قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

 

 
منذ وقعت محاولة الانقلاب الفاشل في تركيا قبل حوالي إثني عشر يوماً لم تتوقف وسائل الإعلام الأوربية عن متابعة الشأن التركي بالملاحقة والتحليل والنقد ، لأكثر من سبب .. القرب الجغرافي والتعاون المعلوماتي والتبادل الأمني .. تابعوا علي مدار الساعة تطورات الموقف الداخلي وفتشوا عن خباياه ، وحللوا أسبابه وناقشوا وتبادلوا الراي حول لماذا فشلت المحاولة  ؟؟ وانتقدوا ردود الفعل شديدة العنف التى اقدم عليها رئيس الجمورية وحكومته والتى لا زالت متواصلة علي مدار الساعة .. 
البيان الذي صدر عن بيديريكا موجيريني مسئولة الشئون الخارجية في الأتحاد الاوربي و يوهانس هانن مسئول شئون الأعضاء مساء 21 الجاري ، حدد بشكل واضح أن بروكسل تراقب عن كثب وقلق ما يجري في تركيا ، وتطالب حكومتها بضرورة " احترام القانون وحقوق الإنسان " .. وذلك رداً علي فرض المجلس النيابي لحالة الطوارئ علي البلاد بناء علي إقتراح من جانب الرئيس تبنته الحكومه ، وتعليق أردوغان العمل ببعض بنود المعاهدة الأوربية لحقوق الإنسان ، وإعتزامه إعادة العمل بعقوبة الإعدام .. 
ضرب الرئيس التركي عرض الحائط بتحذيرات ومخاوف بروكسل أن يستغل هو ونظامه حالة الطوارئ تعيش فيها البلاد لكي يستصدر ما يشاء من قوانين بعيداً عن المناقشات البرلمانية ، تستهدف الحريات .. يفرض عن طريقها المزيد من القيود وتقنن له ملاحقة كل من يعبر عن وجهة نظر تختلف مع ما يراه هو وحكومته .. 
رداً علي هذا الموقف ، وصف أردوغان في مقابلة له مع تليفزيون فرنسا 24 الإنتقادات الأوربية بأنها " تصريحات متناقضة " واتهم قائلوها بأنهم " متعصبون " .. وعاب عليهم بشئ من العنصرية " السماح بقبول أعضاء في الإتحاد الأوربي " أقل تطوراً وأقل أهلية من الدولة التركية " .. وقال ان بلاده تتجرع معاناة بالغة في انتظار قبول عضويتها .. وعلق علي أول قرارين له - بعد فرض حالة الطوارئ - بإغلاق ألف مدرسة خاصة وبتمديد فترة إحتجاز المشتبه فيهم دون ان توجه إليهم تهم محدده ، بأنهما السبيل الوحيد " لكشف مؤيدي محاولة الإنقلاب بسرعة " .. 
المفوضية الأوربية تتوجس من إمكانية تنامي العوامل التي من شأنها - كما تري عواصم صنع القرار العالمية – أن تجلب لتركيا وديموقراطيتها عدم الإستقرار المجتمعي والأمني والمزيد من الفوضي الحاضنة للعمليات الأرهابية ، خاصة بعد قرار حل الحرس الرئاسي .. 
لماذا هذه المواجهة بين الطرفين ؟؟ .. 
المتتبع للهاث تركيا للحصول علي عضوية اٌلإتحاد الأوربي منذ اكثر من عشر سنوات أو كما قال هو لتليفزيون فرنسا من 53 عام ، سيلاحظ أن أنقرة كانت دائماً علي استعداد لتلبية كل ما يُطلب منها لأستكمال مُصوغات قبولها ضمن منظومته بكل السبل ، وأنها كانت تتخذ من عضويتها في حلف شمال الأطلنطي وتحالفها الوثيق مع واشنطن أقوي قنوات الضغط علي بروكسل للفوز بما تسعي إليه .. 
تعثرت خطوات الإنضمام لأسباب كثيرة ، دار معظمها حول حقوق الإنسان والحريات التى يتمتع بها المواطن التركي ..ومؤخراً زاد تعثرها بسبب إختلاف الطرفين العميق منذ أربعة أشهر حول أزمة ملايين المهاجرين إلي أراضي دول الإتحاد الأوربي عبر تركيا واليونان ، ذلك الخلاف الذي إتخذ إتجاهين .. 
الأول .. يدعو إلي تحجيم الدور التركي علي كافة الأصعدة ، والبحث عن حلول جذرية للمشكلة علي المستوي الإنساني في ضوء ما تمليه متطلبات " الضمير والأخلاق " في المقام الأول .. 
والثاني .. ينحو نحو تهدئة خواطر أنقرة لفترة زمنية بهدف إختبار نواياها مقابل حفنة من الدولارات ، إلي أن تتضح أبعاد  مشكلة الفارين بحياتهم إلي أراضي دولها .. 
وأخذت المفوضية الأوربية – في مارس الماضي - بمقترح التعامل مع تركيا بإعتبارها تاجر يحرص علي أن يقبض ثمن بضاعته عداً ونقداً ، وكان أن اتفقت معها علي دعم ميزانيتها بعدة مليارات من الدولارات لخمسة سنوات قادمة لتوفيق أوضاع النازحين الذين استقروا فوق أراضيها .. إلي جانب النظر في إمكانية منح رعاياها حق السفر إلي دول الإتحاد الأوربي بدون تأشيرة ، في مقابل أن تعمل علي إلغاء قانون مكافحة الإرهاب المعمول به في صيغته الحالية .. 
تكاسلت السلطات التركية بعد أن حصلت علي جانب من المساعدات المالية عن تقديم الخدمات التي تعهدت بها لرعاية شأن اللآجئين فوق أراضيها ، ولما تعالت بعض الأصوات الأوربية مطالبة بإعادة النظر في الإمتيازات التجارية التى تحصل عليها شركاتها في مجال التصدير إلي دول الإتحاد .. هددت أنقرة بوقف التعاون الثنائي مع دول الجوار لمراقبة الحدود ، وبترحيل اكثر من مليون لآجئ سوري من أراضيها إلي أرمينيا واليونان والمجر ..  
رداً علي هذه الإستفزازات أوقفت بروكسل إجراءات النظر في منح المواطن التركي حق الدخول إلي دول الإتحاد الأوربي بلا تأشيرة اعتبارأ من اوائل الشهر الحالي .. 
جاء رد فعل الرئيس التركي علي هذه الخطوة مثيراً للدهشة حيث أعلن أنه سيجري إستفتاء بين مواطينه لمعرفة مدي رغبتهم في الإنضام للإتحاد الأوربي .. 
وتسائلت المفوضية الأوربية .. إستفتاء حول ماذا ؟؟ وردت أنقرة .. سنسأل الشعب التركي بنفس الوسيلة التي لجأت إليها المملكة المتحدة للتعرف علي رأي مواطنيها فيما يتعلق ببقاء لندن ضمن منظومة الإتحاد الأوربي أو الإنسحاب منه .. 
وتوالت السخريات ..
ثم وقعت محاولة الإنقلاب في تركيا .. 
ورأت أوربا في حملة الإعتقالات التى شنتها السلطات التركية في أوساط الجيش والحرس الجمهوري والسلطة القضائية والتعليم ووسائل الإعلام والإعلاميين ، محاولة مستمية من جانب أردوغان لإستكمال إحكام قضبته علي البلاد .. وتوجست من أن تؤدي عمليات التطهير التي طالت حوالي 60 ألف من العاملين في الدولة ، وإمتدت إلي كافة مؤسساتها بما فيها أساتذة الجامعات الذين حُرموا بقرار سلطوي من السفر إلي خارج البلاد ، إلي تسريع خطوات إنفراد رئيس جمهورية تركيا " بالسلطة المطلقة " التي كان يحلم بها ..
ولما تصاعدت الأمور علي مستوي التفكير في إعادة العمل بعقوبة الإعدام ، ردت بروكسل بأن هذه الخطوة لا يَصح أن يُفكر فيها من كان ينتظر أي بادرة " إستحسان – من جانبنا - لأداء حكومته لكي يستكمل أوراق قبوله ضمن المنظومة التى يحلم منذ عقد بعضويتها " .. 
وجاء رد أوردغان متعالياً ومتغطرساً حين قال " نحن لا نريد من أحد ان يُعلمنا ماذا يجب علينا أن نفعله أو لا نفعله "  .. مما إضطر وسائل الإعلام الأوربية إلي رفع صوتها للمطالبة بأن يكون دور تركيا " ألأوربي " مرتبط فقط بمكانتها ضمن حلف الناتو فقط ، وتحالفها الإستراتيجي مع واشنطن " .. 
نقول .. حلم انضمام تركيا إلي الإتحاد الأوربي ، دخل غرفة الانعاش .. 
أولاً .. لأن مشاهد الدبابات والآليات العسكرية والمروحيات والإعتداءات في الشوارع ليلة المحاولة الفاشلة ، يُبرهن علي أن النهج الديموقراطي الذي يدعيه نظام حكم أردوغان هش ولم تصل مفرداته بعد إلي بعض المؤسسات ( العسكرية والقضائية والتعليمية ) التى يبدو أن لها رؤية مخالفه لمجمل توجهات البلاد السياسية .. 
ثانياً .. ردة فعل رئيس الجمهورية المُفرطة علي كافة المستويات ، يدل علي أنه يقود كل من المؤسستين التشريعية والتعليمية إلي حيث يريد هو أن يكونا ، إلي جانب قدرته الفذة في إرهاب المعارضة ..
ثالثاً .. الإستعداد لإعادة العمل بعقوبة الإعدام التى إلغيت عام 2004 ( سعياً وراء الإنضمام إلي عضوية الإتحاد الأوربي ) بناء علي طلب الشعب !! فيه كثير من الخداع الذي يعبر عن قدرة علي شحن الرأي العام بما يريد هو انه يعيده ، لكي يكون مدخلاً للمؤسسة القضائية لتخليصه من خصومه .. 
رابعاً .. خضوع تركيا لحالة الطوارئ يفتح أبواب إستكمال أركان الدولة الإستبدادية التى لا تقف عند حد في مسيرة الإنتقام من المعارضين لها ، الذين وصفهم أردوغان بأنهم " أركان الدولة الموازية التى يديرها فتح الله جولن من منفاه في الولايات المتحدة " .. 
نتساءل مع آخرين .. 
هل صدقت نبوءة ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا السابق عندما طُلب منه التعليق – قبل يومين من تاريخ الإستفتاء الشعبي الذي انتهي بالموافقة علي خروج بلاده من عضوية الإتحاد الأوربي - علي إحتمال خروج المملكة المتحدة من عضويتة بلا أمل في العودة ، بينما بعض المؤشرات تفيد بإمكانية أن تنضم إليه تركيا خلال خمسة سنوات ، فرد قائلا بلا تردد " ملف عضوية أنقرة مشكوك في أمره ، لأنها لن تتمكن من تحقيق كل ما هو مطلوب منها لأن رؤيتها لحقوق الإنسان لن تتوافق في المدي القريب أو المتوسط مع الرؤية الأوربية " ..