فكر لحظة واحدة.. قبل أن تثور وتغضب وتنفعل اذا وقع حادث أو حدثت ازمة وتصب جام غضبك على الحكومة أي حكومة، وكأنها سببا في كل المصائب التي تقع على أرض الوطن، وراقب جيدا سلوك البشر، تجد أن هذه السمة ابتعدت كثيرا وباتوا بشرا أقرب إلى الوحوش، لا يحكمهم ضمير، ولا يردعهم قانون، ولا يهذب نفوسهم دين، وقيم توارت وسط المذابح والدمار، فكر أولاً في مجتمع (مخوخ)، يحتاج إلى إصلاح وتهذيب، والمسئولية مشتركة بيننا جميعا، ولا يمكن الاصلاح إلا بالعودة إلى القيم، وتطبيق القانون على أفراد المجمع كافة.

أعتقد أن جيمس هنري بريستيد (صاحب كتاب فجر الضمير) لم يكن يتخيل أن المصري سينتقل هذه النقلة من صانع مبكر للضمير الإنساني منذ خمسة آلاف سنة قبل الميلاد، هذا المجتمع الذي كان يعيش أرقي منظومة قيمية في عام 2000 قبل الميلاد، إلى ذلك الإنسان الذي عكس تركيبته القيمية تقرير صريح وشجاع وصادم (في آن) يصف الخريطة القيمية الأحدث في حياة المصري. فقد عرف بريستيد أن المصري القديم كان لديه استشعارا خلقيا دقيقا ويقظا وحساسا يجعله يستحسن الحسن ويستقبح القبيح.

أكتب كلماتي هذه، ونحن نرى مشاهد تتكرر يوميا، حوادث طرق، وانهيار منازل، وموت في المستشفيات بسبب أخطاء بشرية، وحرائق بسبب الإهمال، ناهيك عن قتل باسم الدين، وتدمير أوطان باسم الدين، فتشاهد في كل مكان أشلاءً، وجثثا نكتفي فقط بالصراخ والعويل والانفعال، يأتي مدعو البطولة من مقدمي البرامج يصرخون ويولولون، يكيلون الإتهامات لهذا وذاك، ويصدرون أحكاما عامة، ثم ينتهي الأمر في انتظار كارثة أخرى.

وإذا كان الضمير الفردي يبدأ في مرحلة الطفولة المبكرة، فيقلد الطفل الأب والأم في سلوكهما بحيث يصبح هذا النظام جزءا من تكوينه النفسي فإن الضمير العام يتشكل من مجموع الضمائر الفردية والتراث الديني والثقافي، والدستور والقانون والأعراف والتقاليد الإجتماعية، والخبرات الحياتية للمجتمع.

وبسبب غياب الضمير العام نحمل أشخاصا دون غيرهم مسؤولية أخطاء تنتشر كالنار في الهشيم، وتصيب كل أجهزة الدولة المصرية نتيجة الفساد الذي يحتاج سنوات للقضاء عليه، هنا لا أدافع عن الحكومة، بل هي تتحمل جزءا من المسئولية بتعاملها مع الإزمات بسياسة رد الفعل، واصدار قوانين لا تطبق على الارض، فتنتشر الأزمات والكوارث، سائقون يتعاطون المخدرات، أخرون يأخذون حبوبا يزعمون أنها تمنحهم طاقة لمواصلة العمل طوال اليوم، شباب عاطل تضعف نفسه أمام الدولار ليفجر هنا وهناك، يعيث في الارض فسادا، وهو لا يعرف ما الهدف، واستهتار بحياة الآخرين.

أزمة مجتمعنا الحقيقية هي أزمة ضمير، الضمير أخذ إجازة منذ فترة طويلة، حين يغيب الضمير يصبح كل شيء مباحاً، إهمال، عدم اكتراث بحياة البشر، حوادث في كل مكان، تتعطل إنسانية الإنسان، وتفقد حواسه قيمتها، ويتحول الإنسان إلى وحش كاسر، يسعى إلى اختلاق المشاكل، ينتظر فريسة ينقض عليها، لا يبالي بشيء، الحلال والحرام مجرد مصطلحات لا توجد في قاموسه، قلبه فاسد، ونفسه تقوده إلى المهالك واذا قدر له أن يعود إلى عقله يقول لك: (الشيطان شاطر) والشيطان منه بريء فقد غلب الشيطان بافعاله، انني أوجه صرخة لكل ذي عقل واقول: اذا لم يعد الشعب المصري إلى ضميره، وقيمه وأخلاقة، ويدرك أنه مستهدف من قوى الشر في الداخل والخارج، فأقرأ على روح المجتمع الفاتحة.

اعلامي مصري