كلنا يحتاج خططا لكل شيء… يحتاج المعيل الرئيسي لأسرة ما التأكد من أن أمور العائلة واحتياجاتها تتم تلبيتها بشكل مرض وفي الوقت المناسب. لكنه يحتاج لكافة المعطيات والأرقام لتحقيق ذلك.. الدخل الشهري لكل من يعمل في الأسرة، عدد الأفراد، وكافة احتياجاتهم، ترتيب الأولويات وغير ذلك من البيانات أو الأرقام. لن يتمكن المعيل الرئيسي من بلورة خطة تضمن العيش الكريم وتحقق احتياجات الأسرة دون الاعتماد على أرقام صحيحة.

الجميع بحاجة للأرقام.. لا يمكن لحكومة أو شركة أو مؤسسة أو حي أو عائلة أو شخص الاستغناء عن الأرقام والبيانات .. بل أكثر من ذلك البيانات والأرقام هي الأساس في كل ما يتعلق بالتخطيط الصحيح لتحقيق التنمية المستدامة وضمان عدم تخلف أي شخص عن الركب.

الأرقام تعكس واقعنا واحتياجاتنا وتطلعاتنا ومعاناتنا …. الأرقام والبيانات تمكننا من رسم الصورة الحقيقية للواقع وتمكننا من تخيل ما يمكن ان يكون عليه المستقبل إذا فهمناها وحللناها جيدا وبموضوعية وبواقعية.

الأرقام والبيانات تمكننا من رسم سياسات منطقية وواقعية قابلة للتطبيق وتلبي الحاجة وتف بالغرض.

لهذا كله يدعو صندوق الأمم المتحدة للسكان الإحصائيين والحكومات وأولئك الذين يقودون الابتكار التكنولوجي للتأكد من أن البيانات التي ننتجها دقيقة وغير متحيزة وتعكس القصص البشرية وراء كل رقم. وتشكل أساسا صحيحا يمكن الاعتماد عليه في التخطيط.

فمع إحصاءات أفضل، سيكون لدينا فهم أفضل للتحديات التي يواجهها الأفراد ومدى التقدم الذي نحققه في تحسين حياتهم وحماية حقوقهم. فقد أظهر لنا وباء كوفيد-19 أن وجود أنظمة قوية لجمع البيانات أمر بالغ الأهمية للاستعداد للطوارئ. لذا يجب تصنيف البيانات حسب الجنس والعمر والموقع الجغرافي والإعاقة وحالة الهجرة وغيرها من الخصائص لتكون ذات مغزى.

تدق الأرقام والبيانات ناقوس الخطر في زمن الأزمات وتحرك حواسنا كافة للتفكير في ما يجب عمله.. وليس من دليل أبلغ من الأرقام المتعلقة بآثار جائحة كوفيد-19 مثلا… تقول الأرقام مثلا أن 1.7 مليون وظيفة قد تلاشت في منطقة الدول العربية نحو نصفها تشغلها نساء، ومن هنا أستطيع أن أقول بكل ثقة أن كوفيد -19 يضر النساء والفتيات بشكل أكبر وعلى جميع الجبهات.

في العراق مثلا، أفادت 65٪ من نقاط تقديم الخدمات التي شملها أحد الاستبيانات عن زيادة في نوع واحد أو أكثر من أنواع العنف القائم على النوع الاجتماعي. ومن بين أولئك الذين أفادوا بتلك الزيادة، أبلغ 94٪ منهم عن الزيادة في العنف من قبل الشريك الحميم وأفراد من الأسرة. يجب أن تكون هذه الزيادة بمثابة جرس إنذار لكل شخص يعمل في مجال حقوق الإنسان. الزيادة جاءت نتيجة الأزمة الحالية ونحن نعالجها. واستجابةً لذلك، كثف صندوق الأمم المتحدة للسكان جهوده لتقديم الدعم من خلال المساحات الآمنة للنساء والفتيات وإدخال خطوط ساخنة لتقديم خدمات الدعم النفسي والمشورة اللازمة. إنه أحد الدروس التي نتعلمها من هذه التجربة غير المسبوقة، ونقوم بتوثيق العديد منها.

تخبرنا الإحصاءات أن المنطقة تضم 55.7 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية، بما في ذلك 26 مليون من النازجين قسريًا، وما يقدر بنحو 26 مليون من اللاجئين والنازحين داخليًا معرضون بشكل أكبر لخطر الإصابة بكوفيد-19 بسبب نقص خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية الكافية.

تخبرنا الإحصاءات أن البنية التحتية السيئة تساهم أيضًا في التحديات التي تواجهها بلداننا. فالبلدان النامية أقل تجهيزًا لاستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات كأداة لتقليل الإضطراب الناجم عن كوفيد-19 فعلى سبيل المثال 57% فقط من الأسر في المنطقة العربية لديها الإنترنت في المنزل مما يجعل من الصعب الاستمرار في العمل من المنزل لإدرار الدخل. في المنطقة العربية، ما يقرب من نصف النساء لا يتوفر لهن الإنترنت ولا يستطعن ​​الحصول على هاتف محمول.
البيانات سلعة عامة والوصول اليها حق أصيل لكل مواطن وتوفيرها وفقا للمعايير المعتمدة دولياً مسؤولية وواجب على كل دولة وحكومة. علاوة على ذلك، فهي أداة مفيدة لضمان الحوكمة الرشيدة وصياغة السياسات، وتخطيط التنمية، والحد من المخاطر، والاستجابة للأزمات، وبرامج الرعاية الاجتماعية، وتحليلات سوق العمل وإعلام السياسات القائمة على الأدلة والتخطيط. تعد مشاركة البيانات وتحليلها حاجة ملحة في منطقتنا التي تعاني من نسب مرتفعة من الفقر والبطالة وتضاؤل الفرص وتراجع نوعية التعليم وشح الموارد المائية والتصحر.

وتزداد الاوضاع سوءا كون منطقة الدول العربية تشهد ضراعات وأوضاع إنسانية خطيرة كاليمن وسوريا والعراق وفلسطين والصومال.
في اليوم العالمي للإحصاء، نود ان نهنئ جميع الإحصائيين في الوطن العربي الكبير وفي العالم، ونشد على أياديهم للإبداع أكثر في تسهيل حياتنا من خلال توفير أرقام دقيقة وإحصاءات موثوقة، ولكن ايضاً ندعو الى العمل المشترك مع القطاعات المختلفة والمجتمع الاكاديمي والاعلامي والمنظمات الدولية لبيان القصص الانسانية وراء كل رقم، فالحياة ورواية الاحداث ليست مجرد أرقام با هي مشاعر ومعاناة وآمال وطموحات بل ومستقبل واعد قد يجعل من أي شاب أو فتاة بطلاً عالميا منقذا للبشرية جمعاء.