قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

3-6؟ أو 9-12؟ ليست هذه شفرة سرية، إنما سؤال دارج على ألسنة اللبنانيين. فهذه مواقيت انقراض الدولة وإحياء دويلات المولدات الكهربائية وبالعكس. وهذا ينسحب على جبهات عدة مفتوحة بين ما يسمى بهتانًا دولة لبنانية، وبين دويلات كثيرة، في قطاعات السلاح والنقد والعلاقات الخارجية والأجهزة الأمنية وغيرها.

في البداية، عندما اصطنع الفرنسي دولةً في هذا المكان، وتكاذب السنة والموارنة لجعله بلدًا، كان القدر بالمرصاد لمن لم يوفقه حظه في الحياة الدنيا، فولد لأبوين لبنانيين، وابتلي بالطائفية والمذهبية والتبعية أولًا، ثم بالكرامة والمقاومة والممانعة أخيرًا. إنه التاريخ اللبناني الحديث، القذر أمس ببشارة الخوري ورياض الصلح، والقذر اليوم بطبقة سياسية لا ينجو من تهم القذارة أحد منها. لا أحد.

لكن.. لا حاجة للبنانيين إلى دولة جواز سفرها أخرق لا يسفّر أحدًا إلى أي مكان، وإن كان وزراؤها يتهافتون على التهافت بلا أي رادع، وسياسيوها لا يرون في البلاد إلا جبنة يتقاسموها، ولا يرون في العباد إلا جماعات تتبعهم بالغريزة.

ولا حاجة للبنانيين إلى دولة "فخامة رئيسها" يخيّر شعبه بين الرضوخ للذل أو الهجرة، و"دولة رئيس حكومتها" لم يصدق بعد أن أسياده سيّدوه في السراي الحكومي، فلا يتركها ولو تدمّر البلد على رؤوس الناس، و"دولة رئيس مجلس نوابها" ألعبان يتحكم باللعبة السياسية بدهاء قل نظيره، فينهب ثم يحاضر بالمثالية والتشريع.

ولا حاجة للبنانين إلى دولة يقول نواب ومسؤولون من نمط الوطني والحر إنهم أرادوا الإصلاح، و"ما خلونا"، فمن يصدق أن من يمسك برئاسة الجمهورية، وبنصف الحكومة، وبأكبر كتلة نيابية، يعجز عن الإصلاح والتغيير إن أراده؟

ولا حاجة للبنانيين إلى دولة تسلبهم الحرية والحقوق والإنسانية بحجة مقاومة لم يبق لها أي معنى إلا الذي يريده الإيرانيون. فاللبنانيون يعرفون أن تجارة المقاومة رابحة ما دام نصر الله يتقن فنون الخداع، وما دام أتباعه يأبون. أما الكرامة التي يتحدث عنها نصر الله، فلا نريدها، ما دام شعبنا اليوم يأكل من القمامة؛ فقد سئمنا "ضرورات المرحلة" التي ما فعلت شيئًا إلا الإضرار بنا، منذ أيام جمال عبد الناصر إلى اليوم.

ولا حاجة للبنانيين إلى دولة لا تعرف إن كانت تريد معاداة العرب كرمى لمرشد الجمهورية حسن نصرالله، أو لعق نعالهم كي يتراجعوا عن قرارهم عدم مساعدة لبنان للخروج من أزمته الاقتصادية المميتة.

ولا حاجة للبنانيين إلى دولة تسير إلى الإفلاس بمحض إرادتها، فإن لاح في الأفق بصيص أمل، نور قنديل زيت يقدمه صندوق النقد الدولي، واجهته بأرقام اقتصادية كاذبة، وبنزوات عدوانية تتلطى وراء عزة وطنية صارت ممجوجة تحتج برفض إملاءات الصندوق، الذي تقف وراءها إسرائيل طبعًا. ومتى منّ الصندوق عليها ببعض الملاليم، تنازعتها بين وزارة المالية والمصرف المركزي، فلا هذه نالتها ولا ذاك.

ولا حاجة للبنانيين إلى دولة تبحث دائمًا عن شماعة تعلّق عليها أخطاءها، ودولة رئيس حكومتها رأى نفسه في المرآة أسدًا، وهو تابع التابعين، فأطل متأبطًا إنجازات وصلت نسبتها من الأهداف المرسومة، في 3 أشهر ونيف فقط، إلى 97 في المئة، متخطيًا ما أنجزته أعتى الحكومات الديمقراطية في الدول المتقدمة ذات الاقتصادات المتينة. وكأن العالم لم يهزأ بنا كفايةً، فلنقدم له أنفسنا على مائدة سخريته مجانًا.

ولا حاجة للبنانيين إلى دولة يتباهى وزير داخليتها بأنه قتل رجلين لبنانيين، فحماه رجل متنفّذ في العسكر، صار اليوم رئيس جمهورية لبنان "القوي". ثم يعود هذا الوزير نفسه إلى القول إنه يحمي المتظاهرين السلميين لكنه يمنع قطع الطرق... والنتيجة، أغلبية ناشطي الحراك اللبناني قيد الاعتقال، أو يتلقون العلاج بسبب الاعتداء عليهم، بينما يسرح من كسر الممتلكات العامة والخاصة وضرب الناس والجيش بالحجارة ويمرحون على دراجاتهم النارية ولا من يوقفهم. فهؤلاء من الذين يظنون أن هذا زمنهم، ومن الذين طفح كيل فائض قوة حزب الله الذي حسسهم بأن كل شيء متاح لهم في هذا البلد، فهم أحفاد الممانعة المدللين.

ولا حاجة للعرب والعالم إلى دولة لبنانية لا تعرف إلا التسوّل... مرة بحجة الحرب الأهلية، ومرة بحجة محاربة إسرائيل، ومرة بحجة مجابهة التوطين، ومرة بحجة الأزمة الاقتصادية. فالجميع يعرف أن اللبنانيين حولوا أنفسهم سلعًا سياسية لا أكثر، سلعًا ما عاد أحد يريدها؛ لا فرنسا الحنون ولا غيرها... حتى نظام دمشق الذي أتقن استعباد من جعلوا أنفسهم له عبيدًا، لا يريدهم بعدُ.

لا أحد يحتاج إلى دولة في لبنان. ونحن لا نريدها.

خذوها، وخذوا معها كل لوازمها: سياسيون ورجال دين ومحللون اقتصاديون وطائفيون وسلطويون ومقامون. لا نريدهم.