قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

كثيرا ما تردد على اسماعنا ونحن صبيان يافعين في سنوات الستينات والسبعينات من القرن المنصرم مصطلح او مفهوم لعبة الأمم، وكان المقصود بها المناورات السياسية والعسكرية والمصالح الاستراتيجية والجيو سياسية العالمية المتضاربة، في خضم الصراع الدائر بين المعسكرين الشرقي والغربي او الرأسمالي والاشتراكي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في أوروبا الغربية واليابان من جهة والاتحاد السوفياتي وحلفاؤه في حلف وارشو من جهة أخرى وفي وسطهم يوجد ما كان يسمى آنذاك بدول عدم الانحياز كالهند وكوبا ويوغسلافياومصر، وهي في نهاية المطاف كانت تميل بشكل أو بآخر للمعسكر الاشتراكي ولكن ليس على نحو علني، وتستثمر او تستغل لصالحها كل ما أمكنها ذلك، الثغرات الناجمة عن توتر العلاقات والتصعيد القائم بين المعسكرين بذريعة النأي بالنفس. وبعد مرور ما يربو على النصف قرن ما يزال جزء مهم مما عرف بالعالم الثالث يرزح تحت تأثير هذه القوة العالمية أو تلك ويدفع الثمن عبر خوضه حروبا بالوكالة لصالح هذا المعسكر أو ذاك.قسم العالم العربي إلى مناطق نفوذ محتكرة لصالح هذه القوة العظمى أو تلك بعد تصفية تركات الاستعمارين البريطاني والفرنسي للمنطقة، فوضعت منطقة الخليج الغنية بالنفط وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، تحت النفوذ الأمريكي وقيدت بسلسلة من المعاهدات والاتفاقيات الاستراتيجية والدفاعية العسكرية والاقتصادية المكبلة مقابل توفير الحماية لها، وكان للبنان وضع خاص في حين وقعت مصر والعراق وسوريا تحت النفوذ السوفياتي وقسمت اليمن الى بلدين شمالي وجنوبي احداهما تحت النفوذ السوفياتي والآخر تحت النفوذ الأمريكي في حين سلمت فلسطين كليا للإسرائيليين ووضعت تحت الحماية الاستراتيجية العليا للولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك الأردن، وكانت تناط بكل هذه الدول اجندات ومهمات وأحيانا أعمال قذرة تصب في صالح هذه القوة الدولية المهيمنة او تلك. تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية بعد حرب أكتوبر 1973 من جذب مصر السادات وتخليصها من مخالب التأثير السوفياتي ووضعتها تحت المظلة الأمريكية بينما ظل العراق يراوح بين تحالفه الهش مع السوفييت وتطلعه للتحالف مع الأمريكيين ومع المعسكر الغربي وضرب الشيوعيين العراقيين حلفاء السوفييت كرسالة للغربيين للتعبير عن رغبتهم في التحول نحو الغرب. حصل ذلك عندما استفرد صدام حسين بالسلطة كليا في العراق سنة 1979 وشنه حربا بالوكالة لصالح الغرب وأميركا ودول الخليج ضد إيران سنة1980 والتي دامت ثمانية أعوام استنزفت البلدين ودمرتهما عسكريا وسياسيا واقتصاديا ومعنويا. هذه هي الخلفية التي تقبع وراء تشابك وتعقد الأوضاع التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط اليوم والتي قادت إلى حرب الخليج الثانية في أعقاب غزو العراق للكويت وفرض الحصار والعقوبات عليه لتركيعه وزيادة النفوذ السعودي في المنطقة كلاعب إقليمي مهم ومحمي من أكبر دولة عظمى في العالم مقابل إيران المستنزفة والمثخنة في الجراح بعد انتهاء حرب الثمان سنوات. ولكن في المقابل ظهر لاعب إقليمي ثالث في المنطقة، هو الاخر حليف لأميركا وعضو في حلف شمال الأطلسي ألا وهو تركيا، إلى جانب الحليف الاستراتيجي القوي للغرب وللولايات المتحدة الأمريكية على نحو أخص في هذه المنطقة الحساسة والمتوترة عسكريا والمقصود به إسرائيل بالطبع. انهار الاتحاد السوفياتي ما بين 1989-1993 وانتهت الحرب الباردة وتوحدت ألمانيا، وانفردت الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم كقطب أوحد وأعيد ترتيب أوراق لعبة الأمم الجديدة. إلا أن إيران تمكنت من تجاوز محنتها وإعادة ترميم نفسها وظهرت من جديد كقوة إقليمية مؤثرة تكاد تصبح قوة نووية مهددة للمنطقة برمتها لا سيما إسرائيل. بالتوازي مع تلك الأحداث كانت الأزمة الأفغانية تتفاقم منذ الغزو السوفياتي وبروز القوى الإسلاموية الجهادية والتكفيرية على ساحة الصراع ومن بينها تنظيم القاعدة الإرهابي بقيادة أسامة بن لادن، الذي قلب المعادلات بتنفيذه لحوادث 11 أيلول سنة 2001 وكان مجرد دمية يتلاعب بها دون وعي منه مما وفر الذريعة للولايات المتحدة الأمريكية للدخول عسكريا وبقوة لمنطقة الشرق الأوسط وتثبيت قواتها وقواعدها في منطقة الخليج قبل وبعد غزو العراق سنة 2003. ومنذ ذلك الوقت أي منذ عقد من الزمن أعيد رسم قواعد اللعبة الكبرى في الشرق الأوسط وعودة روسيا بقوة للمسرح الدولي ومعها قوى صاعدة كالهند والصين وجنوب أفريقيا والمسماة دول البريكس كمنافس للنفوذ الدولي الأمريكي حيث نجد اليوم أن هذا التنافس تجسد بشكل دراماتيكي مأساوي على الساحة السورية. فتشكل قطبان روسي إيراني يدعم النظام السوري، وأمريكي فرنسي بريطاني سعودي قطري تركي أردني، يدعم المعارضة السورية بكافة انتماءاتها وتصنيفاتها وتسمياتها، كداعش أو الدولة الإسلامية في العراق والشام وجبهة النصرة والجبهة الإسلامية والجيش الحر على أرض الميدان، والائتلاف الوطني والمجلس الوطني وهيئة التنسيق كواجهات سياسية للصراع الدائر بين نظام الأسد وخصومه. وكانت مصر شبه مهمشة ومبعدة عن مجريات الساحة السورية وغارقة في محنتها المحلية إثر أحداث ما سمي بالربيع العربي الذي أطاح بنظام مبارك وأوصل الإخوان المسلمين والسلفيين والقوى الإسلامية المتشددة الى السلطة في مصر عدا فترة زمنية قصيرة جدا في عهد رئاسة محمد مرسي الذي مال لصالح المعارضة السورية ضد النظام السوري وقطع العلاقات الدبلوماسية مع دمشق، وسرعان ما عادت مصر لموقفها المتوازن والمحايد بعد إطاحة مرسي من الحكم على يد الجيش المصري بقيادة الجنرال السيسي، الأمر الذي أثار قلق واشنطن وخشيتها من ابتعاد مصر عن دائرة النفوذ الأمريكي والاقتراب من القطب المنافس الروسي - الصيني. هذه هي المعادلة الجيوسياسية المعقدة التي تشكلت بفعل تداعيات الأزمة السورية على المنطقة. فلقد خرجت عن كونها قضية عائلة حاكمة وشخص يسمى بشار الأسد ومن يعارضه وتحولت الى بودقة تنصهر فيها عدة عوامل ومصالح متنافرة ومتصارعة دولية وإقليمية ومحلية. ولسنا هنا بصدد تقويم نظام بشار الأسد ولا تبرير بقاؤه أو ضرورة إطاحته، بل دراسة الحالة السورية بموضوعية ومحاولة توقع تبعاتها وانعكاساتها وتطوراتها الميدانية والسياسية والعسكرية على الصعيدين الإقليمي والدولي وأثرها على الواقع المحلي السوري. فكل لاعب في هذا الملف الوعر، سواء أكان شخصاً أو حزباً أو دولة، لديه أجندته الخاصة ومصالحه الخاصة ليؤكد دوره ويضمن مصالحه التي لا تلتقي بالضرورة مع مصالح الشعب السوري. لقد بات واضحاً، الآن ونحن على أعتاب جنيف 2 الذي سيعقد قريباً من أجل تقديم حل سياسي سلمي للأزمة السورية، وحيث لا ضمانات جدية لنجاحه، أن المسألة لن تنتهي بإسقاط نظام بشارة الأسد، فهي مرتبطة عضويا بالطريقة التي سيتم بها ذلك وعلى يد من، ومن الذي سيخلفه وما هي ملامح البديل لهذا النظام وما هي برامجه وايديولوجيته وتحالفاته لأن من شأن ذلك أن يؤثر على التوازنات الإقليمية ويمكن أن يغير وجه المنطقة برمتها. اللاعبون الإقليميون قاموا بأدوارهم على أكمل وجه وانتقلت الكرة الى ملعب الكبار أي روسيا والصين من جهة وأميركا وأوروبا الغربية من جهة أخرى. كانت تركيا تطمح لأن تكون القوة الإقليمية الأولى القائدة في المنطقة باسم الإسلام السني المعتدل بعد وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة عبر صناديق الاقتراع وبالطرق الديموقراطية، وهو واجهة من واجهات التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، مقابل ما أصطلح على تسميته بالهلال الشيعي المتنامي، ونجحت نسبياً في تحسين علاقاتها بكل من مصر وسوريا في السنوات الأخيرة لحكم حافظ الأسد الذي سلم لتركيا المعارض الكردي الشرس وزعيم حزب العمال الكردستاني المعارض عبد الله أوجلان، وتمتنت العلاقات في عهد ابنه ووريثه في الحكم بشار الأسد منذ سنة 2000 لكنها لم تكن موضع ثقة كاملة لدى الحليف الدولي الأكبر الولايات المتحدة الأمريكية خاصة منذ أن رفضت الإذعان للمطالب الأمريكية والتعاون بلا شروط مسبقة مع واشنطن في مشروعها لغزو العراق، لذلك أوهمت الولايات المتحدة الأمريكية إسطنبول بضرورة لعب الدور الأول في الملف السوري وتوريطها به بالتنسيق مع الدولة الغنية جدا والضعيفة جداً قطر، في خلق وإعداد وتمويل المعارضة المسلحة السورية وتسليحها وتدريبها وفتح الحدود التركية كلية وجعلها مشرعة أمامها بلا قيد أو شرط، الأمر الذي أغضب واثار حفيظة المملكة العربية السعودية ومصر وهما ينظران لتنامي الدور الإقليمي التركي على حسابهما. كانت الولايات المتحدة الأمريكية تراقب كل ما يحدث في الشرق الأوسط بحذر شديد وتأني وتحليل عميق لكل صغيرة وكبيرة تحدث فيه وتقوم بحسابات دقيقة كما هو الحال في لعبة الشطرنج ومن كافة النواحي العسكرية والاقتصادية والسياسية والاستراتيجية، مثلما كانت تتلاعب بالجميع وفق مصالحها الحيوية. فكانت تقوم بالتصعيد ويتبعها الآخرون بلا روية كالعميان، ومن ثم تسحب البساط من تحت أقدامهم فجأة وتضعهم أمام الأمر الواقع. وهذا ما فعلته بقطر وتركيا بعد أن كشفت أوراقهما فتعمدت إثارة القلاقل الداخلية والتوترات وكشف ملفات الفساد في الساحة التركية وأجبرت الأسرة الحاكمة القطرية على تبديل الوجوه وابعاد أمير قطر السابق ووزير خارجيته ورئيس وزرائه المتعجرف واستبداله بابنه الأمير تميم وتجريد رئيس الوزراء السابق ووزير الخارجية من كل سلطاته وعنجهيته. ومن ثم قامت بتسليم الملف السوري للسعودية لتلعب الدور الرئيسي فيه كما أوهمتها، بالتعاون والتنسيق الاستخباراتي والدبلوماسي مع بعض الدول الأوروبية كبريطانيا وفرنسا. لكن واشنطن لم تكن مطمئنة لدور وطموحات وخطط باريس التي بانت بوضوح لها إبان الملف الليبي حيث لم تكن أمريكيا راضية كليا بما فعلته فرنسا هناك، بل وقررت معاقبتها كما عاقبتها على موقفها المناوئ لأمريكيا في حربها على العراق وإطاحة صدام حسين، وكلنا يتذكر عبارة وزير الدفاع الأمريكي الأسبق دونالد رامسفيلد عندما قال:quot; علينا أن نسامح الروس ونتجاهل الألمان ونعاقب الفرنسيينquot;. أوهمت الولايات المتحدة حلفائها السعوديين والبريطانيين والفرنسيين ومعهم المعارضة السورية بأنها جادة في مشروع الحرب على سوريا وتوجيه ضربة عسكرية قاصمة للنظام السوري، بينما كانت تجري في السر مفاوضات مع الإيرانيين والروس والنظام السوري بغية تجنب المواجهة العسكرية المكلفة جداً والتي لا طاقة لها بتحملها والتي ربما كان يمكن أن تتحول إلى حرب إقليمية ودولية لم تكن واشنطن مستعدة لتحمل تبعاتها حتى مع تعهد السعوديين وبعض دول الخليج الأخرى بتحمل تكاليفها المالية، ولكن من سيتحمل تبعات سقوط الجنود الأمريكيين القتلى وتعرض المصالح الأمريكية للدمار ومخاطر دخول إيران أتون الحرب وغلق مضيق هرمز ومنع تدفق النفط الخليجي للغرب وخلق أزمة طاق تستفيد منها روسيا لتقوية اقتصادها ووضع الغرب تحت رحمتها لانها ستكون المزود الوحيد للنفط للقارة العجوز، وربما المواجهة المباشرة مع روسيا، كل ذلك من أجل هدف لا يستحق ذلك و لا يعني لها الكثير ألا وهو إطاحة نظام بشار الأسد الذي ستحل محله بكل تأكيد كما كشفت لهم حساباتهم، القوى التكفيرية الإسلاموية المسلحة كداعش وجبهة النصرة والجبهة الإسلامية والتي ستقيم على أنقاضه دولة الخلافة الإسلامية على غرار دولة طالبان في أفغانستان وربما أسوء بكثير وستبيد الأقليات المسيحية في سوريا وربما ستزحف على العراق أيضاً وتتطيح نظام الحكم الهش في الأردن وتزعزع أنظمة الخليج الضعيفة وتعرضها للخطر كما ستشكل خطرا ماحقاً على إسرائيل. تحمس شخصان في العائلة الحاكمة في المملكة العربية السعودية لسيناريو شن الحرب الساحقة على نظام بشار الأسد مهما كانت النتائج ومهما كانت التكاليف التي سيدفعها الشعب السوري بالدماء وخراب البنى التحتية وتشريد الملايين ممن سيصبحون بلا مأوى، وهما وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل ورئيس الاستخبارات السعودية الأمير بندر بن سلطان السفير المدلل سابقاً للسعودية لدى واشنطن والذي فقد أسهمه وحظوته عند إدارة باراك أوباما. وفي اللحظات الأخيرة للاستعدادات التهديدية إعلاميا لشن الحرب تراجعت الولايات المتحدة عن مشروعها وتم التوقيع على اتفاقية تفاهم مع روسيا لتفكيك الأسلحة الكيمياوية السورية، تزامنت مع التوصل الى اتفاق تاريخي مع إيران بشأن ملفها النووي وسحب البساط مرة أخرى من تحت أقدام السعوديين والفرنسيين والبريطانيين والغدر بالمعارضة السورية التي عاشت في أوهام النصر القادم لا محالة وتسلم السلطة في دمشق وإطاحة نظام بشار الأسد ولم تقرأ على نحو صحيح ملابسات وحيثيات الخارطة السياسية والعسكرية وتوازنات القوى القائمة حيث كان نظام الأسد يتمتع بدعم قوى وأقليات سورية داخلية لا يستهان بها الى جانب الدعم الاستراتيجي والعسكري الإيراني ومن جانب حزب الله اللبناني أيضاً والنظام السياسي القائم في العراق الذي يخوض اليوم حرباً شعواء ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام الإرهابي بقيادة أبو بكر البغدادي وبدعم وتأييد أمريكي واضح وصريح بالضد من المناورات السعودية والقطرية التخريبية في العراق لتفتيته وتقسيمه وتحويله الى دويلات طائفية متناحرة فيما بينها من خلال ضخ الأموال والأسلحة لبعض الشخصيات والقوى السياسية التي تدعي تمثيل المكون السني في العراقي. يتبع