GMT 7:30 2009 الأربعاء 30 سبتمبر GMT 16:04 2009 الأربعاء 30 سبتمبر  :آخر تحديث

باحثة إسرائيلية تعرض صورًا من الأرشيف العسكري الإسرائيلي

غادة أسعد

غادة أسعد من الناصرة: د. رونة سيلع من أوائل الباحثين والموثقين للصور التي تتناول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي قبل وبعد العام 1948، هي يسارية في أفكارها، وترى أنّ عملها هو جزء من نضالٍ يسعى إلى نشر الثقافة البصرية والتوثيقية، ويُطلِع "الآخر الإسرائيلي" على الفلسطيني الذي عاش حياة "آمنة" قبل الاحتلال. المعرض، عملٌ إنساني من الدرجة الأولى، يتخلله الكثير من المفاجآت البصرية التي لم يشهدها من قبل، فلسطينيون واسرائيليون، صورٌ تروي تاريخًا كاملاً لحياة الفلسطينيين قبل النكبة، والأهم كما تقول د. سيلع "خلف هذه الصور، حقائق مختبئة".

  د. سيلع، (45 عامًا)، أمينة معارض وباحثة مختصة في الوثائق النظرية والبصرية المتعلقة بتاريخ الصراع الفلسطيني الاسرائيلي قبل وبعد العام 1948. وهي المبادرة والمؤسسة للمكتبة الأولى للصور المحلية في بيت "افي حاي" في القدس. وهي أيضًا محاضرة في جامعة تل أبيب، والمبادرة والناشطة في جمعية المركز للبحث والحفاظ على الصور المحلية. حاضرت سابقًا في أكاديمية بتسلئيل للفنون في القدس وفي كلية هداسا. وكانت الموثقة الاولى في متحف بلدية حيفا الإسرائيلي، وهي موثقة صور في متحف تل أبيب للفنون وفي معارض اخرى مختلفة. كما نشرت العديد من الكتب البحثية والتصويرية والمقالات في كثير من الصحف العبرية.

إلتقتها "إيلاف" في الأسبوع الثاني من معرضها "لاطّلاع الجمهور"، قبل اغلاقه في التاسع من اكتوبر القريب، وتناولت د. سيلع أسباب إقامة المعرض وأهمية اقامته في قلب تل أبيب، اليكم الحوار كاملاً...

  *حدثينا عن البحث، المعرض، والكتاب الذي اصدرته مؤخرًا؟!
أجريت بحثًا استمر ثلاث سنوات استعنتُ من خلاله بأرشيف الجيش الصهيوني، تطرقت من خلاله الى امرين: الأول: طرق الجمع والحفاظ على المعلومات الفوتوغرافية للفلسطينيين عبر الدائرة العسكرية في اسرائيل منذ سنوات العشرين، والثاني: صور فوتوغرافية نظرية لم يطلّع عليها الجمهور العام.
ويحفظ الارشيف صورًا جمعتها عناصر عسكرية وسياسية ووحدات الجيش الاسرائيلي المختلفة بالاستناد إلى مصورين يهود وبعض المصادر غير المكشوف عنها، والصور تفيد الجيش في معلومات خاصة وبحثية تتعلق بالفلسطينيين. ومن البديهي أنّ عملية الأرشيف تمتّ بالقوة في الكثير من الحالات، عن طريق (سلب المواد، نسخ مواد من أرشيفات لآخرين، جمع معلومات بطرق سرية وغير ذلك)، وتشدد الإدارة في الأرشيف العسكري على منع الجمهور من الإطلاع ومراقبة المواد التي بالمكان مشاهدتها. البحث يوثق الطرق التي استعملت في جمع المعلومات والحفاظ عليها وفي الحرص على عدم نشر المعلومات امام الرأي العام.

*ماذا ينقل المعرض للزائرين؟!
ينقل المعرض وثائق وحقائق تسبق العام 1948، وعلى عكس الأرشيف الفلسطيني الذي يفتقر لأجزاء كاملة من التوثيق النظري، يحاول هذا المعرض استكمال معلومات ناقصة وإضافة معلومات جديدة احتفظ بها الارشيف الصهيوني. الصور تناقلها إما محترفون أو هواة أو مؤرخون للتاريخ البصري، وهي تعكس الحياة الفلسطينية بين العشرينيات والخمسينيات من القرن الحالي.
ولقد قسمتُ الصور وفق المصورين والمراحل على النحو التالي:
1-فلسطين إبان الحرب العالمية الاولى- مصورون اميركيون.
2-التنظيمات القومية والثورات الشعبية في فلسطين- مصورون مختلفون.
3-القوات الفلسطينية المعارضة- مصورون مختلفون.
4- صور لجمع معلومات في المناطق الفلسطينية قبل 1948- مصورون يهود.
5- الجيش، القرى والسكان الفلسطينيين بعد 1948- تصوير القوات العسكرية الاسرائيلية.
6- جمع معلومات استخبارية عن اشخاص معينين قبل وبعد العام 1948- مصورون مختلفون.

  *كيف ظهر انطباع الجمهور الذي شارك في الافتتاح والاستماع الى محاضرة حول المعرض؟!
تحدثتُ أمام الجمهور عن المشروع، المعرض والكتاب، وحاولتُ من خلال الشرح عرض اسلوب المؤسسة العسكرية الاسرائيلية في جمع المعلومات عن الفلسطينيين، وأيُ الصور تمّ التركيز عليها، ولماذا لا يُسمج للجمهور العام الإطلاع عليها. كما حاولت كشف الواقع الفلسطيني الذي يحاول السياسيون والعسكريون على حدٍ سواء اخفاؤه لتضليل الفلسطينيين ومنعهم من معرفة الآخر.

*كيفَ جرى الاتصال بينك وبين إدارة الجيش الاسرائيلي؟
*لم يكن من السهل التفاوض مع الإدارة استعنتُ بمحامٍ ومستشار قضائي وتناقلنا الرسائل، استغرقت المفاوضات وقتًا طويلاً جدًا، ولم يكن بالإمكان التحدث معهم فهم يسيرون وفق قواعد وقوانين صارمة.
وقد تلقيتُ لاحقًا رسالة يمنعني الجيش بموجبها من عرضها أمام الجمهور العام، ولأنني أساسًا اهدف عبر بحثي لكشف هذه الصور والمعلومات امام الجمهور فإنني اسميتُ المعرض والكتاب "لإطلاع الجمهور".

*ماذا كشف البحث أيضًا؟
لم يكشف، بل أكدّ على حياة ثقافية غنية قبل العام 1948، حياة فعالة وحيوية، لكن يفتقد الفلسطينيون للكثير من الوثائق والصور التي تؤكد على ما جرى، وهي مهمة للطرفين الاسرائيلي والفلسطيني على حدٍ سواء، هناك حقائق مرتبطة بالكثير من العائلات الفلسطينية التي ضاع جزءٌ من تاريخها، وهناك حقائق اخفاها الجيش الاسرائيلي وصور اودعت في الارشيف العسكري، فكان علي ان اخوض نضالاً صعبًا لإخراج بعض هذه المواد، ولم يكن بامكاني الاطلاع على كل شيء، اعرض اليوم ما سمح لي بنقله، مواد لا تشكل خطرًا، أو مواد قد تشكل خطرًا، لذا لم يسمح لي باطلاع المواطنين عليها.

  *هل هي بيروقراطية في إدارة الجيش، أم هي خوفٌ أمني؟
لستُ ادري، واستغرب ما الخطر الذي يمكن ان تشكله هذه الصور؟! ان قانون الارشيفات يفرض ان يمر نحو 50 عامًا حتى يمكن للمواطن العادي رؤيتها، وتفتح تدريجيًا، فالمسألة تأخذ سنوات حتى يكشف عن بعضها، هناك صور فتحت فقط في العام 2001-2002، قبلها كانت مغلقة تمامًا، وكلما مرّ الوقت كشف عن مزيد من الصور.
وأنا أصلاً لا افهم ما سرّ هذا التشديد ولا أفهم ادعاء الخطر على أمن الدولة، لكنني أخشى أنّ هناك حقائق مخفية ومستترة تكشف واقعًا شديد الحساسية.
وأستغرب أكثر انّ جزءًا من الصور تتناول التاريخ الفلسطيني والتربية والثقافة الفلسطينية، هناك دبكات فلسطينية، قرى عربية، وصور قاسية تطال عملية التهجير.

*إلى ما تتطلعين بعد هذا البحث؟!
أعتقد أنني قدمت موادًا تؤكد أن هناك يهودًا وعربًا عاشوا قبل النكبة، ومن حق الجانب الاسرائيلي أن يطلّع على صور مُنع من مشاهدتها، ومعرفة حقيقة لم يسمع عنها من قبل!! واتوقع أن أغيّر شيئًا في وجهة النظر الاسرائيلية التي لا تعرف شيئًا عن الآخر.
وأتمنى أن يكون بامكاني أن افتح أعين الجميع الى ما جرى قبل النكبة، وكما دخلت المجتمع الاسرائيلي أردت ان اعيد الارشيف للفلسطينيين، كي يكون بالامكان العيش المشترك عبر معرفة متبادلة بين الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني. وأمام واقع الفلسطيني الذي يقرأ تاريخنا وتاريخه، يقف الاسرائيلي اليوم مبحرًا في تاريخه جاهلاً للتاريخ الفلسطيني، وهذا ما أتطلع لتغييره، أن يقرأ الاسرائيلي تاريخ الشعب الفلسطيني، لكنني اشك في امكانية حدوث ذلك على الاقل في السنوات القريبة المقبلة. لكن يبقى حلمي الأبدي بدخول هذه الصور الى الكتب المدرسية وعندها فقط أعرف أنّ نضالي لم يذهب سدىً.
وأتمنى أن تتصل بي جهات فلسطينية وعالمية لنقل الصور الى العالمين العربي والأجنبي.

  *كثيرون شاركوا في المعرض فكيف خرجت الآراء؟!
زيارة الكثيرون للمعرض أمرٌ يثلج الصدر، وكثيرون أثنوا على مشروعي واعتبروه مادة قيّمة، لكن قلائل لاموني واعتبروا "أنّ بعض الصور تكشف فلسطينيين يكرهون اليهود ولديهم استعداد لقتلهم"، وأغلب الظن ان المعارضين في العادة لا يأتون لمثل هذه المعارض لأنهم يقرأون الهدف من عنوان المعرض.
لكنني سعيدة بمن حضروا، صغارًا وكبارًا، وهناك جنود لمستُ لديهم اهتمامًا بمعرفة الآخر، ومن هنا تبدأ عملية الفهم والاصغاء والإنصات للآخر (الفلسطيني).

*وهل استعنتِ بإسرائيليين أم بفلسطينيين؟!
معظم الأشخاص الذين تعاونت معهم هم من الجانب الاسرائيلي، لكن استعنت بباحثين فلسطينيين للتأكد من الوقائع التاريخية التي تناولتها الصور والمواد الموثّقة.

* هل يكشف البحث مزيدًا من معاناة الفلسطينيين؟!
بالتأكيد. وزادني ايمانًا بضرورة نقل وجهة النظر الفلسطينية، هناك صور مؤلمة تنقل معاناة شعبٍ لم يسمع بها الاسرائيليون، وإذا ما سمعوا لها فسيكون بالامكان العيش بطريقة مختلفة، طريقة تنمّ عن احترام وعن تحمل المسؤولية التاريخية التي سببتها النكبة للفلسطينيين. وقد سعيتُ أثناء عملي في متحف حيفا إلى نشر قصص مؤثرة لفلسطينيين من حيفا عاشوا النكبة عام 1948، لكنّ بلدية حيفا اوقفت عملي خوفًا من كشف الحقيقة.

*ماذا تفعلين اليوم؟!
أعمل في مشاريع خاصة، بوظيفة حرة (فري لانسر)، وأنا سعيدة لأنني أخيرًا حصلت على الحرية التي تستحق ثمنًا باهظًا، النضال في المؤسسات الرسمية صعبًا، لكن الحرية تبقى هي الأغلى، ولن أكون بعد اليوم "الولد الشاطر"، بل أنا من يحدد إرادتي ورغباتي حتى لو تطلب الامر نضالاً مستمرًا.


في ثقافات