نتبارى في نسخ المفاهيم، والقيم الراسخة في مجتمعات دول الشمال منذ عقود، ثم سرعان ما نرجع كل مشاكل مجتمعاتنا النامية الى عدم تطبيق تلك القيم لدينا.

الجميع يطالب بالديموقراطية مثلاً، بدون وعي ولمجرد باننا نعتقد جازمين بأنها مطبقة بالغرب. بالتالي نعتبر بانه من التخلف بمكان ان لا نلاحق ركب دول الشمال، على اعتبار بانها ربان سفينة التطور. وإن كان مصطلح الديمقراطية -وبنظرة قاصرة- يطلق أحياناً لوصف نظام الحكم في دولة نظامها السياسي هو من الناحية العلمية ليبرالي، إلا أن ذلك لايعبر بالضرورة عن المعنى اﻷشمل لهذا المصطلح الذي صدعنا رؤوسنا به بأنفسنا!

لكن الانكى من ذلك، وعند مطالبة قطاع من الجماهير بتطبيق المفهوم على الطريقة التي اختاروا تفسيره بها، تسارع الأنظمة بالرد بانها تعمل نحو تفعيل الديموقراطية وعبر آليات محددة. والنتيجة؛ مطالبة بمنطق واﻹجابة أيضاً بنفس المنطق اللامنطقي!

فلو أردنا إضفاء بعد أوسع بقليل لإسقاط هذا المفهوم على ثقافة مجتمع ككل بما يشتمل عليه من فئات وشرائح ومكونات. إذاً فالديمقراطيّة بحسب هذا المنطق هي نظام إجتماعي معين يؤمن به ويسير عليه المجتمع ككل، وهو ينعكس على كل من الثقافة السياسيّة والأخلاقية للمجتمع والذي تتبلور فيه تلك المفاهيم لتؤكد على مدلول ضرورة تداول السلطة سلمياً وبصورة دورية.

وما تفرع عن أو ما يؤسس لذلك من قيم ومفاهيم إجتماعية، مثل قبول اﻵخر، رسوخ النقد مع تقبل الوجهين سواءً إيجابي ام سلبي على اعتبار بانها وجهات نظر. بالإضافة، الى التحرر الإقتصادي للمجتمع باكمله من كافة مكبلاته من قوانين ناظمة نابعة من تقاليد معينه، ومن تبعية اقتصادية لدول أخرى، نضيف الى ذلك حرية الصحافة باتجاهين من مصادر المعلومات دوارانا حتى الوصول الى رد الفعل وتقبله، التحرر من العديد من القيم الدينية والأسرية والتقاليد..الخ.

علينا بأن ندرك، بأن النظام السياسي ما هو الى أحد إفرازات النظام الإجتماعي ككل مما يعني بالضرورة بأنه جزء منه. باختصار وحتى لا نقحم أنفسنا بقضايا تنحى الى التفلسف والجدلية، علينا وقبل المطالبة كمجتمع بتغيير أن نعي بأن ما نطالب به بهذه الطريقة يتعارض مع كثير من قيمنا المجتمعية وما يتفرع منها او يؤسس لها...الخ.

بوضوح أكثر، عندما نطالب بتطبيق أي مفهوم بنظرة قاصرة، على الجميع ان يسأل نفسه، وبصراحة بالغة، هل يقبل الاب ويلبي وجهة نظر أولاده حتى لو تعلق بقرارات مصيرية حاسمة لمستقبلهم؟ هل يقبل الفرد أية وجهة النظر لمجرد بانها وجهة نظر مغايرة مثل العلمانية وحتى الإلحاد؟ بالمقايل هل يقبل حزب ليبرالي يساري ترخيص حزب ديني يميني متطرف قائم بالأساس على الغاء اﻵخر؟ وهل الدولة باركانها كافة غير خاضعة أساساً لتبعية اقتصادية من اي نوع؟ هل يقبل الصحافي مثلاً النقد والمسائلة من الجماهير، وان يضع لنفسه مدونة سلوك تقييد نظام عمله؟

وغيرها الكثير من الأسئلة، والتي يجب بالضرورة الإجابة عليها مسبقاً بعد تفكر وتمحيص بكافة أبعاد المفاهيم المستوردة بدون وعي وعلى نطاق المجتمع.

عند التحرر من كافة القيم المقيدة وحتى نصل الى تطبيق ذلك المفهوم على مستوى المجتمع، فإننا سنجد نفسنا عرايا من كافة ما يميز مجتماعتنا. الخلاف هنا ليس على المفهوم نفسه وطرق تطبيقه وقياسه، بل على تفسيره بمعناه الاعم وبالتالي دراسة مدى ملائمته لمجتمعاتنا من ثم إتخاذ قرارات بشأن تطبيقه من عدمه.

الرفض من ناحيتي الشخصية، وقبل كل شئ يتعلق بمبدأ إستيراد مفاهيم تقلب الطاولة على أنفسنا. والبديل هو موائمة النظام الاجتماعي الذي تتفرد به مجتمعاتنا وبعض الجزيئات المحددة التي تلبي طموح بعض شارئحها، مع اﻷخذ بنظر اﻹعتبار ضرورة تصنيع المفاهيم الجديدة محلياً -بدلاً من استيرادها- على أن تكون منبثقة من القيم التي بنيت عليها مجتمعتنا لا المجتمعات المصدرة.

وكاي نوع من أنواع التغيير، وحتى يكون فعالاً وذا نجاعه عليه ان يبدأ من الداخل كما تؤكد كافة نظريات التنمية. فأول ملامح التغيير، لابد وأن تكون التحرر من نير التبعية الاقتصادية للمجتمع ككل، وذلك من أجل توفير مناخ مناسب بالأساس لوضع أطر التغيير المرجو. وحتى لانتكبد كلف فادحة لمواصلة إستيراد مفاهيم تختلف وقيم مجتمعاتنا بل وحتى تجانب الصواب بمعناه المطلق، لنوقف بذلك الجرح النازف من جراء إعصار الغزو الثقافي الذي ضرب بقوة جنبات مجتمعات دول الجنوب.

في نهاية الكلام، إن كان المجتمع ككل يعاني الأمرين من عملية تهميش وعملية غزو ثقافي يؤدي الى محو قيمه الأساسية، بهدف توحيد الهوية الكونية بما يتناسب وأهداف الثقافة الإستهلاكية التي أسست لها العولمة. فكيف له أن يؤسس لحرية تنزع عنه ما يعتبرها البعض استبداد.

علينا أن نتوقف ولو لبره، وأن لا نسارع الى إقصاء اﻵخر، على طريقة جدل بيزنطة حتى لايفسد نقاش quot;وجهة نظر شخصية مجردةquot; للود قضية..