ذات يوم كان الإنسان يقدس الأنثى و يعبد الربّات. رمزت الأنثى آنذاك للخصوبة فهي تلدُ فتعطينا الحياةَ كأنها الأرض تعطي ثمرَها، لذا كانت الأم هي المركز و الذكرُ يدورُ في فلكها. لكن حين اكتشفت المرأةُ الزراعةَ قبل حوالي عشرة آلاف عام تغير أسلوب حياة الإنسان بمرور الوقت من الصيد و جمع الثمار إلى الرعي و الزراعة. ثم تطورت أساليب الزراعة بحيث صارت محتاجة للقوة البدنية، أولاً للقيام بها و ثانياً لحماية الملكية من الآخرين. مَن الذي كان مهيئاً أكثر للقيام بهذا الدور؟ الرجل، فقوته البدنية كانت أكبر نتيجة ممارسته لأعمال الصيد، و لا ننسى أنه استخدم الاسلحة البدائية أيضاً كالرماح و العصي في صيد الحيوانات، بينما كانت المرأة تهتم بالنباتات و صناعة الأواني و رعاية الأطفال.

هنا بدأ الانقلاب الكبير، فبدلاً من تقديس الأم و الطبيعة كواهبتين للحياة، صار أسلوب المعيشة الجديد يولي أهمية أكبر لإظهار القوة البدنية و التفوق الجسدي و بالتالي الاعتداء. انتقلنا شيئاً فشيئاً من تقديس الحياة إلى تقديس القوة، و حين انتقل الانسان من القرية الى المدينة كان الذكر قد أحكم قبضته، خصوصاً بعد طمس عبادة الربّات و إعلاء شأن الآلهة الذكور.

منذ ذلك الحين انفصل العالمُ الذكر عن الحياة الأنثى.

كبرى مصائب العالم جاءت من هذا الانفصال، بقي جوهرُ الحياة مقترناً بالطبيعة و الخلق و الولادة و التجدد و بالتالي بمفهوم الأنثى وثيق الصلة بهذه المعاني. بينما تبنى العالمُ (متمثلاً بالمدن و الحضارات الذكورية) قيمَ الذكر المسيطر، القوي، المحارب، المعتدي، المتوسع. و بمرور آلاف السنين من الحضارات الذكورية توسع الفارق بين العالم و الحياة، و تراكمت المشكلة حتى وصلنا إلى ما نحن عليه الآن في العالم أجمع، و إن بنسب متفاوتة، من ثقافات و علوم و آداب و دول و مؤسسات و قوانين و شعوب مصابة بلوثة ذكورية و منفصلة عن معاني الأنوثة الحاضنة للحياة.

ينبغي أن نلاحظ هنا أن الحديث ليس عن النساء و الرجال كأشخاص، و إنما عن الأنوثة و الذكورة كمفهومين و كعقليتين قد يتبنى إحداهما رجلٌ أو امرأة بلا فرق. العقلية الذكورية ترسخت في العالم إلى درجة أن المرأة لا يُسمح لها بالوصول إلى مراتب عليا في هرم السلطة الذكورية دون أن تتبنى هي نفسها هذه العقلية. حتى في الغرب لا تصل المرأة إلى منصب رئيسة أو رئيسة وزراء إلا بانخراطها في اللعبة الذكورية نفسها. هذا فضلاً عن عمليات غسيل الدماغ الشاملة التي تعرضت لها الأغلبية المقهورة من النساء في العالم. في المقابل، يرفض بعض الرجال هذه العقلية و يتبنون وجهات نظر مناهضة للسائد الذكوري. و بالتالي، فإن العبرة ليست بجنس الانسان و إنما بعقليته.

إن منبع أخطر مشاكل البشرية اليوم هو بالذات هذه العقلية الذكورية المدمرة التي تبناها العالم.

عقلية يمكن تلخيص قيمها في ثلاث نقاط. أولاً: تمجيد العنف، ثانياً: قهر الأنثى، و ثالثاً: النظر إلى الطبيعة على أنها موضوع استحواذ. العقلية الذكورية كانت منذ اللحظة الأولى معادية للأنوثة

لأن بزوغ نجم الذكر كان رهيناً منذ البداية بالحط من منزلة الأنثى المقدسة ليحل محلها مركزاً للكون، و بالتالي هي عقلية معادية للطبيعة و للحياة لانها ارتبطت بقهر ما رمزت إليه الأنثى، أي الطبيعة نفسها. و هكذا ليس عجيباً أن العالم الذكوري اليوم يدمر البيئة بالتلوث الصناعي و بالأسلحة الفتاكة. و لأن العقلية الذكورية تقدس القوة و تؤمن بالاستحواذ، ليس مستغرباً أن حروب العالم لا تهدأ و أن الأطماع تسود قوى لا تشبع من التوسع و ابتلاع الآخرين. لو أمعنا النظر في معظم مشاكل و مآسي العالم منذ بدء التاريخ إلى اليوم سنجد دائماً أن هذه القيم الثلاث حاضرة و بقوة. مشاكل مثل الاحتلال و الاستعمار و الهيمنة الاقتصادية و سباقات التسلح النووي و غيرها الكثير جذرُها العميق يكمن في ذكورية العالم التي تعادي أنوثة الحياة.

و عليه فإن قضية تخليص العالم من عقليته الذكورية هي ليست فقط قضية أخلاقية نتبناها لإنصاف المرأة - على أهمية هذا الجانب- بل هي كذلك قضية مصيرية لإنقاذ العالم ككل، خصوصاً في ظل هذا التطور التكنولوجي غير المسبوق الذي انعكس على قدرة الانسان الهائلة على التدمير.

&

* شاعر و كاتب عراقي

[email protected]