قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

تشتق كلمة " الانتهازية" في معناها اللغوي من مادة "نهز" التي تعني اغتنم، والانتهاز هو المبادرة، ويقال انتهز الفرصة أي اغتنمها وبادر إليها، وهي في معناها الاصطلاحي أو السياسي لا تختلف كثيرا عن المعنى اللغوي المشار إليه، فالإنسان الانتهازي هو الذي يغتنم الفرص ويستثمرها من أجل أهداف معينة تختلف باختلاف منطلقاتها. وفي قواميس اللغة فإن الشخص الانتهازي هو من يقوم باقتناص الفرص، ويستغل أي وسيلة لتحقيق المنافع الشخصية. (ويكيبيديا: الموسوعة الحرة).

والانتهازية بهذا المفهوم السلبي تتطابق ونظرية "الغاية تبرر الوسيلة" التي تبناها الفيلسوف والمفكر الإيطالي "نيكولا مكيافيلي"، وأسهب في شرحها وتأصيلها في كتابه المعنون: "الأمير"، وقد أصبحت داء عضالا يفتك بالأمم والشعوب، ووباء اجتماعيا وخيما تنهار بسببه الحضارات والمجتمعات، حيث يسبب اضطرابا للمفاهيم واختلال الموازين كإفراز طبيعي لهذه الممارسات. فالكذب دهاء، والتعفف بلاهة، والصدق سذاجة، والنصح حسد أو سوء أدب، والانضباط تعقيد، والباطل حق، والشرف تهمة، وهكذا في سلسلة من المفاهيم المقلوبة والمعايير المضطربة. في البعد الاجتماعي، الانتهازية كظاهرة تعني أن يقدم الفرد على مواقف وتصرفات اجتماعية أو فكرية أو سياسية غير مقتنع بها، بهدف الحصول على المكاسب أو الحفاظ على مصالح محددة ذات طبيعة شخصية أو عائلية.

أما الانتهازي في نظر علماء الاجتماع، هو إنسان مجرد من أي مبدأ أو عقيدة أو فكرة، ومن صفاته الغدر والخيانة للفئة أو الحزب الذي ينتمي إليه أو حتى لبني جلدته أو لأبناء شعبه، فهو يجيد لعب كافة الأدوار واقتناص كل الفرص المتاحة لتحقيق المكاسب والمنافع الشخصية حتى لو كانت غير إنسانية وغير أخلاقية. والشخص الانتهازي لا يردعه دين ولا قانون ولا أعراف اجتماعية، وسرعان ما ينقلب على ادعاءاته، ولا يمانع من الخروج عن الجماعة التي يدعي الانتماء إليها إذا تعارضت مصالحه مع مصالحهم.

وعادة ما يسعى الانتهازي إلى تحقيق أغراضه ومصالحه بوسائل لا يجيدها سواه، أولها النفاق لمن هم أعلى منه مكانة اجتماعية أو مالية أو علمية، ومحاولة الصعود على أكتاف غيره، والطعن والمؤامرات والوقيعة بين الناس. ودائما يجد الانتهازي مبرراته، خصوصا اذا كان سياسيا او كاتبا او صحفيا، في تبرير انتهازيته بالقول أن المرحلة تتطلب ذلك، وهو يقصد بذلك مصلحته الشخصية بطبيعة الحال، وليس مصلحة المجتمع.

تنمو هذه الظاهرة في جميع الأوقات والمجتمعات، ولكن في زمن التغييرات الكبرى، تكون الثورات من أفضل الأحوال لبروز ونمو الانتهازية. ففي مثل هذا الوضع تكون القيم القديمة قد بدأت تفقد بريقها سيطرتها، والجديدة لم تترسخ بعد، ما يفسح المجال أمام الانتهازية لتزدهر، إذ تستغل الفرصة للخلط بين القيم المحافظة على التراث، وبين القيم والأخلاق الشعبية المستجدة في آن واحد، للتخلص من الالتزامات والمبادئ والمثل الاجتماعية المكرَّسة بدعوى التخلص من القيم القديمة. ويساعد الانتهازية على ذلك افتقار المجتمع، في هذه المرحلة الحرجة والحساسة، إلى فكرة واضحة ومقياس سليم يفرّق بهما القيم المتخلفة الواجبة الزوال عن التراث الإيجابي الذي تجب المحافظة عليه.

تجد الانتهازيين في كل مكان ينتشرون ويتكاثرون كالفطر السام، ينتهكون القيم الاجتماعية والأخلاق الإنسانية. إنهم وباء معد قد ينتقل للآخرين بالمخالطة، حيث إن الانتهازية تفتك بالثقة الفطرية بين أفراد المجتمع، وتجعل الناس في حالة من الحذر والتشكيك الدائمين في نية الآخرين.

وإبان الانتخابات يكثر الانتهازيون، كتجار الأسواق يبحثون عن المواقع والتزكيات، ولو أدى بهم ذلك إلى دفع الأموال والتنكر لمبادئهم لكسب رضى القيادات الحزبية التي يلجؤون إليها.
في رأي علماء السياسة وعلماء الاجتماع والمختصين في العلوم الانسانية، أن الانتهازية تنمو وتتناسل وتتنقل من جيل لآخر، ومن فترة إلى فترة، في فترات ضعف الأمم والشعوب، وفي فترات الهوان، وتتوسع وتمتد في زمن الفساد والتخلف، لتصبح خطرا كارثيا يهدد الشعوب المستضعفة في أخلاقها وصحتها النفسية وسلامتها وأمنها الوطني ومستقبلها.

آخر الكلام: الشعب الذي ينتخب الفاسدين والانتهازيين والمحتالين والناهبين والخونة، لا يعتبر ضحية، بل شريكا في الجريمة. "جورج أورويل".