قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

"ما محبة لا بعد عداوة" هذا المثل ربما يكون واقعيا في دنيا الناس، لكنه أبعد عن الواقعية في عالم السياسة، أقول هذا بمتاسبة الغزل العفيف والصريح من جانب الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" في مصر وابداء رغبته في الحوار لاستمالة القاهرة في قضية التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط، وهذه ليست المرة الأولى التي تلمح فيها أنقرة إلى رغبتها في الحوار مع القاهرة، فقد سبق وطالب مستشار حزب العدالة والتنمية "ياسين أقطاي" بتنحية الخلافات السياسية جانبا، والتواصل بين الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي" ونظيره التركي "رجب طيب أردوغان" مشيرا إلى أن حزبه يكن كل الاحترام للجيش المصري لأنه جيش الأشقاء على حد تعبيره.

السؤال المطروح هل نصدق غزل تركيا العلني والسري ورغبتها في الحوار مع القاهرة؟. في السياسة يقولون لا صداقات دائمة ولا عدوات دائمة، لكن ما الذي تغير في تركيا، في رأيي لا شيء،سياسات اردوغان لم تتغير، لا تزال بلاده مأوى للإخوان، ولا يزال يسمح لقنواتهم ببث الأكاذيب والتحريض ضد مصر، لا يزال اردوغان يدعم التطرف ويتحالف مع قطر ويدعم الميلشيات، ويرسل المرتزقة إلى ليبيا، ويبدي انزعاجه من نية رئيس حكومة الوفاق "فايز السراج" التنحي عن منصبه نهاية أكتوبر المقبل، ولا تزال تركيا تحتل اجزاء من سوريا، وتقصف شمال العراق، وتدفع إثيوبيا إلى التعنت في ملف سد النهضة، وتتبنى سياسات تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، في المقابل لا تزال مصر تحارب الإرهاب التكفيري، وتدعم الجيش الوطني الليبي والبرلمان، وتدعو إلى حل عادل للقضية الفلسطينية، وتعمل على ايجاد حلول في سوريا والعراق وليبيا واليمن، ولا يزال السيسي يمتلك إرادة فولازية لبناء مصر الحديثة رغم كل المخاطر التي تحيط بالمنطقة.
التغير إذن في توازنات ومعادلات القوى لدى مصر وتركيا ظهر في التالي :

أولا: اردوغان ثبت ضعفه فيجاول الهروب من ضغوط الداخل بتصدير مشاكله للخارج، وظهر ضعف موقف تركيا حين وضعت له القبادة المصرية خطوطا حمر لا يجب تجاوزها في ليبيا، فضلا عن الضغوط عليه مجليا وإقليميا ودوليا،

ثانيا : في المقابل ظهرت قوة مصر محليا واقليميا ودوليا، وثبت لأردوغان أن جماعة الإخوان الذي كان يراهن عليها سقطت إلى الأبد، وليس لها مستقبل في مصر ولا في غيرها من الدول.

ثالثا : إن القيادة المصرية التي وصلت للحكم بثورة شعبية في يونيو 2013 يصعد نجمها بشكل سريع، بعد أن ابهرت العالم بسياساتها المتوازنة، وأن اداء الاقتصاد المصري جيد بشهادة مؤسسات دولية صنفت مصر بأنها قوة اقتصادية واعدة بناء على ارتفاع مدلات الناتج القومي والسيطرة على التضخم وانخفاض معدل البطالة.

ثالثا: حدثت نقلة نوعية في رفع كفاءة الجيش المصري من حيث التسليح والتدريب فصنف على أنه الجيش التاسع على مستوى العالم.لذلك ادرك اروغان وكيل الادراة الاميركية والغرب أنه بات بلا حليف في عملياته التوسعية في المنطقة، وبدأ صبر أوروبا من افعاله ينفد إلى درجة التفكير في فرض الاتحاد الاوربي عقوبات على أنقرة حتى أن الادارة الاميركية وقفت الى جانب قبرص واليونان، واجرت مناورات مشتركة وأرسلت وزير خارجيتها مايك بومبيو لدعم هذا التوجه. كما وافقت فرنسا على بيع طائرات رافال وقطع بحرية لليونان للدفاع عن نفسها اذا ارتكبت تركيا حماقة ضدها.

رابعا: أدرك اردوغان أن التعاون بين القاهرة واثينا وأنقرة مستمر لضمان أمن شرق المتوسط، وان ترسيم الحدود البحرية بين العواصم الثلاث بمثابة صفعة لتركيا ولن يكن بمقدورها الادعاء بحقوق بحرية.

لذلك لا يمكن الثقة بتصريحات اردوغان واركان حزبه ولا يمكن التحول بين عشية وضحاها من حالة عداء شامل إلى رغبة في الحوار مع مصر، يمكن الثقة في تركيا من خلال الأفعال لا الأقوال، مصر قالتها بصراحة على لسان وزير خارجيتها سامح شكري " إذا لم تكن الأحاديث والتصريحات متفقة مع السياسات على الأرض تصبح بلا أهمية". وفي الختام يجب أن نفرق بين تركيا كشعب وموقع وتاريخ، وبين أفعال أردوغان وجنونه وعقله المتأدلج، وحماقاته السياسية، فتركيا تستحق زعيم يعرف قدرها، ولا يقامر بمقدراتها.