قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

أرى أنّه من الموضوعية أن نعترف بأنّ الرئيس محمد حسني مبارك أيا كان الموقف من ممارساته ونظامه طوال حوالي ثلاثين عاما، لأنّها ليست موضوع هذه المقالة، إلا انّه لم يراوغ حول مطالب ثورة يناير بتنحيه سوى سبعة عشر يوما عبر ثلاثة خطابات موجهة للشعب الذي رفضها فأعلن تنحيه عن الكرسي والسلطة في الحادي عشر من فبراير 2011 ، لتجري من بعده مرحلة انتقالية قصيرة فاز بعدها الرئيس محمد مرسي عن جماعة الإخوان المسلمين المصرية (الأم الولاّدة لكافة فروع الجماعة في العالم) برئاسة مصر التي لم تستمر سوى أكثر قليلا من عام واحد حيث أطاح به ما قام به الفريق عبد الفتاح السيسي متسلما رئاسة مصر، وأيضا سواءا أطلقنا على ما قام به الفريق السيسي انقلابا عسكريا أم امتثالا لرغبة شعبية طالبت بإزاحة الرئيس الإخواني محمد مرسي. بعد هذه التوضيحات كخلفية لموضوع المقالة نعود إلى جوهرها وهو السؤال: هل حقّقت ثورة يناير المصرية أهدافها؟. وسأعطي رأييي انطلاقا من حقيقتين: الأولى معرفتي العميقة بالواقع المصري حيث عشت ودرست في مصر قرابة 15 عاما قادما لها من مخيم رفح للآجئين الفلسطينيين عام 1961 عندما كنّا في قطاع غزة شبه امتداد لجمهورية مصر العربية حيث كان القطاع منذ نكبة عام 1948 يقع تحت إدارة الحاكم العسكري المصري وعشت زمن إدارة الفريق يوسف العجرودي، واستمر هذا الحال حتى هزيمة عام 1967 واحتلال القطاع والضفة الغربية. والثانية: هي تعلقي بمصر وطنا وشعبا وأمنيتي الدائمة لها بالرخاء والاستقرار حيث يشكل الشعب المصري قرابة ربع سكان الأمة العربية، ونسبة عالية من الأدب والثقافة والفن والمسرح والغناء العربي انطلقت من مصر. انطلاقا من هاتين الخلفيتين الشخصيتين أجيب على السؤال موضوع المقالة.

هل حقّقت ثورة يناير المصرية أهدافها؟
أعترف في البداية أنّه من المبكر جدا إعطاء الجواب القاطع على هذا السؤال حيث لم تمرّ على انطلاقة هذه الثورة سوى قرابة أربعة أعوام وهي مدة غير كافية لإعطاء جواب نهائي على السؤال، خاصة إذا تذكرنا أنّ الثورة الفرنسية التي انطلقت في يوليو 1789 عاشت عقب انطلاقتها ما يزيد على أربعين عاما من القتل والمقاصل والاعتداءات حيث قتل في سنواتها السبع الأولى قرابة أربعين ألف مواطنا فرنسيا عبر ما سمّي "لجنة السلامة العامة" عند استلام "روبسبير" للسلطة ثم تنقلت السلطة لأكثر من شخصية عبر وسائل مختلفة إلى أن استقرت فرنسا بعد تحقيق أهم مبدأ وهو ( فصل الدين عن الدولة) و إقرار مبادىء "حرية، إخاء، مساواة " مما نقل تأثيرات الثورة الفرنسية إلى عموم القارة الأوربية لتأصيل ديمقراطية حقيقية حتى في داخل الأنظمة الملكية حيث الملك يشكّل السقف العام لكافة مكونات نسيج المجتمع ويخضع للمساءلة الدستورية مثل أي مواطن عادي. ورغم قصر المدة التي مرّت على انطلاقة ثورة يناير المصرية وكون المطلوب هو الإجابة على السؤال المطروح، فجوابي هو: لا..لا..لم تحقّق ثورة يناير المصرية أهدافها التي انطلقت من أجلها..لماذا ؟. في البداية السؤال المساعد للإجابة على هذا السؤال هو: ماذا كانت أهداف ثورة يناير المصرية؟. وهنا أنا لست ناطقا بإسم الثورة وأجيب فقط كمراقب ومتابع للشأن المصري فأقول: لقد كانت ثورة يناير المصرية تهدف إلى: إقرار نظام رئاسي ديمقراطي شفّاف يخضع فيه الرئيس المنتخب عبر انتخابات نزيهة إلى رقابة مجلس الشعب الذي أساسا يجب انتخابه أيضا عبر انتخابات ديمقراطية تخضع لكافة المقاييس الدولية ، وأن لا يحكم الرئيس المنتخب أكثر من ولايتين (ثماني سنوات ) أسوة بكافة الدول الديمقراطية، وإقرار القانون على الجميع بغض النظر عن الشخص والمنصب والخلفية، وأن يتم فصل الدين عن الدولة على اعتبار أنّ الدين علاقة شخصية بين الفرد و ربّه، أمّا حياته اليومية فتخضع للقوانين التي أقرّتها المواثيق الدولية المعترف بها، وقد سبق للمناداة بهذه المقولة الزعيم الوطني المصري سعد زغلول عندما أطلق خلال ثورة 1919 شعار ( الدين لله و الوطن للجميع )، وهذا هو شعار الأمن والاستقرار حيث لا دخل لأحد في معتقدات الآخر ( لكم دينكم ولي دين ) بينما الوطن والمحافظة على أمنه واستقراره مسؤولية الجميع من كافة الديانات والملل والطوائف بدون استثناء.

فهل تحققت أهداف ثورة يناير هذه في السنوات الأربع الماضية؟
جوابي كما قلت هو لا..لماذا؟
1 . عاشت مصر منذ تنحي الرئيس حسني مبارك عاما وعدة شهور في ظل رئاسة الرئيس محمد مرسي ومنذ يوليو 2013 تعيش في ظل رئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وما زال المجتمع المصري منقسما حول هل ما قام به الفريق عبد الفتاح السيسي انقلابا عسكريا أم امتثالا لرغبة شعبية مصرية؟. وكي أكون موضوعيا لا علاقة لي بأي طرف من الطرفين فكل فريق يقدّم حججه وحيثياته المقنعة بوجه من الوجوه، وما زالت آليات النظام الديمقراطي المستقر غير واضحة المعالم ووقائع المشهد اليومي المصري توحي بأنّها ليست سهلة التحقيق في ظل السائد اليومي.

2 . أرادت ثورة يناير تحقيق النزاهة والمساءلة خاصة فيما سبق من تجاوزات و هدر للثروة المصرية، والجميع يشااهدون ويعيشون المماطلة والتأجيل في محاكمة الرئيس مبارك ونجليه وما هو منسوب لهم من سرقات واستيلاء غير مشروع على مليارات من ثروة الشعب المصري. هذا بالإضافة للعديد من القضايا نفسها المتعلقة برجال أعمال مصريين في مصر وهاربين في الخارج. ونفس المماطلة والتأجيل المستمر في محاكمة الرئيس المعزول محمد مرسي وقيادات جماعة الإخوان في السجون.

3 . الحياة اليومية المستقرة الهادئة للمواطن المصري لم تتحقق حيث مظاهرات جماعة الإخوان المسلمين ومؤيديهم شبه يومية في الشوارع والجامعات في عموم مصر، ينتج عنها مواجهات يومية بين المتظاهرين والشرطة والأمن، مما جعل الحياة اليومية مقلقة للغاية لا يعرف المواطن المصري ما سيجري في يومه هذا، مما يؤدي أحيانا لإغلاق ميادين عامة وجامعات بسبب انعدام الأمن والاستقرار. وبالتأكيد على أنني لست مؤيدا ولا نصيرا لأي طرف من أطراف الأزمة إلا أنّ الإقرار بالواقع يستدعي القول بأنّ المشهد المصري مؤهل لعنف أكثر في ظل إعلان جماعة الإخوان أنّهم لن يتركوا الشارع إلا بعودة رئيسهم المعزول محمد مرسي المودع في السجن منذ يوليو 2013 . والمقلق للمواطن المصري هو أنّ هذه المواجهات ينتج عنها دوما قتلى وجرحي ومصابين من جميع الأطراف.

4 . الرخاء الاقتصادي الذي كانت تنشده ثورة يناير المصرية لم تتحقق أية نسبة منه خاصة في ظل احصائيات وأرقام البنك المركزي المصري حيث تعيش الميزانية المصرية نقصا وعجزا كبيرا، والمتوقع ان يزداد العجز بعد استرداد الوديعة القطرية التي هي قرابة مليارين من الدولارات و ودائع دولية أخرى، مما جعل سعر صرف الدولار على أبواب وصوله إلى ثمانية جنيهات مصرية، ونفس القلق يشمل مسألة انتاج الغاز والكهرباء التي تنقطع ساعات في معظم أنحاء مصر.

5 . الإرهاب اليومي الدائر في شبه جزيرة سيناء بين قوى إرهابية بلا شك والجيش والأمن المصري، مما حوّل حياة المواطن في سيناء إلى جحيم دائم أودى بحياة المئات من الجيش والشرطة المصرية. هذا الإرهاب يتستر تحت تسمية مضللة " كتائب بيت المقدس "، والسؤال: يا كتائب بيت المقدس أيهما أولى بالمواجهة: الجيش والأمن المصري أم المحتل لبيت المقدس منذ عام 1948 حيث لم تطلقوا رصاصة ضد هذا المحتل؟.

منطلقا من الوقائع الخمسة الماضية أكرّر،
لا..لم تحقّق ثورة يناير المصرية بعد أهدافها مع التذكير بما قلته سابقا أنّ أعواما أربعة غير كافية للحكم على مسار أية ثورة في العالم. والأمل..كل الأمل أن تقترب مصر من تحقيق أهداف الثورة في الديمقراطية الحقيقية وتداول السلطة بسلمية راقية ونزاهة في كافة مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية، فالشعب المصري يستحق الحرية والديمقراطية والرخاء والأمن والاستقرار.
www.drabumatar.com

ملاحظة للتوضيح: هذه المقالة هي مشاركتي في كتاب بنفس عنوان المقالة ( هل حققت ثورة يناير المصرية أهدافها ) أصدره "حزب شباب مصر " في القاهرة بمشاركة عدة كتاب عرب ومصريين، وهو قيد التوزيع الآن في مكتبة مدبولي بالقاهرة. مشاركتي هذه كتبتها في شهر نوفمبر 2014 لذلك ربما حدثت بعد ذلك تطورات مصرية لم تتم الإشارة إليها في المقالة.