بيروت.. تقتل- كلّ يوم واحداً منّا..
وتبحث كلّ يوم عن ضحية
نزار قبّاني- قصيدة بلقيس
عصام سحمراني: يا ربّ خذنا إليك ولا تدعهم يأخذونا هم. يا ربّ ارحمنا فهم لن يرحموا واحداً منّا. كلّ نهار يسقط لدينا تاريخ كامل مع سقوط كلّ شهيد.إسلخنا من هذا الوطن الذي يقف صامتاً أمام من يقتلونه ألف مرّة كلّ يوم. يقتلونه في تظاهراتهم وانتخاباتهم وتحالفاتهم وموالاتهم ومعارضتهم ومجالسهم ومناصبهم ولقاءاتهم وندواتهم وأحزابهم وتياراتهم وسياساتهم ووسائل إعلامهم وتفكيرهم وأفكارهم وطائفيتهم وعلمانيتهم وإيمانهم وكفرهم.
يا ربّ اكتفينا ولم يكتف وطننا منهم بعد. ارحمه لأنّه لا يدري ماذا يريد. ارحمه من كلّ ما يصبغونه به من ألوان تتغيّر على مدار السنين والأيّام. حتّى باتت الألوان تلك لعنة بعدما كانت نعمة من نعم الديموقراطية. يا ربّ ارحمنا من نورك واسلخ عنّا كلّ هذه الألوان. عتّم نهارنا أكثر ممّا تعتّم ليلنا. إجعل أيّامنا سوداء فالأسود اجتاح دماءنا وتفكيرنا فلم نعد نحزن على أحد من الشهداء قبل أن نسأل إلى من ينتمي؟ ومن كان يساند؟ نقتل الشهيد ألف مرّة بعد موته بكلامنا السامّ وحقدنا الدفين. نتناسى كلّ التاريخ. حتماً نتناسى التاريخ ولا نذكر منه سوى شياطيننا الآدمية التي لطالما تباهت بالقتل والتعذيب والإغتصاب والتشريد. إجعل نهاراتنا سوداء كي لا يظهر الأسود الكاذب الذي نلبسه وندّعي أنّه حزناً على الشهداء. سوّد أيّامنا.
يا ربّ أرجعنا بالزمن ثلاثين عاماً إلى الوراء. أرجعنا إلى تباشير الحرب الأولى فنحن لم نكتف. المعاصرون لها قد اشتاقوا وحنّوا لرائحة البارود والخوف والدماء الطازجة والموت. وجيلنا الحالي ندم أشدّ الندم على تفويت فرصتها عليه. ردّنا يا ربّ إلى ذلك التاريخ ونعدك أنّنا سنكون في الإجرام أرباباً أقدر من السابقين. فهل أفضل خبرة ممّن جمع الإبداعين العامّ والخاص!!؟ ردّنا وسوف لن نبقي أيّ آخر ينازعنا البقاء في عزلتنا الخاصة. ردّنا وسنثبت لكلّ العالم أن لا قوى خارجية تسيّرنا فنحن لا حاجة لنا بها. الإجرام في دمنا يتغلغل حتى خلايا العظام. لا شهيد لدينا فنحن لا مبادئ لنا ولا أخلاق. ندّعي كلّ ذلك ونصاب بإنفصام شخصية يجعلنا نصدّق ما كذبنا على أنفسنا مراراً بخصوصه.
يا ربّ! إبتكر طريقة لعقابنا ولا تمهلنا فنحن لا نشعر بالذنب بتاتاً مهما كان عدد من قتلنا من الأبرياء ومهما كانت طرق إجرامنا. لا تمهلنا فتعفو عنّا لأنّنا لا نستحق الرحمة كما لم نستحق أن يكون بيننا شهداء؛ أمواتاً كانوا أم أحياء. كلّ فريق منّا حزن على شهيده الخاص ولم يحصل بعد أيّ إجماع على شهيد سوى ما صبّ منه في خانة الإستغلال وحفظ الرؤوس. كلّ منّا لديه لائحة بأسماء من يخصّه من الشهداء ولا يملك أيّ منّا لائحة بأسماء كلّ الشهداء.
يا ربّ اعزل الشهداء عنّا وعن حياتنا. أبعدهم يا ربّ عن الموت الذي في وادينا السحيق، فكلّنا قتلة وقتلى في سبيل ساديتنا وأنانيتنا وجهلنا. كلّنا للوطن.. لكن على قياس كلّ منّا.




التعليقات