من مفكرة سفير عربي في اليابان
منذ الثورة الايرانية في عام 1979، ويعاني الشرق الأوسط من إرهاصات الديمقراطية وسوء فهمها. وقد تضاعفت هذه الإرهاصات بثورات، ما سمي، بالربيع العربي، وليتحول الربيع إلى خريف "داعشي". ويبقى السؤال: هل فعلا الديمقراطية قصة انتخابات، وفائز وخاسر؟ أم هي تناغم سلطات تنفيذية، وتشريعية، وقضائية، مع شبكة كبيرة من مؤسسات المجتمع المدني السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والعلمية، والتعليمية، والروحانية؟ أم ستبقي الديمقراطية حلم شائك، وفي حاجة مستمرة للنقد والإصلاح والتطوير؟&
لقد حاول البروفيسور ديفيد رانسي مان، استاذ الدراسات السياسية بجامعة كامبردج، معالجة هذه التساؤلات في كتابه الجديد، مصيدة الثقة. فيعرض الكاتب تاريخ أزمة الديمقراطية الغربية منذ الحرب العالمية الأولى وحتى اليوم، بإسلوب نقدي شيق. ويبدأ مقدمة كتابه بالقول: "يمكن التحدث عن قصتين للديمقراطية خلال المائة سنة الماضية، القصة الأول قصة نجاح بارزة، حيث ربحت الحروب، وشفت من أزماتها الاقتصادية، وعالجت التحديات البيئة، وانتصرت على منافسيها، بل وتجاوزتهم. فقد كانت هناك قلة من الديمقراطيات مع بدء القرن العشرين، أما اليوم فتجاوزت عددها 120، وطبعا لم تكن تقدمها خلال هذه الفترة سلسة، وميسرة، بل كانت انتقائية، وعرضية. بل وفي تصور البروفيسور صميول هاتنجتون، أتت الديمقراطية في موجات صاعدة ونازلة، ومع ذلك ليس هناك شك بأنها كانت الرابحة في القرن العشرين. وحتى أمن الحوار، أكرر ما قاله البروفيسور فرنسيس فوكوياما، قبل عقدين من الزمن، بأن الديمقراطية اللبرالية هي الحل المعقول الوحيد لمعضلات الاساسية للتاريخ البشري."
ويعرض الكاتب الصورة الأخرى للديمقراطية فيقول: "ولكن مع قصة النجاح هذه، هناك قصة تشاؤم وتخوف. فمهما نجحت الديمقراطية في تجربتها العملية، بقت تقلق البشر من أن الأمور قد تتجه للأسوء، فنظامها في أزمة، وأعدائها مستعدين للهجوم. فقد ترافقت مسيرة الديمقراطية إلى الامام بقلق ذهني مستمر، لربما أن اخبارها الجيدة، جيدة أكثر من اللازم، بحيث أن تكون حقيقة واقعية. فقد يكون التاريخ السياسي للديمقراطية قصة ناجحة، ولكن من الصعب توافق التاريخ الذهني للديمقراطية مع ذلك، لذلك تشغلنا دائما باحتمالية فشلها."
ويعتقد الكاتب بأن هذين الاتجاهين المتضادين بارزين اليوم في منطقة الشرق الأوسط. فهناك الكثير من التفاؤل من شعوبها، وقد يكون ذلك مرتبط بالتخلص من الحكومات المتسلطة في تونس، ومصر، وليبيا، مع رغبة عارمة للإصلاح، ومتوافقة مع القبول بقصة نهاية التاريخ بالديمقراطية اللبرالية. وقد لا تكون نهاية هذه القصة جميلة، ومع ذلك أخذت الديمقراطية في الانتشار في المناطق التي كانت مقاومة لها في العالم، وهذا ليس صحيحا فقط في العالم العربي، بل أيضا في امريكا الجنوبية، بل بدأت تتعمق جذورها في أفريقيا، وحتى في بورما أيضا. ومن الجهة الأخرى هناك تشاؤم كبير من الديمقراطية، فمع كل قصة نجاح هناك قصة فشل، كما هو في روسيا، وتايلاند، وزمبابوي. وبدأ بعض التشاؤم بين المراقبين في شمال افريقيا، والشرق الاوسط، حيث أن الأمور ليست جلية ببساطة كما تبدو، بل اصبحت أكثر تعقيدا وخطرا. فانهيار الانظمة المتسلطة ليس من الضرورة ان تترافق بالديمقراطية، بل قد تهيئ احيانا لحرب أهلية، أو بروز نظام متسلط جديد.
ويبدو أيضا بأن هناك قلق من الديمقراطيات العريقة، التي كانت& تجربة القرن الماضي خير لها، ولكن ليس العقد الاخير من القرن الحادي والعشرين. فكثير من الديمقراطيات الرائدة تواجه حروب صعبة، لا تعرف كيف تنتصر فيها، أو تنتهي منها. كما أن معظم الديمقراطيات الغربية مبتلية بديون ضخمة، وشكرا للحروب المتكررة، والأزمات المالية العالمية المتلاحقة. فقد تأخرت بعض الدول الأوربية في دفع ديونها، كما أن هناك قلق جاد من أن الولايات المتحدة قد تتأخر في دفع ديونها أيضا. ومع الأسف لم تنجح الديمقراطيات في كيفية التعامل مع التغيرات المناخية، وفي نفس الوقت تراقب هذه الديمقراطيات باستسلام وخوف الصعود الصيني.
فالتحديات الرئيسية التي ممكن أن تواجهها الحكومات الديمقراطية اليوم هي: الحروب، والأزمات المالية، والتغيرات الماخية، ووجود منافس بارز، وليس من الواضح أن كانت الديمقراطيات العريقة ناجحة في التعامل معها، فهناك حيرة. فيقترح التاريخ بأن الديمقراطية يمكنها التعامل مع أية تحدي تواجهها، ولكن مع الأسف هناك ديمقراطيات ناجحة وتعاني حتى اليوم من التعامل مع هذه التحديات. وقد تبدو بأن الاوضاع سيئة، ولكن تاريخ الديمقراطية يبين بأن الاشياء ليست سيئة بالدرجة التي تبدو فيها. ولذلك من الصعب علينا معرفة جدية الازمة التي تمر بها الديمقراطية اليوم، ولا نعرف ان كانت ازمة حقيقية أم لا، وهل نحن أمام معضلة معقدة أم لا؟& ويحاول الكتاب أن يناقش كيف ندرس هذا السؤال الخير.
ويعقب الكاتب: "في تصوري بأننا نعاني من مشكلة، ولكن ليست للأسباب التي تطرح عادة، والمشكلة الحقيقة هي أن الديمقراطية وقعت في شرك نجاحها. وطبعا كما هي العادة هناك ميول للوقوف مع طرف ضد الاخر، حينما تناقش مستقبل الديمقراطية، فهل نسمع الاخبار الحسنة عنها أم السيئة؟ وهل فرنسيس فوكوياما مخطئ أم صائب؟ وهل انتهت امريكا، أم المتشائمين سيكونون مخطئين مرة أخرى؟ وهل القصة الحقيقة في التحمس نحو الديمقراطية هي من الدول التي لم تعيشها، أم الارهاق منها في الدول التي عايشتها منذ زمن طويل؟ ويعتمد ذلك على مدى التفاؤل والتشاؤم، فإن كنت متفائلا ستلاحظ بأن الفوائد الطويلة الاجل لديمقراطية أكثر من نقائصها القصيرة الامد. وبالعكس لو كنت متشائما، فستلاحظ بأن المعضلات التي نواجهها اليوم، قد تكون مقدمة لقصة نجاح طويلة الامد غدا،& فقد يكون عقد سيئ فقاعة، أمام قرن من الانجازات الرائدة. ولكن في نفس الوقت قد يكون قرن جيد، ما هو إلا فقاعة في وجه ألفين سنة، سجلت الديمقراطية فشلها منذ عصر الاغريق وحتى منتصف القرن التاسع عشر. ويعتقد منتقدو الديمقراطية بأنها مولعة بالديون، ومتعطشة للحروب، وقد يؤدي ذلك لإنهيارها، فكيف يمكننا أن نتأكد بأن هؤلاء ليسو على صواب؟
ويعتقد الكاتب بأن قصتي نجاح وفشل الديمقراطية تكملا بعضهما البعض، وليس هناك مجال لسؤال للاختيار بينهما. كما لا يعتقد الكاتب بأن السؤال في تحويل المعضلة إلى سلسلة من المعضلات الصغيرة، لنتجنب الحديث عن الديمقراطية نفسها بشكل عام، بل نركز على ديمقراطيات معينة، في وقت ما، ومكان ما، والتي نجحت بعضها وفشل بعضها الاخر. فحينما نتحدث عن الديمقراطية تغذي عادة الاخبار السيئة والأخبار الجيدة بعضها البعض، ففشلها ونجاحها مترافق مع بعضهما البعض، فهذه هي واقع الحالة الديمقراطية. وقد يعني ذلك بأن انتصار الديمقراطية ليست وهم، كما ليست أيضا ترياق علاج عام، بل في الحقيقة ما هي إلا مصيدة".
"فالمميزات التي تؤدي لنجاح الديمقراطية هي المرونة، والتنوع، والتجاوب للمجتمعات الديمقراطية، وهي نفسها المميزات التي تؤدي لفشل الديمقراطية، لتؤدي للاندفاع، وبروز النزعات، مع قصر النظر التاريخي . فعادة الديمقراطيات الناجحة بها نقط عمياء، والتي تدفع نحو كارثة مخيفة، فلا يمكن تحقيق نجاح ديمقراطي جيد، بدون انجراف ديمقراطي سيئ، كما لم تؤدي نجاح الديمقراطية خلال قرن مضى إلى مجتمعات ديمقراطية ناضجة، واعية، وبعيدة النظر. فنعم انتصرت الديمقراطية، ولكنها لم تنمو وتنضج، فلو لاحظت ما يدور حولنا لوجدت بأن السياسات الديمقراطية طفولية، ومشاكسة، كما كانت دائما، فنحن نتشاجر، وننوح، ونيأس، فجميع مميزات الديمقراطية التاريخية لم تحولنا لأكثر حكمة للاستفادة منها. بل بالعكس كررنا نفس الاخطاء مرة تلو الأخرى."
ويستمر الكاتب في حواره: "سأركز في هذا الكتاب على الاسباب التي ادت بنا لتكرار هذه الاخطاء في التجربة الديمقراطية، بالرغم من تقدمنا في تطبيقها. ومع أن الازمات تعتبر لحظات واقعية، نكتشف فيها ما هو في الحقيقة المهم، ولكن الازمات الديمقراطية تختلف عن ذلك، فهي لحظات عميقة من الارتباك، والشكوك، ولا يباح بشئ فيها. ففوائد الديمقراطية لا تبرز فجأة، بل تتداخل مع مساوئها، كما تتعثر الديمقراطيات في طريقها خلال الازمات، حينما تتلمس طريق الخلاص. وإمكانية التعثر خلال الأزمات، هي الميزة التي تنفرد بها الديمقراطية عن الانظمة المتسلطة الاوتوقراطية. فالديمقراطية تتجاوز الازمات أكثر من أي نظام أخر، لاستعدادها التالف مع الأوضاع الجديدة، لتستمر في البحث عن الحلول، بالرغم من إمكانية الاستمرار في تكرار الاخطاء. كما أن الديمقراطية ليست خير من منافسيها في الوقاية من الأزمات، ولا الاستفادة من خبراتها. وقد تكون بعض الاتوقراطيات المتسلطة اسرع تعلما، وخاصة الوقاية من اخطاء حديثة، لاعتقادهم بان المستقبل سيستمر ليشبه الماضي. فتجربة الازمات تحول الديمقراطيات للرضاء عن نفسها، بدل أن تحولها لحكمة الاستفادة منها. فقد تعلمت الديمقراطيات بانها تستطيع أن تنجو من أخطائها، فالديمقراطيات الناجحة تملك مؤسسات كثيرة قوية تحميها من ديكتاتورية الافراد، فمن الصعب لفكرة جنونية، أو شخصية مجنونة، أن تبرز لفترة طويلة، حيث أن الانتخابات ستلفضها. فالانتخابات، والقضاء، والمؤسسات التشريعية، والاعلام، ستحمي المجتمع من دكتاتورية الفكرة، والشخصية. ولنا لقاء.&&&&
د. خليل حسن، سفير مملكة البحرين في اليابان










التعليقات