تعرف الأخلاق لغة بأنها الطبع والسجية والدين، علما أن الدين هو الصورة الباطنية للإنسان، أما الأخلاق فهي الصورة الظاهرة له، ويوصف الشخص بأنه حسن الباطن والظاهر إن كان حسن الخُلق والخَلق. أما الأخلاق اصطلاحا فهي قيم راسخة في النفس، تنمّ عنها الأفعال، ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الأفعال قد تكون محمودة فيكون الخُلق حسنا، أو قد تكون مذمومة فيكون الخُلق سيئا، ومن هنا تأتي أهمية الأخلاق في بناء المجتمعات. (ويكيبيديا – الموسوعة الحرة).

إن جوهر وجود الاجتماع الإنساني يكمن في منظومة الأخلاق التي تنظم علاقات الأفراد والجماعات، فبدون الأخلاق لن يكون هناك اجتماع بين البشر، ومن ثم ليس هناك مجتمع، لأن الأخلاق هي التي تردع الإنسان عن التجاوز والاعتداء على أخيه الإنسان، وهي التي تحول دون اندفاع أنانية الإنسان وطمعه وجبروته، وتجعل الإنسان قابلا لأن يتنازل عن بعض ما يرغب ان يتملكه حفاظاً على صورته ومكانته واحترام المجتمع له، لأن فكرة المكانة الاجتماعية في حد ذاتها هي نتيجة لوجود الأخلاق.

لا نجافي الحقيقة اذا قلنا إن للأخلاق شأنا عظيما في حياة الناس، تتوقف عليها مصير شعوب ومجتمعات، ساد بعضها حينما وجدت فيه، وباد الآخر واندثر حينما غابت عنه. وهكذا ندرك مدى أهمية الأخلاق في تطوير المجتمعات او انحلالها، باعتبار ان الأخلاق هي فن التعامل بين الناس بشكل يحفظ المصلحة الخاصة ولا يجحف بالمصلحة العامة التي تتكون من خلال تنازل كل انسان (فرد / مواطن) عن بعض مصلحته الذاتية في سبيل مصلحة المجتمع ككل، حيث يعتبر هذا الفرد في النهاية جزءا منه وبالتالي يستفيد من هذه الفائدة العامة.
لا شك ان البيئة والمجتمع لهما الأثر الكبير في إيجاد المحضن الأخلاقي السوي الذي يؤثر في تشكيل وبناء شخصية الإنسان، فالبيئة الاجتماعية التي تمثل الوسط البشري حيث يولد الإنسان، ويتربى فيه طفلا، وينمو صبيا مراهقا، ثم شابا فكهلا. وهذا الحيز الاجتماعي ينطوي على منظومات فكرية واخلاقية، تهدف إلى ضبط وتنظيم العلاقات الاجتماعية المختلفة في المجالات كافة، وغالبا ما يؤثر هذا المحيط في الإنسان، بل هناك حتمية في تشكيل شخصية الإنسان وفقا لثقافة المحيط الاجتماعي الذي يولد ويترعرع فيه، فإذا كانت القيم والأخلاق والأعراف التي تسود في البيئة والمجتمع غير سوية، فبالتالي سينشأ الأفراد تنشئة سيئة، وخصوصا إذا خالط الشخص أفرادا لا يتحلون بالأخلاق الحميدة.

ومن هنا نستطيع التأكيد بأن الأخلاق هي أساس بناء أي مجتمع، حيث تقود الأخلاق الجيدة الى وجود مجتمع متماسك وخالي من الجرائم ومظاهر الفساد المختلفة، وبالتالي مجتمع قوي لا يهاب أحدا ولا يرضخ لأحد. لذلك فإن تربية الأبناء هي أمانة في أعناق الأباء وهم مسئولون أمام الله وأمام المجتمع عن حسن أخلاق أولادهم، فإذا اهتم كل أب بتربية أبنائه وبناته على أسس صحيحة نشأ لدينا مجتمع تقل فيه - الى حد كبير مظاهر - الانحراف والفساد. ولا يمكن أن يخلو أي مجتمع من مظاهر الفساد لأنه لا شيء كامل في الكون، والكمال لله وحده، بل هي نسبة وتناسب، ولكن إذا تم التعاون بين كل من الأُسرة ومؤسسات التعليم وقامت الدولة بسن القوانين اللازمة يمكن خلق إنسان سليم، يفكر أكثر من مرة قبل الإقدام على الخطأ، وبذلك نحصل على مجتمع سليم راقي في فكره ومتقدم في العلم والتحضر.

وفي هذا الإطار القيمي الرفيع، ما أحوجنا إلى التمسك ونشر وترسيخ مفاهيم وقيم الأخلاق الفاضلة بين كل فئات المجتمع، وخاصة فئتي الناشئة والشباب الذين هم عماد كل الأمم في بنائها وتقدمها الحضاري. السلوك الإنساني بطبعه المتقلب والمتغيّر لا يمكن أن يستقيم إلا بتلك الأخلاق التي تهذب النفوس والأرواح، وترتقي بالفكر والشعور الإنساني الرفيع. فبهذه الأخلاق يمكن للمجتمعات أن تستقر وتنعم وتتعايش مع بعضها البعض، في وئام ومحبة وتسامح وسلام.
المفكر الجزائري "مالك بن نبي"، لم يتناول قضية الأخلاق من الزاوية الفلسفية النظرية بل تناولها من الناحية الاجتماعية العملية، ويرى أن العناصر المادية وغير المادية لا يمكنها أن تصنع حضارة دون وجود المبدأ الأخلاقي الذي يعتبره ضرورة اجتماعية وشرطا أساسيا لأية نهضة، فالمبدأ الأخلاقي هو الذي يُكوٍن الضمير ويشكل المثل العليا، ويكيف الغرائز ويهذب المصالح وينظم شبكات العلاقات الاجتماعية والثقافية.

قال أبو الأسود الدؤلي :
لا تَنهَ عَن خُلُقٍ وَتَأتيَ مِثلَهُ * عارٌ عَلَيكَ إِذا فَعَلتَ عَظيمُ
ابدأ بِنَفسِكَ وَانَها عَن غِيّها * فَإِذا انتَهَت عَنهُ فَأَنتَ حَكيمُ
فَهُناكَ يُقبَل ما وَعَظتَ وَيُقتَدى * بِالعِلمِ مِنكَ وَيَنفَعُ التَعليمُ