1
عرفات كما هو
ثوري مسالم فلسطيني وطني قومي عربي يساري إسلامي كان هنا، ككل الناس، ثم رحل.. ولد وترعرع في أتون حرب الهوية، وقضى وهو يضع آخر اللمسات السياسية المتاحة غير المتاحة لتدقيق وتسمية عناصر تلك الهوية؛ من أجل أن تضع حرب الحقد الدموي والكراهية العرقية والدينية أوزارها.. غير أن العنصرية الشرسة، حين تسود، تكون لها دائما ـ لكن إلى حين ـ الكلمة العليا والرأي القاصم!
هو ياسر عرفات ذو الكوفية المنقطة؛ وهي فلسطين ذات القضية المعلقة إلى أجل لا تريد أن تسميه إسرائيل ولا الولايات المتحدة الأمريكية؛ ليظل حلها، بما هي مأساة الانسانية على مدى عقود، حلم طفل وقصيدة شاعر!
منذ بدأ الجرح الفلسطيني ينزف دما متدفقا "لذيذا"، بات من الصعب أن يفهمه المتوحشون؛ لذلك واجهوه بالمزيد من السفك والفتك والامتصاص؛ لا لأنه الدم الفلسطيني؛ بل لأنه القومية الأخرى والدين الآخر.. ! وكم كانت مهزلة هي الإبادة العرقية التي ارتكيتها وترتكبها الصهيونية أمام أنظار الحضارة في عالمي القرن العشرين والواحد العشرين!
من هنا، لابد للذي يستشعر الظلم أن يثور ويقاوم. لا مندوحة من إصرار ذوي الحق في الحياة على الحياة؛ وإن من خلال الموت!
ثم صار الفلسطينيون جميعا، والقائد الفذ في مقدمتهم، مهندسين ومنفذين، بصورة أو بأخرى،لانتفاضة حجرية أسطورية شعبية موعودة، ولثورة فلسطينية مشهورة مشهودة، أبت القوى السياسية الدولية الحاكمة والضمير الأخلاقي العالمي معا ـ كل بنسبته المستحقة ـ إلا أن تبقى مشلولة، ومغلولة مغدورة: أمة من غير أرض وشعبا من غير دولة، ورئيسا لسلطة من غير صولة. ألم يعلن أبو عمار منذ سنوات "رئيسا" لكنه ولى قبل أن يتولى؟!
لم يُجده في شيء أن دعا إلى "سلام الشجعان"! لم تُجد تلك الدعوة هذا الاستثنائي الذي تحول من متمرد متفرد عبر الفصول، إلى سياسي استراتيجي براغماتي محنك؛ لأن الظرف الدولي رديء، ولأن "الجبناء" الأغبياء باتوا أقوياء فظلوا بالمرصاد! لم يستطع القائد وشعبه بلوغ السلام المنشود فغدت كل الحلول وكل الأشياء وكل القضايا في فلسطين مؤقتة، وصارت كل الأناشيد والأعياد والمشاعر والأفكار هناك مؤجلة، هل تؤجل الحياة ؟!
لا، بالتأكيد؛ لذلك لا تملك البراءة الفلسطينية إلا أن تقول بالدمع سحقا للصهيونية، ثم بالدم سحقا للصهيونية! أما ما عداها من كل المواقف والمبادرات عبر العالم؛ فليس يسعها إلا الخجل! وهل تملك ثقافة ما تزال تحتفظ بجائزة نوبل للسلام للقاتل والمقتول على حد سواء إلى اليوم إلا أن تخجل وتصمت؟!
2 ـ
عرفات عربيا مغربيا
لحظة رحيل رئيس السلطة الفلسطينية حزن العالم الانساني حزنا حقيقيا؛ فتفطرت القلوب المكلومة من الأعماق ألما لفقده كانسان، وخوفا على شعبه من غطرسة شارون وبوش؛ بينما حزن العالم السياسي حزنا رمزيا ذا بعد عاطفي تضامني في الغالب؛ من مؤشراته المشاركات الحكومية في تشييع الجنازة لبضع دقائق، ونكس الأعلام فوق مباني الإدارات، إلى جانب حظر كل مظاهر الفرح الرسمية في بعض البلدان لأيام؛ هي فترة الحداد المعلنة حسب كل دولة.. لكن الحزن الرسمي بلغ أقصاه لدى الدول "المعروفة" التي تربطها بفلسطين أواصر القربى القومية حقا أو بالباطل، وعلاقات انتماء ديني معين مع أن للفلسطينيين ديانات متعددة!
ثم تفاوتت التعبيرات عن الأسى "السياسي" عند هذه الدول؛ لتأخذ أبعادا أقرب إلى"الاجتماعي"؛ فاقتصرت تلك التعبيرات لدى دول كمصر على حظر بث برامج التسلية والمتعة في التلفزيون الحكومي الرسمي (ليست ضمنها المسلسلات الترفيهية "!") بينما امتدت في دول أخرى كالمغرب؛ لتطال حتى برامج القنوات "الخاصة"؛ مثلما هو شأن القناة الثانية!
لا نستطيع أن نصف تلك التعبيرات إلا بأنها حزن حكومي حقيقي؛ غايته، من الناحية السياسية، تجديد التضامن والتأييد لمنظمة التحرير وللسلطة الفلسطينيتين؛ في سياق دعم البحث عن الحل العادل الذي يرضي الطرفين، كما كان، في الوقت نفسه، حزنا ضروريا من الناحية "الاجتماعية" لأجل تعبير الدولة، نيابة عن عواطف المواطنين جميعا، عن المواساة الانسانية لشعب عانى ويعاني.. وهي إجراءات بدت كافية في نظر كل الدول والشعوب، سياسيا واجتماعيا، لإبداء العزاء وإعلان التضامن؛ إلا أنها في نظر نخبة "عربية" في بلد غير عربي اسمه المغرب، لم تكن كذلك!
في بلادنا؛ ثمة أشخاص وحساسيات سياسية وثقافية وصحافية؛ مغربية موطنا ومشرقية تفكيرا، تعتبر القضية الفلسطينية لأسباب عرقية قضية وطنية، فلم يشف غليلها موقف الدولة الرسمي سياسيا و"اجتماعيا".. لذلك بادرت، على الفور، فرادى وجماعات إلى تقديم العزاء للسفارة الفلسطينية بالرباط، كما طفقت تعبر بوسائل مختلفة عن شعارات حزبية وتنظيمية ضيقة، وعن نعرات توسعية متخلفة، لا تضيف شيئا للفلسطينيين وقضيتهم غير لوك الخطاب القوموي المألوف منذ عقود!
إنه الخطاب الذي يجلي المواقف السياسية غير النبيلة من قضية نبيلة؛ المواقف التي تستهدف تحويل قضية انسانية غير وطنية؛ إلى قضية غير انسانية ووطنية! بما هو تسعى إلى تعريب القضية الفلسطينة بالمغرب؛ حتى يتسنى العدوان باسمها وباسم القومية العربية والوحدة العربية المرتبطتين بها على المطالب الأمازيغية الشرعية والعادلة.
هكذا كانت كل الخطابات المنتجة صحافيا، على هامش رحيل عرفات، خطابات غير بريئة؛ باعتبارها تغذي التوجه العدواني ذاته؛ فحين خيمت ظلال الحزن على الانسانية جمعاء؛ بعد وفاة الرئيس الفلسطيني؛ انتهز "عرب" المغرب الفرصة مجددا، كعادتهم كلما حلت محنة بـ"عرب" المشرق، ليستثمروا آلام "إخوانهم" هنا بقصد إعادة إنتاج الشعارات الدموية والعنصرية المألوفة!
لقد أسقطت، بالمناسبة، معظم الجرائد الحزبية "اليسارية" و"اليمينية"، والجرائد والمجلات المستقلة الملونة المكتوبة بالعربية والفرنسية ألوانها، واتشحت بالسواد! بعضها ضمنت صفحاتها، من الأولى إلى الأخيرة، وبضخامة غير عادية، صور الزعيم الراحل، إلى جانب افتتاحيات متكررة؛ خصصت لتحليل الشأن الفلسطيني حاضرا واستقبالا، كما حجزت ملفات باللغتين، وعلى مدى أسبوعين، لحدث موت الزعيم! دون أن يغيب عن القارئ النقدي أن محور هذه الكتابات الضمني والحقيقي ـ كما سبقت الإشارة ـ ليس فلسطين ومستقبلها؛ بل المزيد من شرقنة الأفكار والمزيد من تعريب العواطف..
يمكن ملاحظة أنه، في سياق معظم المقالات والملفات حيث يبدو التأبين عاديا، أو التحليل "الموضوعي" طاغيا، يصطدم القارئ لا محالة بكرم الأيديولوجيا وبمكر معتنقيها؛ إن لم يكن بالمعنى المباشر فبالإيحاء الذي تختلف ألوانه ومستوياته؛ لتتعدد آثاره الفكرية وتأثيراته النفسية: ثمة الشحن والتقرير في لغة الخطاب، والتقييم والتوجيه في الترتيب الصحفي للمواد، والتحريض والتمرير في تضخيم العناوين، والتقدير والتكبير و"التبليد" في توظيف الصور: لقد احتلت الصور من الحجم الطبيعي لرئيس السلطة طول وعرض الصفحات البارزة الأولى والأخيرة والداخلية لأكثر الصحف اليومية والأسبوعية، وكتب عليها من الكلام البليغ ما يفي بالقصد التعريبي؛ من قبيل هذا العنوان غير الفلسطيني إطلاقا: مانديلا العرب.
حزنت الصحافة العربية المغربية حزنا كبيرا لموت عرفات، ما في ذلك شك، مع أنها عادة لا تحزن لموت أجنبي؛ سواء كان رئيس دولة كبيرة، أو كان مناضلا ذا وزن عالمي! بيد أن الرئيس عرفات؛ الميت هناك والآن؛ ليس في نظرها أجنبيا؛ بل هو مغربي وقضيته قضية مغربية؛ وتلك معضلة المعضلات في فكر النخبة العروبية المستلبة النافذة في هذا البلد! لقد نسي هؤلاء أن عرفات نفسه لا يريد أن يكون مغربيا؛ بل سجل التاريخ أنه أساء للمغرب عن قصد!
بالتأكيد؛ لم تعتد الصحافة المغربية أبدا أن تستحضر أحدا من رموز النضال العالمي، حيا أو ميتا،لأجل التضامن معه؛ وإن فعلت فلاستثماره "قومجيا" كما هو شأن مانديلا كما رأيتم..! بل هي لا تكترث أصلا بأي أحد من ألأحياء أو الموتى ـ حتى من داخل الوطن نفسه ـ إلا إذا كان من "مناضليها" الإيديولوجيين..! وما تجاهلها العنصري لرحيل عميد الشعر الأمازيغي عنا ببعيد كدليل.
لكن، لكي نكون في الصورة؛ ينبغي أن نورد نماذج من الخطاب الدال الذي تداولته تلك الصحافة بالمناسبة؛ ولقد كتبوا ما يلي:
ـ لقد فقد المغرب عرفات كما فقدته فلسطين.. ! خالد السفياني/ الصباح.
ـ قضيتا فلسطين والعراق عندنا قضيتان مقدستان. عباس الفاسي / برنامج "حوار" القناة الأولى.
ـ رحيل أبو عمار خسارة كبرى لحزب الاتحاد الاشتراكي وللشعب المغربي ولكافة قواه الحية..! محمد اليازغي / جريدة الاتحاد الاشتراكي.
ـ إن سؤال اللحظة هو: ماذا قدمنا ـ نحن العرب ـ لفلسطين؟ عبد الطيف قيلش / اليسار الموحد.
ـ كان ملك المغرب السابق يحرص أن يضع القضية الفلسطينية في سياقها الوطني والقومي والإسلامي.. ويتعامل معها كأنها قضية المغرب الوطنية.. عبد الهادي بوطالب / الأيام.
ـ يعتبر المغرب البلد الوحيد الذي ظلت القضية الفلسطينية حاضرة في كل حركاته دون استغلالها سياسيا (!).. بدون توقيع / زاوية "في واضحة" / النهار المغربية.
ـ كان عرفات يشعر أن الشعب المغربي قاطبة معه وهي ظاهرة عجيبة.. (!) أبو بكر القادري/ الأيام.
ـ إذا كان غياب الملك محمد السادس عن جنازة أمير واحدة من أكثر الدول الخليجية الداعمة للمغرب ماديا وعلى مستويات أخرى قد أثار الانتباه، فإن غيابه عن مراسيم جنازة الرئيس الفلسطيني؛ التي حضرها جل رؤساء وملوك الدول العربية والإسلامية قد أثار أكثر استغراب المهتمين ! بدون توقيع / الصحيفة.
كذلك كتبوا، محرضين للعروبة فينا، كلاما موحيا كثيرا من قبيل:
ـ تاريخ العرب الحديث لا يقرأ خارج القضية الفلسطينية.
ـ بعد انطلاق الرصاصة الأولى للثورة الفلسطينية في فاتح يناير 65 كانت أول برقية تأييد ومساندة تصل حركة فتح بقيادة ياسر عرفات؛ هي تلك التي وصلتها من حزب الاستقلال، وكانت جريدة "العلم" هي أول جريدة عربية تنشر بلاغات فتح.
ـ إن من بين أهداف المسيرة التي نعتزم تنظيمها يوم 28 نوفمبر 2004 تعبير الشعب المغربي عن رفضه لكل أشكال التطبيع مع الصهاينة وفضح المطبعين.. وتعبير كذلك عن غضب المغاربة قاطبة مما يتعرض له الفلسطينيون..
هذه نماذج مما كتبوا؛ نماذج متشابهة فيما بينها؛ ومتضافرة لتؤدي معنى، وتشكل صورة.. تلك الصورة التي يبدو أنها بحاجة إلى أن تؤطر بهذه المعلومة الثمانينية "الشيقة"؛ والتي نهديها بالمناسبة لكل الذين يعنيهم أمر فلسطين مغربيا؛ تقول المعلومة:
"لم تعترف أية دولة "عربية" بجبهة البوليزاريو؛ التي تعادي وحدتنا الترابية، لكن ياسر عرفات فعلها!
أجل؛ لقد فعلها قائد الشعب الذي نعتبر قضيته قضيتنا الوطنية؛ فاستقبل أعداء وحدتنا الترابية، وصافحهم، وجلس إليهم، وشاورهم في الأمر.. كل ذلك من أجل قضيته هو؛ أي من أجل أن يكون رئيسا للسلطة؛ سبيلا لأن يعلن دولة وتستقل بلاده فلسطين؛ ضاربا عرض الحائط بحقوقنا نحن وبوحدتنا الترابية (!) الأمر الذي أغضب الملك الراحل آنذاك؛ فقال في حق الفلسطينيين جميعا كلاما قاسيا.
ياسر عرفات الذي يقدس المغاربة أرضه، ويحتفون بشعبه، ويساندون حقوقه؛ ويعلنون، بمناسبة وبغير مناسبة، استعدادهم للشهادة من أجل تحريرها ـ بل ثمة من ضحى فعلا ـ هو الذي فعل ذلك! هو الذي داس على محبة من يحبونه بالصفع من الأمام ومن الخلف، وختم على سذاجتهم السياسية بدرس قوي في الواقعية!
لقد أعلن الرئيس الفلسطيني بتلك العدوانية المبيتة على المغرب والمغاربة أن العروبة شعار، وأن الأخوة الدينية لا تعني شيئا في العلاقات بين الدول؛ مؤكدا أنه لا آصرة تربط شعبه بأي شعب آخر وبأي وطن آخر غير المصلحة.
بذلك الإجراء السياسي الكبير والصاعق أعلن ياسر عرفات أنه ليس أمازيغيا ولا يمكن أن يكون؛ وأنه ليس عربيا مغربيا ولا يمكن أن يكون، وأنه ليس ساذجا ولا يمكن أن يكون.. ما دام لا يرى إلى القضايا السياسية، مثل نخبنا المستلبة، لا من زاوية عرقية ولا من زاوية دينية، بل من زاوية واحدة فقط لا غير؛ هي زاوية تحقيق المكاسب وربح الرهان! وحتى إن حدث وفعل؛ فإنما لكي يستثمر الدين والقومية "المشتركة" إيديولوجيا لا غير..
الرئيس الفلسطيني ثوري مناضل وسياسي محنك كما سبق التنويه بذلك، لأنه يفصل بين السياسة والمشاعر والأخلاق، ليتعامل معها كأفكار وقوى وأوراق؛ وتاريخه الحافل يشهد: في لبنان كان فلسطينيا بالحديد والنار وفي الأردن قاتل وقتل فكانت النتيجة أيلول الأسود! وخلال حرب الخليج الثانية عادى الكويت وساند العراق لأن مصلحة فلسطين تقتضي إلغاء الكويت! ثم بعد انطفاء اللهيب ولى وجهته مجددا للكويت؛ مثلما فعل مع بلادنا بعد إذ تغيرت الظروف!
حين عادى ياسر عرفات المغرب والكويت والأردن وغيرها من الدول "الشقيقة" تخلى عن هويته القومية؛ ونسي أنه عربي لأن فلسطين أولى! وحين صادق الجميع ثانية تذكرها؛ لكنه لم يتخل أبدا عن فلسطين لأن فلسطين دائما أولى.. هي وطنه الحقيقي وقوميته الحقيقية.
لا شيء يعلو لدى عرفات ولدى الفلسطينيين جميعا فوق وطنهم، ولا قضية تسمو فوق قضيتهم، هم يعرفون حدود بلادهم جيدا؛ لذلك يقاومون من أجل تثبيتها حجرا حجرا! لذلك كان ياسر عرفات وشعبه لا يهمهم أن تستقل الكويت أو يلتهمها الديكتاتور صدام، ولا يهمهم أن يستقر النظام الملكي الأردني أو ينهار، ولايعنيهم أن تموت أو تحيى الأمازيغية، ولا أن تتحرر أو تضيع الصحراء المغربية!
كل ما يهم عرفات والفلسطينيين هو فلسطين ولا شيء غير فلسطين، وليس في الأمر ما يضير فذلك حقهم لأن تلك قضيتهم الوطنية..
هذا الحدث برغم أهميته في مسيرة تاريخ "النضال" السياسي لزعيم شعب الجبارين لم تتم الإشارة إليه من أي من "المحللين" المغاربة !! "ربما".. لأن في ذلك إحراجا لا يطيقه العنصريون الذين يقدسون قضايا الآخرين على حساب قضاياهم!
3
عرفات أمازيغيا
لست أدري ما إذا كان الرمز الفلسطيني الراحل يدري؛ أن مواطنا فلسطينيا قال ـ ذات يوم ـ لمناضل أمازيغي، أمام جمع من الناس، بمدينة مغربية، وفي عز مناسبة تضامنية مع شعبه الفلسطيني:"أنت صهيوني"! لمجرد أن الأمازيغي قال "ينيغي أن ندافع ـ نحن المغاربة ـ عن القضية الفلسطينة من منظور انساني، لا من منظور قومي عربي، رافضا لكل تضامن شوفيني مع الآخر!
ولست أدري إن كان الزعيم الراحل، الذي يناضل ضد العنصرية، يدري أن القومية العربية بالنسبة للأمازيغ والأكراد وغيرهم من المضطهدين قوميا هي أشبه بالصهيونية؛ وأن المغاربة الذين يستقبلونه بالأحضان لا يفعلون ذلك باعتباره انسانا يعاني ويمثل شعبا يعاني؛ بل يفعلون ذلك من منطلق أخوة الدم؛ لأنهم لا يرون إليه كفلسطيني بل كعربي!
كذلك لست أدري إن كان الراحل يدري أن اليسار الماركسي المغربي قديما، كما الأصولية الإسلامية حديثا، هي تيارات براغماتية نفعية؛ لا تنخرط، ولم تكن تنخرط، في دعم القضية الفلسطينية، بشكل أو بآخر، أي بالمال الوفير أو بالتظاهر الغفير، إلا لتستثمرها، سياسيا، من أجل تحقيق مكاسب في مواجهاتها التاريخية مع النظام ومع الأمازيغية..
لقد اعترف بخصوص استغلالها ضد النظام أحد منظري العقل العربي المعروفين؛ في برنامج تلفزيوني بالقناة الثانية، أما بخصوص استثمارها ضد الأمازيغية؛ فالجابري نفسه هو أول من دعا، صراحة، للقضاء على هذه اللغة وإماتة لهجاتها ومحو ثقافتها؛ تسريعا لوتيرة تعريب الأمازيغ المغاربة، سبيلا لتحقيق الوحدة "الدموية" مع "العرب" المشارقة!
هكذا غدت الكوفية الفلسطينية التي كانت تتصدر أنشطة الأحزاب السياسية والجمعيات الثقافية المعارضة كوفية إيديولوجية خادعة ومنافقة وعنصرية؛ لا ترى في مأساة "الأشقاء" هناك إلا قضية "عربية" صالحة للاستغلال والاستثمار هنا مرتين: الأولى حين يتم التلويح بها شعارات حماسية لتعريب الجماهير واستلابها؛ فضلا عن استقطابها لأجل الاستقواء بها! وفي الثانية حين تسدل رداء رمزيا للتقية من قمع السلطة الشرس آنذاك!
نمثل في هذا الصدد بمناضل من حزب معارض؛ هو محمد كرينة الذي لم يحسن الترميز "ربما".. فاعتقل في الثمانينيات ثم مات تحت التعذيب وهو في ريعان شبابه(18 سنة)، بعد كلمة حماسية له بمناسبة ذكرى يوم الأرض الفلسطينية.
ولست أدري ما إذا كان عرفات يدري أن النظام، هو الآخر، لم يتبن القضية الفلسطينية إلا ليواجه المعارضة بسلاحها! ويسحب البساط من تحت أقدامها؛ فانخرط في النسخة اليمينية لأنظمة العروبة محاولا الالتفاف على يسارها المتمثل في جبهة الرفض وقتها؛ فبات يعقد المؤتمرات تلو المؤتمرات كلما عقدت المعارضة الندوات تلو الندوات.. !
كان التياران السياسيان المغربيان في الحكم والمعارضة يتنافسان في "الخير" لا للفلسطينيين ولا للشعب المغربي؛ بل لمصالحهما الخاصة التي يشكل رفض الأمازيغية واستغلال القضية الفلسطينية سياسيا القاسمين المشتركين بينها!
ثم إنني لست أدري ما إذا كان الشعب الفلسطيني، عموما، يدري أنه، باسم قضيته "المقدسة"، لم تعد لدينا نحن في المغرب قضية مقدسة! فمنذ "اعتبرنا" فلسطين قضية وطنية وبجلناها، لم تقف عند حدود أن تكون أهم و أكبر من قضايانا؛ بل صارت بديلا عن قضايانا!! مثلما صرنا نحن شيئا آخر بدل أنفسنا !!
باسم تضامننا مع الشعب الفلسطيني منعا لإبادته، يباد شعبنا ثقافيا باستمرار، وكل لحظة! وباسم تضامننا معه زُور تاريخنا، وزُيفت ملامحنا، ليصبح لنا الانتماء الذي يخدم فلسطين وترضاه الإيديولوجيا البعثية والناصرية. الفكر القومي العربي الذي اتخذ فلسطين ذريعة لتعريب الشخصية الثقافية المغربية والمغاربية، سلب تاريخنا واستلب هويتنا؛ وجعل من الفلسطينيين والعرب مواطنين مغاربة أكثر من المغاربة جميعا وبخاصة الأمازيغيين منهم..
أي نعم؛ بات للأجانب الفلسطينيين في بلادنا الحضور الإيديولوجي الإعلامي الذي ليس للمواطنين الأمازيغ ! تشغل قضيتهم العقل والوجدان من عقود، وتحتل، يوميا، واجهة المشهد الصحفي المرئي والمكتوب!
باسم فلسطين يمنع الأمازيغي من تلفزيون بلاده كي يوفر الفضاء الضروري،على الشاشة التي يدفع ضرائبها، لياسر عرفات وأبو مروان ومحمود درويش..، وباسم فلسطين يُقذف بلغته وثقافته وتاريخه نحو التهميش؛ كيما يفسح المجال للرقصة والأغنية والكلمة والصرخة والدمعة الفلسطينية؛ وكذا لكل ما تحيل عليه تلك القضية "الوطنية" من عربية وعروبة!
باسم النضال من أجل فلسطين تتعبأ المساجد للخطب الحماسية التي تفاضل بين وطنين؛ فتفضل أرض بيت المقدس هناك على أرض بيوت البربر هنا؛ وتقارن بين لغتين فتعلي من شأن "لغة القرآن" على حساب لغة الانسان، كما تمجد القومية هناك لتتهم الأمازيغية هنا..!!
باسم فلسطين تتغير المقررات الدراسية؛ لتستوعب شعر الآخرين؛ من الجاهلي إلى الأموي إلى الفلسطيني؛ ولتستوعب كل الأدب العربي وكل ثقافة وحضارة الشرق الأوسط عموما.. كل ذلك في مقابل تهميش واحتقار تاريخ وحضارة وطننا التاريخي الكبير: تامازغا التي صار لها اسم عروبي إقصائي رنان هو: المغرب العربي.. !
نعم، باسم فلسطين يستمر العدوان علينا؛ فتُغير أسماء الأشخاص والمدن والجزر والمناطق؛ وتمحى الأسماء والرموز الأمازيغية من الذاكرة المغربية أو تعرب، وتقصى من شوارع المدن والواجهات لتستبدل، عن قصد وسبق إصرار، بأسماء الشهداء الفلسطينيين، وبرموز النضال العربي عموما! حتى لقد بات الطفل المغربي لا يستغرب أن يسمع عن فلسطين والعرب يوميا؛ في حين يستغرب أن يسمع عن الأمازيغية لغته وثقافته وعن المغرب بلده! لقد بات يعرف عن الآخرين أكثر مما يعرف عن نفسه!
ذلك ما تعلمه المواطن الصغير من "الوطنيين" الكبار الذين يتبرعون باستمرار لحساب قضايا العروبة بالملايين، ويتظاهرون من أجلها بالملايين؛ دون أن يفكروا يوما في دعم من يتظاهرون من أجل ذلك الطفل؛ أي من أجل قضايا المغرب الوطنية الحقيقية.. لتكن المرأة أو البطالة أو الأمازيغية أو الصحراء..
ذلك ما تعلمه هذا البريء الصغير؛ رجل الغد المغربي؛ من هؤلاء القومويين الذين تخلوا عن الدكاترة المعطلين، وهم يعانون الجراح النزفة والكسور البليغة في أجسادهم؛ من جراء القمع الذي طالهم في غير رحمة، بمناسبة احتجاجهم الحضاري على هضم حقوقهم ومأساوية أوضاعهم كمواطنين.. ليقيموا خلال الأيام ذاتها؛ أي يوم الأحد 28 نوفمبر2004، تظاهرة "عروبية" جديدة بالرباط؛ لم تضف شيئا سوى العراق إلى فلسطين! وسوى التخلي عن صور عرفات وكوفيته لفائدة رموز التطرف وشعارات الأصولية.. مختلفين مع السلطة شكلا ومتواطئين معها جوهرا لتعريب ما تبقى من أبناء الشعب، ولإلهاء الجماهير ومنعها من التفكير في قضاياها السياسية والاجتماعية والثقافية الملحة؛ كالتي أشرنا إليها!
ذلك ما تعلمه من هؤلاء الذين لن يحسوا أبدا بوقع الظلم على المواطنين، كما لن يستشعروا أبدا مدى استلابهم الفظيع! ما داموا قد توقفوا عن التفكير في المغرب ككيان وكتاريخ وثقافة وصنفوا أنفسهم، سياسيا، خارج دائرة الوطنية!
لقد خلطوا باسم فلسطين بين الوطني والقومي والديني ومحاربة الأمبريالية عمدا.. ليضيعوا حقيقتنا، وجيشوا باسمها المشاعر ليعطلوا عقولنا.. وأرادوا بتحويل الجسد الفلسطيني المقتول إلى معنى أن يبقى الجسد المغربي الحي من غير معنى!... ولكن هيهات..!
هيهات أن تحيى هذه الأرض بلا ذاكرة، وبلا ملامح.. ! فلهذا الوطن معنى، وللشعب معنى، ولملاحمهما عبر التاريخ لمن يقرأ التاريخ عظة ألف معنى ومعنى.
وتحية للفسطيني فحسب: ياسر.


أكادير ـ المغرب: 30/11/20004