قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

بغض النظر عن الصراع الايراني الامريكي وملابساته التااريخية التي تعود الى ايام ثورة مصدق في الستينات، وما حصل من نهاية للشاه وتسليم ايران الى حكم الملالي بزعامة الخميني بنهاية السبعينات، فان شيعة العراق لم تحصل لهم اي نقلة نوعية كانقلاب سياسي جذري في حياتهم المذهبيية والقومية ابتداءا منذ الخلافة الراشدية الاسلامية والى بداية الالفية الثانية الا بفضل الولايات المتحدة، وذلك من خلال القضاء على نظام صدام حسين بالقوة العسكرية سنة الفين وثلاثة وتسليم السلطة التنفيذية على طبق من الذهب الى الشيعة لاول مرة عبر كل وجودها بالعراق، وهذا يحسب اكبر جميل سياسي على مر التاريخ يقدم من أمريكا للمكون الشيعي الذي لم يقدر بالوصول الى السلطة في العراق القديم والحديث طوال 14 قرنا.

وتذكيرا بالاهمية المصيرية للجميل الكبير والفضل التاريخي للولايات المتحدة الامريكية لشيعة العراق، فان دولة ايران بالرغم من نظامها المذهبي الشيعي لم تقدم على تقديم اي بادرة نوعية لخدمة ومساعدة المكون العراقي الشيعي للخروج من الحالة المأساوية التي كانت اغلبية الشيعة تعيش فيها في ظل نظام البعث الفاشي البائد، وحتى في ظل الأنظمة الشاهنشاهية وما قبلها في العقود والقرون السابقة لم تقدم ايران ولا بلاد فارس لشيعة الجنوب العراقي شيئا او دعما يذكر لصالحهم استنادا الى كتب وسير التاريخ.

ولا يخفى ان الدعم النوعي الجوهري والفضل التاريخي الكبيرللولايات المتحدة لشيعة العراق، قد حقق مكاسب تاريخية عملاقة لهم من كافة النواحي الدينية المذهبية والسياسية والاقتصادية والمالية والتجارية والثقافية والاجتماعية والعسكرية والامنية، مكاسب سلطوية لم تتحقق لهم طوال عهود الخلافة الراشدية ولا في الدولة الاموية ولا في المملكة العباسية ولا في عهد المماليك ولا في قرون الخلافة العثمانية ولا في التاريخ الحديث خلال تأسيس العراقبعد الحرب العالمية الاولى، ويمكن تلخيص المكاسب بما يلي:

(1) تسليم مقاليد الحكم في العراق الى المكون الشيعي من قبل الولايات المتحدة ابتداءا من سنة الفين وثلاثة وما بعدها، وفرض الهيمنة والسيطرة الشيعية المذهبية والسياسية على نظام الحكم، وازالة الهيمنة والسيطرة السنية السياسية على مفاصل الدولة التي امتدت جذورها الى 1921 سنة تأسيس المملكة االعراقية.

(2) سيطرة الاحزاب والمجموعات المذهبية الشيعية على كافة الاجواء السياسية العامة والمواقع الحكومية والبرلمانية والعسكرية، وفرض النهج الطائفي والمحاصصي على الاطراف المشاركة في العملية السياسية.

(3) فرض السيطرة المطلقة للمكونات الشيعية في الحكومة والبرلمان والاحزاب والمراجع الدينية على الموارد المالية والاقتصادية للدولة العراقية بجميع مصادرها ومنابعها النفطية والكمركية والانتاجية والخدمية والتسويقية، والاستحواذ على ايراداتها المالية النقدية والتي جاوزت العشرات والمئات من مليارات الدولارات، والتي قدرتحسب تصريحات بعض قيادات الشيعة باكثر من (700-900) مليار دولار.

(4) اعادة بناء القوات العسكرية والامنية العراقية وفق الاسس المذهبية والطائفية والمحاصصية بعد الغاء القوة العسكرية المحترفةللعهد البائد، وسيطرة القوى الشيعية المسلحة على الوزارات والمؤسسات العسكرية والامنية، والتحرك وفق توجهات مذهبية واجنبية، وفرض ميليشيات ومجموعات مسلحة تابعة وموالية للنظام الايراني على الساحة السياسية والعسكرية والامنية، وبموارد مالية ولوجستية ومستلزمات واسلحة مجهزة من الخزينة والمالية العراقية.

(5) فرض الطابع المذهبي الشيعي بكافة مراسيمها وطقوسها واحتفالياتها الدينية على الدولة والحكومة العراقية، واحتساب تلك المناسبات من الاولويات الرسمية بسبب السيطرة الشيعية على مقاليد الدولة، وذلك بغاية استغلالها من قبل الاطراف المذهبيةالحاكمة من خلال نهب وسرقة وفرهدة موارد واموال الدولة لجيوب القيادات السياسية والمسؤولين في الحكومة والبرلمان والجيش والاحزاب الشيعية السياسية الفاسدة.

(6) استغلال واستثمار الهيمنة الشيعية على العراق من قبل نظام الحكم الايراني، وسيطرة طهران على كافة القرارات الحكومية والبرلمانية والحزبية والعسكرية والامنية، والتدخل الشنيع وفرض الوجود والمصالح على كافة المفاصل الاقتصادية والتجارية والمالية والانتاجية والتسويقيية، واستحصال واردات مالية سنوية بملياراتالدولارات من التدخلات والنفوذ الايراني المفروض على الساحة العراقية.

امام هذه المكاسب السياسية العملاقة للمكون الشيعي العراقيبفضل الجميل الامريكي، نجد خطوات ومواقف عدائية لبعض المكونات الشيعية الميليشوية تجاه التواجد الامريكي بالعراق، وتجاه العلاقة الاستراتيجية القائمة بين العاصمتين واشنطن وبغداد، وهي بالحقيقة ناتجة بفعل التدخلات الايرانية في الشؤون العراقية، حتى وصل الامر بأغلبية نيابية شيعية الى اصدار قرار من مجلس النواب بالدعوة الى اخراج القوات الامريكية والاجنبية من العراق.

ورغم تعقيد الازمة والتوتر القائد في العراق وفي المنطقة بين امريكا وايران، الا ان المواقف العراقية السياسية الحاصلة لا تتسم بالعقلانية، وهي من باب العدل والانصاف خارجة عن الاستحقاق الادبي والانساني والوطني العراقي، وهي ناتجة بفعل تدخلات اقليمية وغير ناتجة عن مواقف متعلقة بمصلحة العراقيين، وبدون دراية بعمق الازمة فان الساسة الشيعة ادخلوا البلاد في دهاليز توتر اقليمي وهو بعيد عنها مع العلم ان الصراع القائم بين طهران وواشنطن يعود لعقود سابقة طويلة وهو ليس وليد اليوم.

ولهذا فان موقف شيعة العراق من الصراع الايراني الامريكي يجب ان ينحاز للمصلحة الوطنية اولا واخيرا، ولا يميل لجانب اي طرف في الصراع القائم في المنطقة، ومن باب العقل والحكمة يجب ان يحدد الموقف بالحياد وعدم الانحياز الى اي طرف، وذلك بغيةالحفاظ على المصالح العليا للعراقيين.

ولاشك فان موقف الحياد يلزم بغداد التمسك بعصا الأزمة القائمة من وسطها وبتوازن لتكون على بعد مسافة واحدة من الطرفين المتصارعين، وذلك لتجنب الوقوع في دهاليز لعبة الصراع المحفوفة بمخاطر كبيرة واضرار جسيمة، وهذا يقضي باتباع كافة السبل للحفاظ على مصالح العراق من كافة النواحي المرحليةوالاستراتيجية، ومن باب التمسك الوطني بالحياد والالتزام بموقف حكيم لاخراج البلاد من التوتر الخطير القائم، يلزم ما يلي:

(1) اخراج عادل عبدالمهدي من المشهد السياسي بالسرعة الممكنة، وتكليف شخصية بسوابق وطنية لتشكيل الحكومة للتعامل الحكيم مع الازمة القائمة، واخراج البلد من الصراع الاقليمي الجاري في المنطقة.

(2) مطالبة المرجعية الدينية باصدار فتوى لالغاء الميليشيات والمجموعات المسلحة، لانها بدأت تشكل مصادر تهديد حقيقية على مصير وبقاء العراق موحدا بسبب التدخلات والاختراقات الايرانية الحاصلة فيها.

(3) التزام حكومة واشنطن والمجتمع الدولي بالعمل الجاد لاخراجالدول الاقليمية من الاراضي العراقية.

(4) طرح مشروع دولي بقيادة الولايات المتحدة لاعادة اعمار العراق من جديد وازالة المشاكل الاقتصادية.

(5) اجراء انتخابات برلمانية مبكرة لتغيير الطبقة السياسية واختيار نخبة جديدة تتسم بالوطنية والنزاهة.

(6) الوقوف بمسافة واحدة مع كل من الولايات المتحدة وايران ودول الجوار من منطلق الاستقلالية والوطنية العراقية، ومع الحفاظ على المصالح المشتركة، وضمان الاستفادة من المزايا الاقتصادية والسياسية والامنية والعسكرية والمالية التي توفرها الاتفاقية الاستراتيجية بين بغداد وواشنطن.

(7) على شيعة العراق التفكير بعقلانية وحكمة عالية مع الازمة والتوتر القائم وضمان الخروج منها بسلامة، وعدم الوقوع في مآلب الصراع الايراني الاقليمي مع اغلب دول المنطقة، والتفكير الجدي بالطرف الامريكي الذي نجاهم وساعدهم ودعمهم وصنع خيراتهم ووضعهم على قمة هرم السلطة بالعراق منذ عقد ونصف من السنين، وعدم الامتثال بتاتا لنكران الجميل التاريخي الكبير للولايات المتحدة، واعادة التفكير بالعلاقات وعدم تهديمها والحفاظ عليها، وبذل الجهود لاعادتها الى مجراها الطبيعي بعيدا عن التدخلات الاقليمية القائمة، وذلك منفعة لهم ومصلحة لكافة العراقيين.

وختاما وما دعوانا من الله القدير الا الرحمة والتوفيق لكل أهل العراق وذلك لابعاد البلاد من الازمة الخطيرة القائمة، والله على ما نقول شهيد.

(*) كاتب وباحث سياسي