتراض على طريقة فضّ اعتصامهم ؟!
لو ان فعلاً زوجة البرادعي شيعية فهل تحسب على البرادعي نقطة عار وسبّة على اختياره زوجة شيعية ؟ ولو كان البرادعي قد تزوج من امرأة تنتمي الى عائلة سلفية او إخوانية ذات الفكر التكفيري المؤمن بعقيدة الذبح والقتل والتمثيل بالجثث فهل سيتهم البرادعي بكل هذه التهم ؟ غريب هذا العالم العربي ومسكينة هذه الامة التي ابتليت بافكار ما انزل الله بها من سلطان، يقتل السلفي شيعياّ صباحاً حتى يتغدى مع رسول الله،او يقتله مساءا حتى يتعشى مع رسول الله، او يطالب بالشرعية لمرسي لأنه رأى الرسول محمد صاحب أكبر الرسالات المقدسة في التاريخ يصلي خلف مرسي او ان شيخاً آخر رأى في منامه ان الرسول يتكي على أحد ساقيه ومرسي يتكي على الاخرى.
لا ادري ماذا اقول وكيف يستطيع هؤلاء ان يستسخفوا بعقولنا وكيف يسمح لهم ان يصرّحوا وان يحكموا شعبا يمتلك حضارة متجذرة في اعماق تاريخ طوله 7000 آلاف سنة وان يحكم بهذه الخرافات وبالتالي يزايدون على البرادعي لماذا زوجته شيعية ؟ لكن الغريب ان يعترض البرادعي ويستقيل دفاعاً عنهم وكأنه يريد ان يطبق شعار السلم في جائزة نوبل التي حازها بحق مجرمين كهؤلاء.
آن كانت زوجة البرادعي فعلاً إيرانية فما العيب في ذلك الم يقل الرسول (ص) سلمان منّا اهل البيت لهذا سمي بسلمان المحمدي ؟ الم يقل الرسول محمد (لافرق بين عربي و اعجمي الا بالتقوى ) !! ثم على من هذه المزايدات ؟ هل كان الرئيس احمدي نجاد وصف شمعون بيريز بصديقي العزيز ؟ أم رئيسهم الاخواني !! أليست ايران الوحيدة في المنطقة لم تقم علاقات مع اسرائيل ؟ في حين ولأجل ان يضمن الاخوان بقاءهم في كرسي الحكم قبل رئيسهم صفقة سرية مع امريكا قيمتها 8 مليار دولار بشروط فرضتها على الاخوان، بشروط تؤمّن للجانب الاسرائيلي فيها العيش بأمان ابتداء من الالتزام بمعاهدة كامب ديفيد وتهدأة جبهة سيناء الى تمييع المباديء التي كانت تحملها حركة حماس ضد اسرائيل.
هذه الصفقة الامريكية مع الاخوان كشفها القيادي المنشق الخرباوي وفيها نسفت وتعرّت كل مباديء الاخوان الفضفاضة،
أليست ايران التي استبدلت سفارة الكيان بزمن الشاه الى السفارة الفلسطينية ؟ في حين يرفرف العلم الاسرائيلي فوق ارض الكنانة في زمن الرئيس الإخواني فما الفرق بينه وبين حسني مبارك ؟ .
يمكن ان يكون البرادعي قد ادرك ان مشاركته في الحكومة في هذا الوقت هي على قلب الاخوان والسلفية اثقل بكثير حتى من انقلاب السيسي على شرعيتهم المزعومة لان زوجته رافضية شيعية إيرانية وهذه جريمة كبرى بحق مصر ان يقودها سياسيون ينتمون الى المذهب الشيعي او تنتمي زوجاتهم الى ايران، متناسين ان شاه ايران كان متزوجا من أخت الملك فاروق، فلمااذا لم يعترض الاخوان على ملكهم فاروق عندما صاهر بزواج أخته ايران كلها ووضع يده بيد ايران بل بالعكس اتفقوا مع الملك نكاية بحزب الوفد العلماني وكانت تتصدر مقالاتهم صورة الملك فاروق تحت عنوان ( جلالة الملك فاروق المثل الاعلى لأمته )؟ .
ادعاءات الاخوان وبعض البعثيين العراقيين إنّ على رقبة البرادعي قتل الآلاف من العراقيين نتيجة تعاونه مع فرق التفتيش مع هانز بلينكس قبل الحرب على العراق عام 2003.
لكن في إحدى تصريحاته التي كان يدافع فيها عن العراق قال quot;إنه من الواضح أن هناك تناقصا كبيرا في قدرات العراق الصناعية في مواقعها النووية خلال الأربعة أعوام الماضية بسبب هجرة العديد من الخبرات العراقية ونقص الصيانة وترك الشركات الأجنبية لأعمالها بالعراقquot;.
وفي تصريح آخر يقول أولا: لا يوجد أي دليل على وجود أي عمليات نووية في جميع المواقع التي تم تفتيشها.
ثانيا: لا يوجد أي دليل على قيام العراق بمحاولة استيراد اليورانيوم منذ عام 1990.
ثالثا: لا يوجد أي دليل على قيام العراق بمحاولة استيراد أنابيب الألومنيوم والتي يمكن استخدامها في تصنيع أسلحة نووية. بالإضافة إلى انه حتى في حالة قيام العراق باستيراد هذه الأنابيب فقد كانت ستواجه مشكلة تقنية في محاولة الاستفادة منهاquot;
بعد ثلاثة أشهر من التحقيق الشامل والمتواصل يقول البرادعي : ان الوكالة لم تجد أي مؤشر على قيام العراق بمواصلة برنامجها التسليحي النووي. سنواصل عمليات التحقيق مستفيدين بكافة قرارات مجلس الأمن الخاصة بالتفتيش وكذلك ما لدينا من وسائل تقنيةquot;
واهم من كل هذه التصريحات لقد عبر البرادعي عن شعوره يوم غزو واحتلال العراق حيث قال بالنص ( لقد كان اول يوم من احتلال العراق أسوء يوم في حياتي )
فلا ادري ما معنى الاتهامات الموجّهه بحقه في قتل الآلاف من العراقيين؟.
محمد مصطفى البرادعي يمتلك عقلية جمعت الثقافة والاعتدال والاحترام ومسئولية شرف الكلمة حتى مع أعدائه عندما استقال لأجلهم.واعتقد ان البرادعي غالى كثيراً في ذلك.
تمنينا ان لا يستقيل في هذه الظروف حتى لا يتربص أعداء مصر من الداخل والخارج وتتحول مصر الى سورية او العراق الثاني الا إذا كان فعلاً لا يستطيع ان يؤدي الدور السياسي الذي يفترض ان يقوم به، ففضل الاستقالة خوفاً من التلكؤ، ولعل الأيام القادمة تكشف الكثير عن ما يدور ببال البرادعي فمصر بحاجة الى عقول نيرة.




التعليقات