يعانى العالم الثالث - الذي نحن العرب جزء منه - من ويلات الكراهية والتعصب العرقي والديني والإثني المصحوبة بالعنف والإبادة والقتل. نجحت أوروبا والولايات المتحدة في الخروج من نفق الحروب العرقية والدينية بسبب التعصب لمعتقدات معينة، واعتبارها أنها الصحيحة دون غيرها. وتخلصت من حرب الجميع ضد الجميع التي تحدث عنها "توماس هوبز"، والوصول لفكرة الدولة من خلال نظرية العقد الاجتماعي "لجون لوك" و "جان جاك روسو".

بموجب ذلك العقد الاجتماعي، تنازل الأفراد عن بعض من حرياتهم المطلقة، من أجل إقامة نظام وقوانين تطبق على الجميع، وتطور ذلك مع الزمن. نجحت الدول الأوروبية في التخلص من كراهية الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتكوين الاتحاد الأوروبي، وتم تنشئة الأجيال المختلفة عرقيا على التسامح وقبول الآخر المختلف دينيا واجتماعيا، في ظل منظومة قوانين تحافظ على ذلك، وتحاسب الخارجين عن قواعد التعايش السلمي بين أفراده.

الاختلاف بين أفراد المجتمع الواحد هو أمر طبيعي ومقبول، لكن من الغير المقبول أن يتحول هذا الاختلاف إلى خلاف. يجب أن يكون هناك متسع لتقبل الآخرين واختلافهم، حتى وإن لزم ذلك تغيير بعض من قناعاتنا لتقبلهم. يقول الكاتب "ايفرتدايركسين": " الحياة ليست ثابتة، وأولئك الذين لا يستطيعون تغيير عقولهم هم سكان المقابر والمجانين والموتى". المجتمعات التي لا تتقبل الآخر بمميزاته وعيوبه هي المجتمعات الأكثر عرضة من المجتمعات الأخرى للتفكك والصراع وانعدام الأمن فيها، وتعتبر بيئة جيدة وخصبة للجماعات المتطرفة العنيفة.

المجتمعات المتحضرة والواعية بدأت مبكرا في زرع ثقافة التعايش في عقول الاطفال في المراحل الدراسية الأولى لكي تضمن انينمو هؤلاء الأطفال وهم يحملون في تكوينهم الفكري والسلوكي ثقافة التعايش والاندماج في المجتمع، بغض النظر عن الاختلافات العرقية والدينية. لهذا السبب، لا تتعرض هذه المجتمعات الى اية ازمات او حالات من حالات التطرف والتعصب العرقي او الديني إلا نادرا، بعكس ما يحدث في بعض المجتمعات والدول العربية والاسلامية، حيث يلجأ الكثيرون الى تكفير الأخر لمجرد الاختلاف في الرأي، او الفكر او الدين او الثقافة او العرق.

النزعة الموجودة في بعض المجتمعات والخوف من الآخر المختلف،والتعصب للفكرة الواحدة، تعتبر من علامات التخلف التي لا تؤديإلا الى المزيد من الرجوع إلى الخلف. ويعتبر من غير الحكمة أن يرفض المرء من يختلف معه، ويكتفي ويبقى مع من يحملون نفس الأفكار ونفس القناعات. من خلال التواصل مع الآخرين وتقبل الآخر تتكون المعرفة ويزداد تبادل الخبرات لدى الأفراد، وتزول الأفكار السلبية التي تكون مرتبطة بذهن الإنسان نتيجة عدم اختلاطه وتواصله بالأخر المختلف. إذا هي عملية متبادلة، والعلاقة ستكون علاقة تكافؤ في المعادلة "أنت هو" و "هو أنت". وهناك العديد من المفاتيح التي تساعدنا إلى الوصول لتقبل الآخر، منها أن نتحلى بالقيم الإنسانية مثل الحب والتسامح واحترامالحريات الشخصية، وحرية التفكير والتعبير.

هذا على مستوى الأفراد، وعلى مستوى الدول، يجب خلق جهاز يعمل على متابعة نشر ثقافة التسامح وإزالة كل معوقات قبول الآخر من خلال المؤسسات التعليمية والإعلامية ومؤسسات المجتمع المدني، والتشدد في تطبيق القوانين التي تجرم الأفعال والممارسات المناهضة لقبول الآخر. قال تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير.