قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

ونحن على اعتاب العقد الثالث من القرن الواحد والعشرون، لا تزال الأرقام صادمة حول مستويات الفقر المدقع في أغلب البلدان العربية، حيث بلغ عدد من يرزحون تحت خط الفقر إلى نسبة تتراوح بين 34% و38% من إجمالي السكان الذين وصل عددهم إلى ما يزيد عن 362 مليون نسمة، حسبما ورد في تقرير للأمم المتحدة عقب قمة الأمن الغذائي في العاصمة الإيطالية روما، أي أن حوالي 130 مليون شخص يعيشون تحت خط الفقر، ويئنونتحت وطأة الجوع وهم صامتون على جوعهم.

كما إن الإحصائيات المنفردة مخيفة في بعض البلدان العربية، فقد بلغت النسبة في السودان الى ان حوالي 80% يعانون من الجوع، بينما في مصر تشير الأرقام إلى أن أكثر من 46% من الشعب المصري لا يحصل على الطعام الكافي ويعاني من سوء التغذية. وفي الجزائر تتحدث "الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان" عن 10 ملايين جزائري يقبعون تحت خط الفقر.وفي المغرب ذكر تقرير للبنك الدولي نشر قبل فترة ليست بالقصيرة أن حوالي 13 مليون مواطن مغربي يعيشون الفقر، منهم 5 ملايين يعانون العوز الشديد بشتى الوانه.

لا يمكن القول أن "التجارة غير العادلة أو التي لا تقوم على تكافؤ الفرص" التي يحتج بها اكثر الحكام العرب هي السبب الأساسي وراء تفشي الفقر الذي يبدو مستفحلا وفي ازدياد في الدول العربية. في الحقيقة، ورغم تبعات التجارة غير العادلة بين الدول الصناعية الكبرى ودول العالم الثالث، هناك دول عربية لاينقصها المال كالدول النفطية الخليجية، وهناك دول عربية أخرى كمصر وسوريا والمغرب وتونس والعراق لديها موارد طبيعية بمستوى جيد إضافة إلى موارد بشرية بمستويات تعادل في معظم المجالات مثيلاتها في بلدان صاعدة.

لكن ورغم كل هذه الثروات، فالواقع يفيد بأنه لا توجد دولة عربية واحدة استطاعت حتى الآن الوصول إلى مستوى البلدان الآسيوية الصاعدة منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي، والتي كانت تعاني الفقر والتأخر قبل هذا التاريخ، مثل كوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة، أو حتى عهد قريب مثل أندونيسياوتايلند. لقد تمكنت هذه البلدان من كسر حلقة الفقر والتخلف رغم معاناتها أيضا من غياب عدالة التجارة العالمية وهيمنة الدول الصناعية السبع الكبرى عليها. ومن هنا يأتي السؤال الذي تصعب الإجابة عليه، وهو لماذا لا تنتقل هذه الدول العربية إلى مصاف الدول المتقدمة رغم ثرواتها الطائلة؟

التجربة التاريخية والمعاصرة لمعظم بلدان العالم المتقدمة تؤكد بأن الأموال لوحدها لا تجلب التصنيع والتقدم والرفاهية، إلا إذا قام على إدارتها اشخاص اكفاء من ذوي الاختصاص ويتحلون بالأمانة والنزاهة. وخير مثال على ذلك يشير الى دولة صغيرة هي"النرويج" التي انتقلت في غضون أقل من نصف قرن من بلد زراعي إلى بلد صناعي متقدم بفعل الاستخدام الرشيد لفوائضها النفطية. في حين أن الدول العربية النفطية الأكثر ثروة ما زالت تعتمد بنسبة تصل إلى 90% أو أكثر على هذه الفوائض من النفط الخام. كما يذكر التاريخ الحديث أن كوريا الجنوبية بنت صناعاتها التحويلية اعتبارا من منتصف ستينات القرن الماضي من فوائض تصدير الرز الذي كانت تعتمد عليه آنذاك بشكل يشبه اعتماد الدول العربية على نفطها منذ ستينات القرن الماضي وحتى اليوم.

كما ان مؤسسات القطاع الخاص في المجتمعات العربية تتبع سلوكا في غاية السلبية في مجال التنمية، فهذه المؤسسات - باستثناء القليل منها - ليس لديها رؤية الانخراط في مشاريع مستدامة تستغل الكفاءات المتاحة وتساهم إلى جانب الدولة في تأهيل الشباب وتشجيعهم على ممارسة مختلف المهن الصناعية والتجارية والزراعية والخدمية والمالية. وبدلا من ذلك فإنها تستغل العاملين لديها إلى أقصى حدود الاستغلال ولا تدفع لهم الأجر الكافي الذي يوفر لهم حياة كريمة، إضافة إلى التهرب من دفع الضرائب وتكليف الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي. ويتم هذا في ظل غض النظر من قبل موظفي الدولة الذين يتقاضون الرشوة مقابل السكوت عن التجاوزات.

ورغم أن القاعدة الطبيعية لكل كائن حي في هذا الوجود تؤكد بأنه في حال فقد حقوقه الطبيعية كالطعام والدواء والمأوى (أي السكن اللائق)، فإن غريزة حب البقاء لديه تتفجر في ثورة غاضبة يسترجع بها حقوقه المسلوبة وإن كلفه ذلك حياته. وها نحن نسمع ونشاهد بين فترة واخرى الشعوب من شتى البلدان الديمقراطية إن زاد سعر مادة في السوق، ضجت الطرقات بالاستنكار وعلت عبارات التهديد والوعيد في ثورة الغضب، فتخضع الحكومة لطلباتهم او تضطر الى الاستقالة. ليس من المعقول ان يبقى العالم العربي حالة استثناء، فقد بات الفقر والظلم والاستبدادبمثابة قنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر في أية لحظة ، وما يحدث حاليا في كل من العراق ولبنان هو خير دليل على ما نقول.