&بالرغم من أن إهتمام لبنان السياسي و الشعبي و الإعلامي الملفت بخبر جريمة اعدام "علي البزال" الذي أعتبره بيان خلية الازمة الوزارية اللبنانية،"شهيدا لكل الوطن وليس فقط لعائلته"، يُعبر، بشكل أو بآخر، عن صورة جيدة لتنامي الوعي الوطني و السياسي للشارع اللبناني تجاه التحديات التي تواجه البلد، إلا أن الوجه الآخر لهذا الإهتمام يعكس لنا أيضاً مدى شعور لبنان، بلاداً و عباداً، بخطورة الإبعاد التي يفرزها هذا الحدث المفجع بالنسبة لأمنهم و مآل الأزمة السياسية التي يعيشها البلد بسبب الخلافات الداخلية و فراغ رئيس الدولة و التداعيات الإقليمية لأحداث سوريا و العراق.&

&فالواضح أن لبنان الآن في حالة من الترقب بل الخشية الضمنية مما ستؤول بها هذه التطورات المعقدة، خصوصاً مع إعدام البزال من قبل جبهة النصرة و التهديد بقتل الجنود الآخرين و فشل التفاوض بشأن حسم هذا الملف من دون وقوع خسائر تُعَقَّد الأمور و الحسابات و المواقف على ماهي عليه الحال الآن مع فقدان عنصر آخر من قوى الأمن الداخلي فضلاً عن فقدان الحكومة لثقة عوائل العسكريين المخطوفين الذين راهنوا على مساعيها لإطلاق سراح أبناءهم دون أن يحصلوا حتى اليوم على أي نتيجة.&

&بمعنى آخر، أن اللبنانيين باتوا يخشون فعلاً على مستقبل بلدهم و ما قد سيلحق به من هزات سياسية و أمنية بعد أن وصلت التحديات الى حد إطلاق تهديدات علنية مباشرة من قبل المتطرفين لأمن لبنان بل وقوع شهداء و قتلى أيضاً في صفوف الجيش اللبناني في إشتباكات مع تلك الجماعات على المناطق الحدودية مع سوريا، و كذلك بعد أن عادت لغة الإتهامات المتبادلة بين القوى السياسية، حول أسباب و مُسببات تعرض أمن لبنان لخطر الإرهاب، اللغة الطاغية في المشهد اللبناني و في تفسير أحداثه حتى و إن لاحظنا أن هذه اللغة تشهد أحياناً - على مستوى الخطاب الآيديولوجي و الإستهلاكي اليومي- تراجعاً مع تزايد شعور الأطياف و القوى بوحدة المصير، لاسيما إزاء عدوٍ كل ما يُعرفونه عنه هو أنه مجهول المسار و الحدود من حيث العدوان على الآخرين و متوحش الهوية من حيث الواقع و الممارسة، عدوٍ ربما لايميز في النهاية بين القوى السياسية اللبنانية إذا ما لم يرضخ كلها، من دون إستثناء، لمنطق المبياعة لدولة الخلافة أو دعم مشروع (أسلمة الدولة) على الطراز الداعشي و الـ بنلادني.&

&و الحالة اللبنانية هذه، أصبحت في واقع الحال، مرشحة للمزيد من التوتر و التصعيد السياسي و الأمني إذا ما لم تفلح القوى السياسية اللبنانية عاجلاً في الحد من الخلافات الداخلية و التوصل أيضاً الى إتفاق أو توافق حقيقي حول طبيعة الأستراتيجية الوطنية المطلوبة في الظرف الحالي لمواجهة التحديات و إمكانية الخروج بمواقف مشتركة تُجنب لبنان من تهديدات سياسية و أمنية على حدوده، خصوصاً بعد أن أتضح لجميع الأطراف بأن سياسة" النأي بالنفس" هي سياسة مُجدية و العكس الصحيح، و سياسة قائمة على العقلانية السياسية و دراسة الأحداث و المستجدات و فهم التناقضات الإقليمية و الحساسيات المجتمعية و مبنية أيضاً على إعتبارات سياسية و سوسيولوجية ترتبط عضوياً بمنطق الحفاظ على وحدة لبنان أرضاً و شعباً، إضافة الى أن هذه السياسة لاتمثل وجهة نظر تيار سياسي معين بقدر ما تعكس مصالح لبنان السياسية و الإمنية و الإقتصادية و تُكفَل صموده أمام التحديات الحقيقية التي يواجهه.

&إن الرهان الحقيقي لهذا البلد لتجنَب ما يحدث في العراق و سوريا و بعض الدول الأخرى في المنطقة، هو العودة الى منطق الأسقواء بالداخل، أي بالإرادة اللبنانية الوطنية لا غيرها، و عدم التورط في أي تدخل لشؤون الغير خصوصاً إذا ما عاد على لبنان وبالاً و فتنة!، خصوصاً أن هذا البلد معروف بأنه منفتح سياسياً و إجتماعياً و ثقافياً و محب للحياة. كما أن شعبه، بكل طوائفه و أطيافه، موصوفون بالإعتدال و التسامح و القبول بالبعض، لاسيما بعد أن ذاقوا جميعاً مرارات الحرب الأهلية (1975-1990م) و مجازرها و وصلوا الى حقيقة مفادها، أن لبنان هو للجميع و لايمكن أن يبقى مستقراً و آمنياً من دون تلاحم القوى و الأطياف و لا جدوى أيضاً لأي سياسة رسمية للدولة من دون مواصلة الحوار الوطني و بالتالي إتفاق الجهات المعنية على بلورة السياسات الوطنية التي تشجع الكل على المساهمة في إنجاحها لا الخروج عليها كما حدث – للأسف- مع مصير إعلان بعبدا الذي صدر في 11/06/2012م في عهد الرئيس السابق ميشال سليمان الذي كان يتعامل مع مثل هذه القضايا بأسلوب رجل الدولة بإمتياز.

&

كاتب و إعلامي – كردستان العراق&

&