قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

مشكلة شعوبنا ومجتمعاتنا، ومنها المجتمع والشعب العراقي، هوعدم تعلمها من أخطائها بل وتكرارها، والسبب هو أنها لا تعيد قراءة التأريخ إستخلاص الدروس والعبر منه، وطرح التساؤلات المتعلقة بأحداثه، والتي ستقودنا الى أجوبة يمكن أن تنفعنا لفهم الماضي، والتعامل مع الحاضر، والتخطيط للمستقبل. أحد هذه التساؤلات التي يمكن لنا أن نطرحها لإعادة قراءة تأريخنا الحديث على الأقل للتعلم منه، هو عن أحد أهم الأحداث التي شهدها عقد التسعينات، والذي لم ينل حقه من البحث والتحليل الموضوعي، ولايزال يتم تناوله والحديث عنه بعاطفة وإنفعال! وهو: ماذا لو أن حسين كامل بكل عِلاته، قد نجح بمشروعه لتغيير نظام صدام بمساعدة أمريكا والأردن وبعض قوى المعارضة العراقية، ولم يرجع برجليه الى قبره في نهاية فبراير قبل ربع قرن؟ ألم يكن بكل الأحوال أهون من النماذج التي تتحكم بمقدرات العراق اليوم!

طبعاً هذا التساؤل وإجابته ليس إستنتاجاً متأخراً، بل قناعة توصلت اليها بعد تفكير عند خروجه، أنا وصديق لا يمكنني الإفصاح عن إسمه إلا بموافقته، لأننا بعد أحداث ما يُسمى بالإنتفاضة، التي إندلعت بعد هزيمة حرب الكويت، وإنسحاب الجيش العراقي منها، وما رُفِع فيها من شعارات، وجدنا بأن خروجه وتغييره للنظام من الداخل قد يكون أسلَم وأضمَن للعراق من تغيير خارجي قد تستغله بعض القوى اﻻقليمية كما توقعنا وحدث فعلاً بعد2003. لذا لم نفرح أو نشمت بمقتله مع أخيه ووالده على يَد هَمَج غالبيتهم من فرع عائلته ضمن عشيرة صدام، يتقدمهم عمه علي حسن المجيد! الذي حَرّض على قتله منذ البداية، وقيل بأنه قال لصدام بعد عَفوه عن حسين كامل قبل عودته من الأردن: "عفوك عنه إجراء رسمي، لكنه بات عاراً على العشيرة وهي التي ستمسح عاره"، ولم يعترض صدام على ذلك، فجرى ما جرى تلك الليلة بمشاركة عدي، الذي إعترف بعدها بذلك بكل وقاحة! يومها فرِح العراقيون وشمتوا بما حدث له من منطلق غريزي عاطفي ﻻ ينُم عن وعي ولا يزالون! أما المعارضة العراقية فقد أخطأت حينها في تقديراتها، حتى بشقها الوطني الذي كانت تمثله شخصيات واعية أمثال السيد سعد صالح جبر والدكتور أياد علاوي، التي أضاعت فرصة كان يمكن أن تستغلها، بدلاً من ركنها على الرَف ومحاربتها وتصفيتها كما حصل بعد2003، ليس لظننا بأن حسين كامل سيصبح ليبرالياً بين يوم وليلة، لكن لأنه كان سيُجبَر على إتخاذ إجرائات إنفتاح سياسي ثقافي إقتصادي، تُؤدي لسَحب البساط من تحت أقدامه شيئاً فشيئاً، مع بقاء البلد في قبضة سلطة كان بإمكانها أن تحافظ على حد أدنى من شكل الدولة، عكس حالة اللا دولة والفوضى التي يعيشها العراق منذ 2003.

قيل الكثير في تخمين الأسباب التي دفعت حسين كامل للعودة الى العراق فجأة، وهو الذي سَبق وأحرَق جميع سفنه حال خروجه، بإعلانه معارضة عمه وإنتقاده له ولنظامه ودعوته لتغييره في مؤتمر صحفي، ثم لقاءه بمفتشي الأمم المتحدة وإبلاغهم بمواقع الاسلحة المحظورة التي كان يخفيها صدام، فما عدا مما بدا! وما الذي غيّر أفكاره وموازينه بين ليلة وضحاها! البعض يقول بأن ما دفعه الى ذلك هو الإحباط والإهمال الذي إستشعره من الحكومة الأردنية بعد فشله بتسويق نفسه، ليس فقط عالمياً، بل وحتى عربياً، أو عراقياً على مستوى المعارضة، كرقم صعب يمكن التعويل عليه ودعمه لإسقاط نظام صدام رغم رغبة أغلب هذه الأطراف بإسقاطه، ربما لأنها وجدت أن بقاء صدام أفضل من إستبداله بشخص نرجسي محدود الثقافة ومتعجرف حسب تقييمهم لحسين كامل، وحسب ما أشار الى ذلك السيد مشعان الجبوري الذي كان من شخصيات المعارضة القليلة التي تواصلت معه خلال فترة إقامته في الأردن، وهو ما أراه خطأً جسيماً قاتلاً وقعت فيه هذه الأطراف، التي أظن أنها قد غيّرت رأيها بعد أن رأت ما حدث لها بعد2003. ومن المفارقات هي أن التيار الإسلامي ممثلاً بالمجلس الأعلى لم يقبل ولم يرفض حينها مبادرة الملك الحسين التي كان حسين كامل دعامتها، كما فعلت القوى القومية واليسارية التي كان رفضها لمبادرة تغيير النظام العراقي بوجود حسين كامل قاطعاً!

لكن هنالك قصة أخرى جديرة بالإهتمام، رواها لي أحد الأصدقاء الذي كانت لديه حينها مصادره الموثوقة، مفادها أن عودة حسين كامل كانت جزئاً من خطته لتغيير النظام، بعد أن قام بالتنسيق مع بعض الضباط الذين يثق بهم في الجيش والحرس الجمهوري يوم كان مسؤولاً عنهما. ورغم علمه أن عفو صدام عنه كان شكلياً وأنه مقتول لا محال، سواء بشكل رسمي أو عشائري، إلا أنه ونحن جميعاً لم نكن نتوقع أن يتم قتله بهذه السرعة والطريقة، بل توقعنا أن تتم تصفيته على الأقل بطريقة صورية، كأن يحال الى محكمة عسكرية بتهمة الخيانة مثلاً، كونه أفشى أسرار الدولة، لكننا جميعاً ومعنا حسين كامل نسينا أن صدام مجنون لا يُقيم حساباً لأحد حين يقرر فعل شيء، ولا تهمه الصورة التي سيظهر بها وكيف! لذا في نفس اللحظة التي هجم فيها أقارب حسين كامل، يتقدمهم عمه علي حسن المجيد، على منزل أخته الذي نقل إليه وبقي فيه تحت الإقامة الجبرية بنائاً على طلبه فور عبوره الحدود عائداً من الأردن، وفصله وأخيه عن زوجاتهم وأبنائهم، قامت أجهزة صدام الأمنية بمداهمة بيوت أغلب الضباط الذين إشتبهت بولائهم له. لذا أُسقِط في يده وبات كفأر في مصيدة يعلم أن ساعته حلت، ولم يكن أمامه وأمام أخيه صدام، الذي كان يخشى هذه النهاية، وحَذّرَه منها مراراً حينما كانوا في الاردن، سوى أن يَستقتِلوا في الدفاع عن أنفسهم وعن مَن كانوا معهم في الدار، خصوصاً وأنه كان لديهم عتاد يكفيهم لساعات، وهو ما يؤكد فرضية العودة بنية تغيير نظام الحكم. كما قيل بأنهما لم يكونا سهلين أبداً، وقد قاتلا القوة المهاجمة بشجاعة تُحسب لهما وقتلوا العشرات منهم، حيث كان صدام كامل الذي عرف عنه بأنه قناص ماهر يقتنصهم من سطح المنزل واحداً واحداً، مما إضطرهم في النهاية الى ضربه بقذيفة آر بي جي لقتله، أما حسين كامل فقيل بأنه كان يقاتل من الطابق الأرضي، وظل يقاومهم حتى غافلوه وإنقضوا عليه وقتلوه، ثم قام علي حسين المجيد بسحله الى الشارع ووضع حذاءه على جثته قائلاً "هذه نهاية الخائن". وأنا هنا لا أقيم أحد، بل أنقل ما سمعته من هذا الصديق، ومن معارف يسكنون في نفس المنطقة وتناقلوا أخبار ما حدث عبر الجيران.

الجدير بالذكر هو أن صدام قد شكك خلال محاكمته في تقرير مرفوع من حسين كامل بخصوص أخيه برزان التكريتي يحمله فيه مسؤولية موت سجناء ومعتقلين بالقول: "ممكن أن يكون هذا التقرير كيدي من قبل حسين كامل ضد برزان"، وصدام هنا لَمّح الى كون حسين كامل قد قام بذلك لأنه كان يعلم بأن برزان عارض تزويج صدام لإبنتيه له ولاخيه. لذا لنا أن نتخيل موقف صدام رغم جبروته أمام أخوته، بعد كل ما فعله لحسين كامل وأغدقه عليه من العطايا والصلاحيات، عند سماعه وسماعهم لخبر هروبه وأخيه مع زوجاتهم الى الأردن، وخروجه بعد أيام على التلفاز، معلناً مشروعه السياسي لتغيير النظام العراقي لأنه دكتاتوري! لذا لا غرابة بما أشيع عن قول صدام:"أن خروج حسين كامل وقتله كسر ظهري".

حسين كامل لم يكن ملاكاً، لكنه لم يكن أكثر وحشية مِن حكام اليوم أو مِن عمه. لذا أتعجب على تناقض بعض العراقيين، وهم ليسوا قلة! الذين يهيمون عشقاً بعَمّه ويكرهونه هو ويتهمونه بخيانته! فهو من نفس بيئته المريضة وخريج مدرسته التي تعلم منها الكثير من الدروس وأولها الغدر والخيانة. حسين كامل على الأقل كان وفياً لعمه حتى لحظة خروجه، الذي كانت له أسبابه الموضوعية، فهو لم ينقلب على ابراهام لنكولن أو غاندي، بل على حاكم مجنون إستلم بلاده لحماً ورماها عظماً برعونته ومغامراته العبثية. كان أول مَن غدر بأقرب الناس إليه من أبناء مدينته ورفاقه، الذين مَدّوا له يد المساعدة وإنتشلوه مِن البؤس وإحتضنوه في حزبهم الذي حوله الى حزب عائلة، فقام بتصفيتهم واحداً تلو الآخر. وفَعل نفس الشيء مع حلفاءه من القوى السياسية العراقية والدول العربية، كالشيوعيين الذين دخل معهم بجبهة وطنية وإنخدعوا به لدرجة وصفه بكاسترو العراق ثم قام بتصفيتهم، والأحزاب الكردية التي وَقّع معها إتفاقية آذار ثم إنقلب عليهم، والكويتيون الذين تعَشّى مع أميرهم نهاراً ثم غزاهم وإنتهك حرماتهم والغى بلدهم من الخريطة ليلاً، والقائمة تطول عَن قصص غدر صدام بالآخرين! كل هذا لكَي يخلوا الجو له ولعائلته ولمَن يدينون له بالوﻻء المطلق. لذا فحسين كامل ليس مِن خريجي مدرسة نوري السعيد لنتوقع منه التعامل برُقي وإخلاص فاضل الجمالي، لكنه بكل الأحوال أفضل بكثير من أمثال نوري المالكي الذي حَكم العراق لثمان سنوات، فأوصله الى أسفل سافلين وأحدث فيه خراباً ما كان حسين كامل ليُحدِث رُبعَه لو تسَنّى له حكم العراق لضُعف مدته مثلاً! وهذا التناقض هو دليل على أن العراقي مُتطرف بمشاعره وقراراته، فهو لا يزال يَصِف حسين كامل بالخائن لأنه إنقلب على صدام، الذي هو نفسه أسماه بشهيد الغضب! يعني حالهم حال علي حسن المجيد!

من جهة أخرى يتعجب البعض من تفكير حسين كامل في أن يحل محل عمه، وكأن صدام خريج أكسفورد، وحسين كامل خريج سوق مريدي! فالظروف التي جعلت شقاوة كصدام حاكم العراق الأوحد لأكثر من ثلاثة عقود، كان يمكن أن تجعل من حسين كامل بديلاً له، متناسين بأنه كان أكثر أقاربه شبهاً به شخصاً، وليس شكلاً كسَمِّيه صدام أخ حسين الأصغر، لذلك كان صاحب حظوة لديه وخَصّه بما لم يخص به أبناءه وأخوته من مناصب مهمة وحساسة، وزَوّجه وأخيه إبنتيه. بالإضافة الى أن تبَنّي الملك حسين للموضوع وإحتضانه لحسين كامل ودعمه له في البداية لم يكن إعتباطياً، فهو من رواد السياسة وكان يعرف ماذا يفعل. حسين كامل مثل صدام ومن نفس طينه، لكن ليس بذكاءه وكاريزماه بكل تأكيد، وإلا فالبيئة هي نفس البيئة، والغطرسة والبدائية في التفكير هي نفسها، لهذا لم يكن مستحيلاً أن يصبح بديلاً لصدام، ولو مؤقتاً ولفترة إنتقالية، ولو كان قد تحَلّى ببعض الذكاء وإشتغل على نفسه أولاً، وعَرف كيف يُسَوِّقها للمجتمع الدولي وبعض أطراف المعارضة العراقية، بدل عنطزته الفارغة التي جعلته منبوذاً من قبلهم لما إنتهى الى هذه النهاية. نفس الخطأ وقعت فيه زوجته حينما أرادت أن تُسَوِّق نفسها عبر مقابلة تلفزيونية مع قناة العربية بعد ربع قرن على ما حدث له، و15 عاماً على إعدام والدها، فقد تحدثت بنفس العنطزة الفارغة، وكانت أجوبتها على أسئلة المُحاوِر تدل على أنها ما تزال تعيش الوَهم، ولم تتوقف لتراجع ما حدث لزوجها وأبيها وأخوتها وأغلب عائلتها وتتعلم من تجاربه وأخطاءه، وهي وزوجها لم يكونوا في هذا إستثنائاً عن أغلب العراقيين.

[email protected]