قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

فتح تنوع شعوب الشرق الأوسط وتعدد مكوناته الباب أمام القوي الدولية للتدخل بالمنطقة عن طريق إثارة النعرات العرقية والدينية والطائفية، وربما لم تسلم دولة بالمنطقة من صراع دام بين مكوناتها ما هدد استقرار المنطقة وعرقل تقدمها.

ورغم أن التنوع في أصله ثراء وقوة، ألا أن بعض النظم الحاكمة كانت تراه نقاط ضعف وبؤر خيانة، وربما وصل الأمر لاتهام بعض النظم لمكوناتها بالعمالة ، وهو ما أدخل العديد من دول المنطقة فى حالة من عدم الإستقرار لفترات طويلة.

وعلى مدار عقود ظل المكون الكردي بالشرق الأوسط محل اتهام وموضع ريبة وشك بدعوي السعي لتقسيم المنطقة والعمالة للقوي الأجنبية وهو ما جعلهم ضحايا للكثير من المذابح والمجازر والإبادات التي يسجلها التاريخ بحروف من دم.

وفى منطقة يتمتع الدين فيه بقوة وتأثير كبيرين، لعب الإستقطاب الديني دورا كبيرا فى الصراع السياسي خاصة بعد اندلاع ما عرف بـ الربيع العربي، ولم ينجو المختلفين سياسيين من اتهامات الكفر والإلحاد من قبل قوي الإسلام السياسي التى سعت لاستغلال نفوذها الديني وسط الطبقات الشعبية لتحقيق مكاسب سياسية.

ومع انتشار حالات الإستقطاب السياسي والديني بالمنطقة وما تبعه من تبني البعض لفكر العنف بإسم الدين لارهاب المخالفين وتكفيرهم،دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من تاريخه، مرحلة ربما مرجعيتها السياسية الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش صاحب نظرية "من ليس معنا فهو ضدنا" تلك النظرية التي قسمت العالم بعد أحداث 11 سبتمبر.

وفقا لنظرية بوش الإبن، زادت حدة الإستقطاب السياسي والديني والعرقي بالمنطقة، وأصبح هناك من يحتكر الحديث بإسم الدين ومن دونه كافر ملحد يجوز قتله، كما ظهر من يحتكرون الوطنية ومن دونهمخونة عملاء جواسيس يجوز قتلهم، دعمت نظرية بوش صراع العرقيات والمذاهب، وانتشرت أحاديث المد الشيعي، والتطرف السني، وعاد صراع علي ومعاوية للحياة من جديد بعد قرون من وفاتهما.

ولم ينجو الكرد من هذا الجو السموم بالطائفية والعرقية الذميمة، فظهرت نغمة إسرائيل الثانية فى أى حديث عن إقليم كردستان العراق،رغم ما عاناه الأكراد وما لاقوه من جرائم على يد نظام البعث الصدامي فى العراق ، ورغم سقوط قرابة 200 ألف كردي على يد النظام العراقي طيلة فترة حكمه، ألا أن هذه المظالم والمآسي الكردية ظلت بعيدة عن وسائل الإعلام العربية دون أن تغيب قائمة التهم المعلبة مثل العمالة والسعي فى تقسيم المنطقة عن تلك الشاشات !

هذا الجو المشحون بالعنصرية والمذهبية دعم ظهور تيارات متشددة وأفكار تكفيرية تمثلت فى جماعات مثل داعش والنصرة وغيرهما من الجماعات التي دعمت وجودها قوي إقليمية لاستغلالها فى تحقيق مصالحها بالمنطقة.

وسعت تلك القوي الإقليمية لتصفية حساباتها مع مكونات المنطقة المختلفة عن طريق جماعات وتنظيمات الإرهاب، وكان الكرد هدفا دوما لتلك الجماعات بدعوى أنهم ملحدون كفار تارة، أو عملاء للغرب والصهاينة تارة أخري.

وعندما انتشر الإرهاب بالعالم لم تجد القوي الدولية بدا من الوقوف فى وجه مغول العصر داعش، وكان الدور الكردي قويا ومؤثرا بشكل كبير فى إسقاط دولة الإرهاب بعد أن توحشت وسيطرت على مساحات ربما تفوق مساحة بعض دول أوروبا.

فى العراق لعب البشمركة دورا كبيرا فى مواجهة التنظيم وإسقاط عاصمته فى الموصل، كما وقفت قوات سوريا الديمقراطية ذات الأغلبية الكردية بالمرصاد للإرهابيين بسوريا، حتى نجحت فى تطهير بلاد الشام من داعش واسقاط عاصمتهم بالرقة قبل تطهير أخر معاقلهم فى الباغوز وإعلان نهاية دولة الإرهاب.

بعيدا عن المواجهة العسكرية، قدم كرد العراق وإدارة إقليم كردستان مثالا رائعا فى التعايش والتآخي بعد أن فتحوا مدنهم وأرضهم لإستقبال اخوانهم العرب من ضحايا المدن التي سيطر عليها داعش، ولم يجد الكرد غضاضة فى احتضان اخوانهم وأبناء وطنهم من المكونات الأخري من السنة والشيعة دون أن يتحدث أحد عن تغيير ديموغرافية الإقليم أو تهديد هويته.

الوجود العربي بإقليم كردستان عزز بشكل كبير من نجاح تجربة التعايش التي سبق وأعلنها السيد نيجرفان بارزاني الرئيس الحالي للإقليم، والذى انتهج سياسة التآخي والوحدة بين كل المكونات الدينية والعرقية بالإقليم بصورة سقطت معها كل مظاهر التمييز والعنصرية، فلا فرق بين كردي مسلم أو إيزيدي أو عربي سني أو شيعي أو تركماني أو سرياني أو كلداني.

تجربة إقليم كردستان فى التعايش حالة جديدة ومختلفة ومميزة خاصة فى ظل حالة الصراع الطائفي والمذهبي الذى عاناه العراق بعد سقوط صدام بصورة جعلت المناصب الحكومية بالمحاصصة المذهبية وليس عبر صناديق الانتخابات.

وفى شمال سوريا لم يختلف الوضع كثيرا، فالكرد الذين تلاحقهم تهم العمالة والخيانة فتحوا مناطقهم لاخوانهم العرب، ونجحت شعوب شمال سوريا مجتمعة فى تشكيل ما يعرف بالإدارة الذاتية لتسيير أمور المنطقة دون تمييز لشعب أو قومية على أخرى، بل ربما لا يعلم الكثيرون أن رئيس مجلس سوريا الديمقراطية الحاكم فى شمال سوريا يجب أن يكون عربيا وتشاركه فى الإدارة إمراة من المكون الكردي لتعميق المساواة بين الجنسين.

نجح الكرد بشمال العراق وشمال سوريا فى تقديم تجربة مختلفة عن بقية مناطق الشرق الأوسط، استطاعت تلك التجربة المتميزة أن تحتوي خلافاتها، وتستفيد من تنوعها، بصورة انتهت معها الخلافات والنعرات القومية والمذهبية، يكفي أن نعرف أن إقليم كردستان وفيدرالية شمال سوريا لم تسجل واقعة صراع مذهبي أو عنف طائفي أو عرقي، على مدار سنوات سوى بعض الحوادث القليلة التي سعت لافتعالها بعض دول الجوار لهز استقرار المنطقتين وتهديد آمنهما.

الغريب أنه رغم ما حققه إقليم كردستان وفيدرالية شمال سوريا من نجاحات سواء فى الوقوف فى وجه أعداء الأمة العربية مثل إيران بالنسبة لإقليم كردستان، أو تركيا بالنسبة لشمال سوريا فإن الدول العربية مازالت تنظر للوجود الكردي بالمنطقة بنوع من الريبة والتوجس دون أن أجد سببا مقنعا لذلك سوي غياب الواقعية والفطنة السياسية وسوء تقدير الموقف.

تحتاج الدول العربية للإنفتاح على الكرد بشمال سوريا والعراق، ونقل تجاربهما فى التعايش وقبول الأخر بصورة قد تعود بمزيد من الإستقرار على شعوب المنطقة، كما يمكن لكردستان العراق وسوريا حماية الأمن القومي العربي واجهاض مخططات بعض الدول الإقليمية التي تستهدف أمن واستقرار المنطقة.

التقارب العربي الكردي يحمل الخير للطرفين فى كل المجالات، ولن يجد العرب أفضل من كردستان العراق شريكا سياسيا واقتصاديا للوقوف فى وجه مخططات إيران لاستعادة أمجاد الدولة الفارسية، وليس هناك أفضل من فيدرالية شمال سوريا حليفا للعرب للوقوف فى وجه مخططات تركيا الساعية لاستعادة خلافتها العثمانية التي لا تعترف بالحدود أو الأنظمة الحاكمة.. الكرد يمدون أيديهم للجميع وجاهزون للتعاون .. ويبقي السؤال متي يستفيق العرب؟