&ااستنادا للمنطق والتفسير الاقرب الى الواقع فان اقليم كوردستان العراق مقبل على عام جديد لاتبشر فيه الامور بخير حسب جميع المقاييس. وتدل المؤشرات على ان الآت اعظم بالنسبة لهذه التجربة الديمقراطية الناشئة وليس مبالغا فيه اذا قلنا ان الخروج من المجهول المنتظر دون اضرار كبيرة ربما ستهدد وجودها سيكون بمثابة معجزة لا يتقبلها العقل.

&
&
تباعد وخلاف سياسي قائم
&
فالصراع المحتدم بين الاطراف السياسية الكوردية ولاسيما فيما يتعلق بقانون رئاسة الاقليم، اصاب الحكومة والبرلمان بشلل تام منذ التاسع عشر من آب (اغسطس) الماضي وهو يوم انتهاء الولاية الثالثة لمسعود بارزاني رئيس اقليم كوردستان.
وما زاد الطين بلًة هو قيام الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي يهيمن على الحكومة والبرلمان بمنع يوسف محمد رئيس برلمان كوردستان من دخول اربيل لمزاولة عمله كما عزل الوزراء الاربعة لحركة التغيير في الحكومة (المالية، البيشمركة، الاوقاف والشؤون الدينية و التجارة) في الثاني عشر من تشرين الاول (اكتوبر).
ومنذ ذلك الحين ولايزال التباعد والخلاف الحاد بين حركة التغيير والحزب الديمقراطي وهما من الاحزاب الرئيسية الخمسة التي شكلت الحكومة سيد الموقف على الرغم من المحاولات الجادة والحثيثة التي تبناها الاتحاد الوطني الكوردستاني وطرحه افكارا ومقترحات للتقريب بين الجانبين للجلوس الى طاولة الحوار من اجل ايجاد مخرج يؤدي الى حل يرضي الجميع.
ولم تثمر سلسلة الاجتماعات التي عقدها الاتحاد مع الاطراف الرئيسية الاخرى عن شيء حتى الان فيما تفيد التقارير الصحفية بان رد الاطراف على تلك الافكار والمقترحات التي حاولت ارضاء الطرفين لم يكن ايجابيا.
ونحن على ابواب عام جديد لايزال الوضع السياسي في الاقليم كما كان عليه قبل اقل من اربعة اشهر بل ويشهد تفاقما وتصعيدا خطيرين خصوصا من خلال التصريحات النارية التي يدلي بها سياسيو الجانبين واحيانا قياديو الاطراف الاخرى ايضا.وكل ما تقدم يوحي بعدم امكانية حلحلة الخلافات السياسية والتوصل الى تسويات في القريب العاجل.
&
&
اقتصاد متدهور
ومع دخول الاقليم العام الجديد لا تزال الآثار المترتبة عن الازمة المالية والمستمرة منذ اكثر من عام تشكل خطرا على اقتصاد الاقليم فقد ارهقت المواطنين عموما والموظفين على وجهة الخصوص مع تأخر صرف رواتبهم لاربعة اشهر كاملة مع حلول العام الجديد.
ولم تسلم القطاعات الاخرى كذلك من التبعات السلبية للازمة فقطاع النفط لم يسعف الوضع رغم اعلان الاقليم اواسط شهرآيار (مايو) الماضي عن بدء بيع النفط بشكل مستقل مع استمرار الحكومة المركزية في عدم ارسال رواتب موظفي الاقليم ضمن حصته من الميزانية وبالتالي اصبح الاتفاق النفطي الذي توصل اليه الجانبان نهاية العام الماضي والذي ثبت في قانون الموازنة لعام 2015 حبرا على ورق. كما توقفت حوالي 6 آلاف من المشاريع الخدمية والاستثمارية ولم يفتتح اي مشروع جديد منذ حوالي عامين.
وقد تم الكشف عن الديون المتراكمة على الحكومة والتي تقدر بـاكثر من 20 مليار دولار فيما اقفلت الكثير من الشركات ابوابها او افلست بسبب عدم قدرة الحكومة على سداد مستحقاتها.
قطاع السياحة ايضا شهد تراجعا كبيرا مع انخفاض عدد السياح المحليين والاجانب مقارنة بالاعوام السابقة.
قطاع الكهرباء بدوره شهد مؤخرا تدهورا ملحوظا مع انخفاض عدد ساعات تزويد المواطنين بالكهرباء الوطني بسبب عدم قدرة الجهات المعنية على تأمين الوقود الكافي لمحطات توليد الطاقة الكهربائية التي تعتمد اساسا على الديزل.
ربما شهد الاقليم حتى الان التأثير المباشر للازمة المالية والاقتصادية اما الآثار البعيدة المدى فمن المحتمل ظهورها خلال العامين القادمين حيث سيظهر تدريجيا حاجة الاقليم الماسة الى المشاريع الخدمية من مدارس ومستوصفات ومشاريع المياه والمجاري وغيرها.
واذاما اخذنا الاجراءات الاصلاحية المتأخرة التي اعلنتها حكومة الاقليم والتي قوبلت بانتقادات من قبل الخبراء الاقتصاديين نظرا لكونها سطحية ومفتقرة الى المساواة ويتوقع مساهمتها في خفض النفقات بنسبة لا تزيد عن (1%)، فأن ورقة الاصلاح لن يعول عليها كمخرج للازمة.
&
انتصارات البيشمركة لا تخفي المعاناة
ومن الناحية الامنية والعسكرية اثقلت المشكلة الخطيرة والمتمثلة في تهدد تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش) على جبهة بطول 1050 كلم كاهل الحكومة في الاقليم وقوات البيشمركة ايضا فهي تقاتل اشرس منظمة ارهابية على الاطلاق دون دعم عسكري كبير او اسلحة نوعية وحديثة. ومع ان قوات البيشمركة تفاجأ بهجمات داعش السريعة منذ البداية وحدث ارتباك في صفوفها ادى الى تقدم داعش وسيطرته على مناطق كوردية مثل مخمور وسنجار و جلولاء وقيامه بمجازر كبيرة فيها الا ان دخول الولايات المتحدة وحلفائها على الخط ودعمها العسكري الجوي للمقاتلين الكورد ساهم بشكل فعال في رفع معنويات البيشمركة واستعادة المبادرة للقيام بهجمات قوية ومرتدة حررت فيها مناطق شاسعة جنوب وغرب محافظة كركوك و مناطق مخمور وسنجار القريبة من الموصل.
&
الانتصارات الكبيرة للبيشمركة لم تأت عبثا فقد ضحى المئات من عناصرها ولاسيما الكثير من القادة بحياتهم ثمنا لها فيما اصيب الاف آخرين منهم. كما لم تخف تلك الانتصارات ماتعانيه هذه القوة على الجبهات حيث بدا عليها الانقسام كونها لم توحد بعد تحت مظلة وزارة البيشمركة.
وقد ينعكس افتقار قوات البيشمركة الى توحيد قيادتها في المدى البعيد على آدائها ونجاحها في انجاز مهامها الوطنية. ولكن تبقى المشكلة الاكبر في تأمين الدعم للبيشمركة ورواتب عناصرها التي لايعرفون كيف سيحصلون عليها.
&
اوضاع صعبة وغامضة تنتظر الاقليم
ينبيء ماتقدم بان مشاكل اقليم كوردستان ليست هينة وتوحي بصعوبة وغموض الاوضاع المنتظرة خلال العام الجديد على الصعد السياسية والاقتصادي والامنية والعسكرية فالخلل الموجود لا يستهان به وان لم تجد الخلافات المؤدية لنشوئه الطريق الصحيح والسريع الى الحل فسيكون مستقبل اقليم كوردستان على كف عفريت ان لم يكن وجوده ككل مهددا كما قال مسؤول رفيع في مجلس وزراء الاقليم.
وقد ينعكس الامتعاض والحنق المتفشي بين الناس سلبا على نتائج الاستفتاء المزمع الذي يحاول بعض الاطراف اجراءه وسط هذا الجو النفسي المتردي من كافة الاوجه.
&
&
* صحفي من اقليم كوردستان