&
لم يعد أمام سياسيي اليمن الذي لم يعد سعيداً، غير الامتثال لشروط& زعيم الحوثيين لحل الأزمة مؤقتاً، ذلك أن التجربة تؤكد أنه لن يتوقف قبل أن يحكم اليمن بدعم إيراني واضح، ومع أنه نفذ انقلاباً ضد السلطة الشرعية، فإنه يتبجح بأنه أحبط محاولة انقلاب، وطرح شروطه التي بات مؤكداً أن الرئيس سيذعن لها، وأكد أنه لن يتردد في اتخاذ إجراءات لضمان تنفيذ اتفاق السلم والشراكة، متهما الرئيس هادي نفسه بجر الوضع العام إلى الاضطراب، والتآمر للإطاحة بوثيقة الشراكة ومخرجات الحوار، ومتحدياً مجلس الأمن أو أي قوة تقف في وجه طموحاته.
بعد السيطرة على صنعاء تغيرت الكثير من الأمور، فاليمنيون مصدومون بالممارسات المستفزة للحوثيين، ويدهشهم التحالف بين هؤلاء وعدوهم التاريخي علي عبد الله صالح، الساعي للانتقام والتخلص من قوى الثورة، ولإدراك زعيمهم& أن مسلحيه لن يستمروا في الشارع طويلاً، وأن ما يحدث سينتهي حتماً إلى حل بطابع سياسي، يضعه في موقع الهدف لكل القوى، وأن التحالفات بينها ستكون ضده، فإنه يسعى ليؤمن لتنظيمه موقع صاحب القرار السياسي الأول، بسيطرته على المواقع المؤثرة في مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، وتجنيد الآلاف من أتباعه في المؤسستين.
ليس مستغرباً أن يتحالف صالح مع الحوثي، غير أن المؤكد أن مناورته هذه ستعود عليه بالضرر، لأن حليفه يسعي لتمكين الموالين له من مفاصل الجيش على حساب أنصاره، الذين ساعدوه على احتلال صنعاء، الغريب توسيع الحوثي لمروحة تحالفات لن يستفيد مها غير الرئيس المخلوع، حيث يضرب الحوثيين مع مناوئيه في آن معاً، أما الرئيس الحالي فيبدو أنه ليس الشخص المناسب لهذه المرحلة، رغم ما يحظى به من تأييد خارجي لايبدو مجدياً، حيث اعتاد الرجل أن يكون ظلاً وتابعاً، ولم يكن يطمح لموقع الرجل الأول الذي أوصلته أحداث خارجة عن إرادته إليه.
لم يكن بمقدور الحوثيين، رغم ما يتلقونه من الدعم الإيراني، تحقيق كل هذه الانتصارات لولا دعم علي عبدالله صالح، الخبير بلعب كل الأوراق، وهو اليوم يلعب ورقة الحوثيين في معادلة الصراع الخليجي الإيراني، صحيح أن الحوثيين عُرفوا بعدم الثبات على مواقفهم، وتغيير تحالفاتهم بحسب ما تقتضيه مصلحتهم، لكن الصحيح أيضاً أنهم استغلوا حالة الإرباك وسوء الإدارة التي تصرّف بها خصومهم، الذين تعاملوا على أساس رد الفعل، وهو أسلوب مرشح للتغيير حال قيامهم بمراجعة سياساتهم وأساليبهم، لمنع عودة صالح إلى الواجهة من خلال تشكيل مجلس عسكري أعلى لإدارة شؤون البلاد، يقوده اللواء أحمد علي عبدالله صالح، خصوصاً وأن قوات الحرس الجمهوري التي كانت بإمرته، رفضت أوامر صدرت عن الرئيس هادي ووزير دفاعه، بإرسال تعزيزات عسكرية لحماية دار الرئاسة ومنزل الرئيس والقصر الجمهوري.
بات واضحاً أن الرئيس السابق والإيرانيين وراء كل التطورات الأخيرة، حيث يجد اليمن نفسه اليوم في قبضة حركة مسلّحة قادمة بكل حمولات الريف اليمني، القبلية والمذهبية والطائفية، مضافاً إليها بنية تنظيمية متماسِكة لحمتها الأيديولوجية والعائلة الحوثية، التي تحمل طموحات تاريخية، لا ترى في الدولة الرّاهنة إلا نتاجاً لخطأ تاريخِي، أنهى حكم الامامة والأكثر بروزاً في المشهد الراهن هو دعم إيران للحوثيين، وهو جزء من سياسة إيرانية شاملة، قائمة على زرع أذرع في دول تعتبرها امتداداً استراتيجياً للإمبراطورية الفارسية العظمى، ويبدو التوقيت ملائما اليوم لتحريكه مع المنعطفات التي تشهدها الأزمة السورية، والأزمات الاستخباراتية والمالية التي يغرق فيها حزب الله اللبناني، ورغم ما تعانيه إيران من عقوبات دولية، وانخراطها في الأزمة السورية ودعم حزب الله في لبنان، وشيعة البحرين، فإنها لا تبخل على الحوثيين بالدعم، باعتبارهم الحوثي جزءاً من الصحوة الإسلامية، وهي ترى أن هذه الجماعة أحدثت تحولاً فريداً من نوعه في تاريخ اليمن، وتأمل بأن تقوم بنفس الدور الذي يقوم به حزب الله في لبنان.
ثمة الكثير من الأسئلة، هل تنتقل الدولة اليمنية إلى قبضة ميليشيا مذهبية؟، وماذا لو توسعت الحرب، لتضمن وضعاً سياسياً وعسكرياً قوياً في الدولة، وهل يمكن أن ينتقل اليمن إلى وضع الدولة الخاضعة لعقوبات دولية يفرضها مجلس الأمن الذي يعتبر الحوثيين جماعة معرقلة للانتقال السياسي في البلاد، أو توجه بنادقها إلى جهات قبلية وسياسية، وتقبل بعروض تمكنها من ضمان تحقيق مكتسبات سياسية دون تسليم السلاح، وتحاول تكرار تجربة حزب الله وهو ابتلاع الدولة من الداخل، أو تتضافر الجهود لهزيمتها، وفي كل الأحوال فان تحالفات الحوثيين الحالية لاتصب في صالح حكمهم لليمن، فالسيطرة على كافة مقاليد الحكم تعني انهم سيكونون على رأس الدولة الأفقر في المنطقة، وعليهم الاستجابة لمطالب المواطن الذي لن يصبر عليهم طويلاً، خاصة وأن البدائل كثيرة وأبرزها تنظيم القاعدة الذي سيسعى لكسب أنصار له من بين الغاضبين على هذه الميليشيا الشيعية.