1 ـ المجتمع المدني أيضا مسؤول.
في ملتقى آسيا وأفريقيا تعيش شعوب معوزة أمية ومتخلفة، تستغلها وتحكمها بإيديولوجيا الدين أو القومية أو هما معا، وبآليات القمع والتجهيل والترويع والتجويع، أو بالإغراءات وشراء الضمائر وترتيب الصدقات، سلطات هي الأخرى متخلفة؛ لكنها غير فقيرة وغير جاهلة؛ بل هي نخب ثرية درية؛ وحكومات سليطة متسلطة، عنيفة ماديا ورمزيا، وتمييزية قانونا، وغير ديمقراطية فكرا ومنهجا..
لذلك تمت دعوتها للتغيير أو للإصلاح؛ وهي الآن في حضرة منتدى المستقبل!
وبموازاة تلك الحكومات السياسية المستبدة ثمة مجتمع مدني، شاهد على نفسه وعلى الدولة، ينتظم في تيارات تنتقد قليلا وتناشد أو تناور كثيرا. هذا المجتمع، هو الآخر، معني بالتغيير وبالإصلاح! لا، بل إنه، بحسب أمريكا ومن والاها، هو القدوة المدعوم المدعو لتقديم النصح والمساهمة في تخطيط بدائل المستقبل في منتدى المستقبل! فهل من رؤية نقدية لمواقف هذا المجتمع "المثال"؟
من أفغانستان شرقا إلى موريطانيا غربا لا تستطيع، والمناسبة انعقاد منتدى المستقبل، أن تتهم بكل الفظائع التي حصلت ذلك البلد الغني القوي الذي اسمه الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، كذلك لا تستطيع أن تتهم بالإضافة إليها السياسيين الذين بيدهم القرار في الدول المشاركة فحسب ومؤيديهم من المدنيين، ثم تبرئ آخرين! الجميع مندرج في اللعبة بنسب، ومسؤول عن صنع كوارثها بنسب.. فتعالوا نتامل بعض الذي جرى ويجري:
من أفغانستان شرقا إلى موريطانيا غربا حدثت وتحدث استغلالات اقتصادية فاحشة؛ ينطق بجريرتها واقع الفقر الفظيع ومستوى الدخل المريع للأغلبية من المواطنين؛ إلى جانب النسب المائوية المذهلة لتفشي الأمراض والبطالة.. كذلك حدثت وتحدث انتهاكات سياسية خطيرة بدأت بالانقلابات العسكرية في القرن الماضي؛ وما نعتقد أنها سوف تتوقف عند الفساد "الأدنى" الذي هو تزوير الإرادات الشعبية بنسبة 99.99 الذي لم يسلم منه أي نظام!
في كل تلك التجاوزات كان المجتمع المدني ضحية، ما في ذلك شك، لكنه كان أيضا، وبنسب معينة، مساهما ومسؤولا ومحرضا..
دعونا نستشهد ببعض الأمثلة:
من ذلك مباركة اليساريين والإسلاميين للانقلابات العسكرية في أكثر من بلد (نعتبر الإسلاميين هنا ضمن المجتمع المدني تجاوزا؛ باعتبارهم فاعلين ثقافيا في الميدان، ومنخرطين في الصراع السياسي واقعيا ورسميا؛ لا باعتبار قناعاتهم السلبية من الديمقراطية وحقوق الانسان والشعوب وتداول السلطة) وتعاطفهم مع العمليات الإرهابية التي تستهدف المدنيين الأبرياء وتهدد استقرار الدول الآمنة، وتحالفهم مع القوى والأنظمة الديكتاتورية في عز سطوتها وحتى بعد انهيارها، واعتداء الإرهابيين على نجيب محفوظ واغتيالهم لفرج فودة في الثمانينات بمصر، ولعمر بنجلون في السبعينات بالمغرب.. إلى جانب الممارسات اليومية الممنهجة من طرف هؤلاء جميعا للعنف الرمزي عبر البيانات والصحف والفتاوى ضد الخصوم "العرقيين" والإيديولوجيين وضد المثقفين الأحرار..
من ذلك أيضا؛ امتناع بعض الجمعيات الحقوقية اليسارية والجماعات الدينية عن مساندة المطالب اللغوية والثقافية للشعوب ورفضها إدانة مجازر كبرى كمذبحة حلبجة بالعراق واستنكار الاغتيالات الدموية بالجزائر! كما من ذلك تجاهل معاناة الأكراد والأقباط والصمت عن اعتقال اوجلان وعن محاكمة المثقفين بإيران وقمع واغتيال القبايليين بالجزائر..
ثم يضاف إلى ما سبق عملهم جميعا بازدواجية المعايير في تقييم الوقائع السياسية: أكثر الإسلاميين ممن يحتجون على الانقلاب ضد الديمقراطية في الجزائر لا يترددون في مدح سطو العسكر على الحكم الشرعي في السودان! وكذلك أكثر الماركسيين و"العلمانيين"، لا يفعلون بخصوص الحالة نفسها، سوى أنهم، بالمنطق ذاته، يعكسون الصورة..!!
فيا لمأساة ديمقراطية الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حين يكون مستقبلها بين يدي "مناضلين" و"مجاهدين" هذه ثقافتهم !
أي نموذج هذا الذي تمت "دعوته" للتحاور والتشاور وتقديم النصح والإرشاد لأمريكا ولدول الثماني وللحكومات عبر منتدى المستقبل؟! وأي منطق يسوغ إنصات الأنظمة الديكتاتورية و"المعتدلة"، على حد سواء، إلى توجيهات هؤلاء الإيديولوجيين المنغلقين المتطرفين حول الإصلاح، في الوقت الذي عيوبهم هم تكاد تكون أبشع وأفضح وأقبح ! هل بالغت؟ إن من لا يتجرأ أن يقول إن بعض المدنيين أسوأ من الأنظمة؛ سوف يجانب الصواب كثيرا إن لم يعترف أنهم صورة طبق الأصل من تلك الأنظمة!
لنقلها بأقسى وأقصى صراحة: في ظل هذه الحكومات الرسمية، وبتأطير وتوجيه من أغلب هذه الجمعيات المدنية والجماعات القومية والدينية لم تنتج الإيديولوجيات والمشاريع المتبناة بالمنطقة، سواء من قبل السلطة أو المعارضة، غير المزيد من المظالم والكوارث والأوجاع، وسوى المزيد من تردي الأفكار والقيم والأوضاع..
أجل، لقد سقط الانسان الكريم واختل المعنى؛ فانخفضت أثمان وارتفعت أخرى، كذلك انتكس الوطن السياسي وانهار البناء الثقافي. حدث ذلك أمام مرأى ومسمع من "الحضارات" التي عمرت بالمنطقة، كثيرا أو قليلا، ولا تزال؛ من الإسلام السياسي إلى العلمانية إلى الماركسية إلى الليبرالية، والتي فشلت كلها في أن تتطور من داخلها نحو توازن قيم الخير في نسيجها..
هل أقول جديدا إن أنا قلت إنه بأثر من الثقافة السلبية للمجتمع المدني، وللمشتغلين عنوة فيه! تأبد هذا النظام القديم الجديد؛ نظام الأزمات والصدمات، نظام السجود والركوع وتأليه الأشخاص وتقديس الأحزاب والأفكار والجماعات، حتى لقد استقال العقل وانتعشت الخرافات وسادت الأساطير المؤسسة للأوهام..
تلكم هي النتائج التي أوصلنا إليه المجتمعان السياسي والمدني معا، فهل من حل يا أيتها الولايات المتحدة الأمريكية؟
2 ـ أمريكا والأصولية لا يتناقضان!
تقول أمريكا "الخير" والعدوان إنها، ستعلم الحاكمين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أبجديات التنوير السياسي ومبادئ السلوك الديمقراطي، هي التي يعرف الجميع أنها صانعة الأنظمة الديكتاتورية وحاميتها.. كذلك تقول إنها سوف تستعين، لأجل تحقيق ذلك، بالمجتمع المدني الموازي الذي أكثره أيضا بحاجة إلى التنوير والإصلاح، كما رأينا.. غير أن الحقيقة هي أن المنتدى أشبه بمؤامرة سياسية مفضوحة؛ لم تكن غايتها، لا فرض الإصلاح ولا دعم التنمية ولا الإنصات لمطالب المجتمع المدني، بل إن الغاية، بالإضافة إلى جس جس النبض لضبط المسير وتوجيه المصير وتكريس الانتظارية، هي تمتين دعم السلطات الحاكمة كالمعتاد، إلى جانب استرضاء بعض القوى المدنية الفاعلة، نظرا لوزنها في توجيه الأحداث، بقصد لجم مطالبها بالتغيير، بعد إذ لم تعد تفلح في ذلك السلطات بمفردها، بفعل انتشار المعرفة وتقدم الوعي وتأثير وسائل الإعلام..
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف تستطيع أمريكا استمالة المجتمع المدني؛ وهي غير مستعدة بتاتا للاستجابة لمطالبه؛ رغم ما قدمت من وعود ومن تنازلات تكتيكية كما سنرى؟! مع الإشارة إلى أن الذي يعنينا هنا من المجتمع المدني ليس هو الشق المؤيد للمنتدى لأن التعامل معه تم بطريق الأنظمة بل الشق المناهض له.
لنسجل أولا أن استمرار الوضع، أو إصلاحه شكليا، هو من مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية ومؤيديها من الحاكمين والمدنيين، وأن مهمة المعارضة، حينها، تكمن في تقوية دورها كمعارضة وازنة؛ بفضل إلهاب الجماهير ضد أمريكا. هل من مصلحة أمريكا أن تعا؟
كذلك؛ ما يهم المعارضة جيدا، في مثل هذه الوضعية، هي التي لا تملك أية مشاريع عملية للإصلاح السياسي والاقتصادي ولا أية اقتراحات حقيقية لتجاوز الأزمات الاجتماعية، هو أن لا تقدم وعودا تعجز عن تلبيتها، ما دام بإمكانها الاستعاضة عن ذلك بتخدير العقول وشحن العواطف وتهييج المشاعر ضد أي عدو خارجي؛ وليكن أمريكا، لم لا؟! هل من مصلحة المعارضة استعداء أمريكا؟!
تأسيسا على ما سبق؛ فما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية من عدوان على البشر واحتلال للأرض واستغلال للخيرات والثروات إنما يصب في مصلحة المعارضة بل إنه يسهم بشكل فادح في تقويتها! كذلك، بالمقابل، يندرج في خدمة أمريكا بصيغة من الصيغ هذا التحريض ضدها من قبل المعارضة وهذه التهديدات لمصالحها من قبل المتطرفين، بما هي تتخذ ذلك ذريعة للتدخل السافر والمباشر، تحت غطاء محاربة الإرهاب، في شؤون الدول الشعوب!
ويبقى أنه حين تكون المعارضة ذات توجهين يساري وإسلامي قاسمهما المشترك هو العروبة؛ تصبح الولايات المتحدة الأمريكية بحكم دورها في الصراع أيضا في خدمة العروبة!
ليس ضروريا أن يكون تبادل المصالح مؤامرة؛ قد يأتي عرضا أو نتيجة..
فماذا عسى الملاحظ يقول حين يرى الولايات المتحدة تستجيب لبعض شروط المؤتمر القومي الإسلامي: أشركت المجتمع المدني بعد أن كانت قد قررت التعامل مع الحكومات فحسب، رغم أنها لم تسمح بالحوار المباشر بين الطرفين؛ حفاظا على توازن القوى! ودعت الدول المغضوب عليها: إيران وليبيا والسودان إلى المنتدى، وتخلت، على مضض، عن شرط حضور إسرائيل رغم عدم صواب الفكرة، عمليا، من الناحية الاقتصادية! كذلك تم تغييب السودان إرضاء له بعدم طرح موضوع دارفور، كما تم تهميش قضايا التنمية التي تهم المنطقة بأسرها (من إصلاح الأنظمة السياسية والاقتصادية إلى التمكين للمرأة ومحو الأمية إلى إصلاح المنظومة التربوية ) ليستأثر النقاش بموضوع العلاقة الجدلية بين السلام والتنمية؛ أيهما أولى إن استحال توازيهما..أي في نهاية المطاف بقضايا فلسطين والعراق العربيتين!
وماذا عساه يقول، أيضا، من لاحظ منتدى كبيرا من أجل المستقبل يقصي من جدول أعماله حقوق الانسان والشعوب والأقليات الدينية والحقوق اللغوبة والثقافية للأغلبيات.. أليس لأن ذلك لا يشكل اهتماما لا لأمريكا ولا لحلفائها ومؤيديها ولا حتى لـ"مناهضيها المنشغلين جميعا بحيثيات المصالح المتبادلة؟!
اسمحوا لي أن أقول إذن: أمريكا والأصولية لا يتناقضان!
3 ـ والأصولية حين تتعرب تمتد يسارا أيضا!
للمزيد من الأضواء على الفكرة دعونا نقارب الموضوع مغربيا من بعض زواياه الطريفة التالية:
1 ـ ألفت مناهضة منتدى المستقبل بين الماركسيين والإسلاميين المغاربة الذين لا تؤلف بين قلوبهم وشعاراتهم أية قوة أو نظرية عالمية أو مودة انسانية غير فكرة القومية العربية وما يترتب عليها من كره كاذب لأمريكا وحقد حقيقي على الآخر المختلف..!
لقد اجتمع أفراد معروفون بنشاطهم التضامني مع فلسطين وحدها، ومع العراق وفلسطين معا، إلى جانب من والاهما ممن تخلف بهم الركب من الكتاب والصحفيين المعارضين لأجل المعارضة، فاعتبروا أنفسهم، وهم لا يتجاوزون العشرات، ضمير الأمة! بل زعموا أنهم لا يمثلون الشارع العريض بالمغرب فحسب؛ بل مجموع جماهير عالمهم "العربي" !! ثم بعد أن تداولوا بشأن المنتدى من مبتداه إلى منتهاه، قرروا رفضه وإدانته، ثم أسسوا خلية لمناهضته!
لكن هل تدرون ما الذي تطالب به خلية مناهضة منتدى المستقبل؟ إنه ما أشرنا إليه أعلاه؛ قاموا بتفصيله:
منع التطبيع مع إسرائيل حفاظا على الانتماء العربي الإسلامي الخالص، وليشرب المسيحيون البحر! ورفض مصطلح الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لأنه سوف يطمس الهوية العربية للأمة المجيدة؛ مع أن هذه الأخيرة لا تؤسس "مجدها" سوى على هوية قوميات أخرى كثيرة، وعدم القبول بطرح أي موضوع من شأنه أن يعيق الوحدة العربية كموضوع دارفور وغيره؛ والحال أن الشعوب والبلدان أصلا ليست عربية مما يعني طلب تقنين وشرعنة الإبادة المادية والرمزية لغير العرب في تلك البلدان، ورفض أي حوار في ظل احتلال أمريكا وإسرائيل للأوطان "العربية"، دون أن يوضع في الاعتبار ما تعانيه أفغانستان من إرهاب، وما تتعرض له إيران من ضغوط! ناهيك عن تفسير الإسلام وتأويله قومويا لكي يستقيم الحديث عن الإصلاح النابع من الثقافة والقيم العربية، رغم ما يفضي إليه من انحراف عقدي أولا، ومن تجاهل للديانات الأخرى ثانيا، فضلا عن تهميش القيم والأعراف ذات البعد الانساني والتقدمي التي تحبل بها الثقافات العريقة للشعوب التي تضطهدها القومية العربية. كل ذلك من أجل هدف واحد وحيد: اختزال طرفي الحوار في منتدى المستقبل في أصحاب المصالح من دول العالم الغربي وذوي المصالح من الحكام ورجال الأعمال بـ"العالم العربي" وهيئات مدنية معينة في مقابل المناهضين من الأفراد العنصريين المتعصبين المتطفلين على المجتمع المدني.
هل نقول هنيئا لبوش أم لبن لادن أم هما معا؟
2 ـ لم تشكل القضايا الانسانية المصيرية للانسان والشعوب، أبدا، محورا للنقاش بين هؤلاء المؤلفة قلوبهم قوميا، وهذه شعاراتهم تفضحهم؛ قالوا: إن الديمقراطية الأمريكية تغزو العالم العربي من الرباط، والمنتدى هدية أمريكية مسمومة بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الانسان وهو مشروع أمريكي بعقل إسرائيلي، وهو إصلاح مستورد وملوث بدماء الأبرياء في العراق وفلسطين، ولا إصلاح إلا من الداخل، والبديل هو السوق العربية المشتركة( تلك التي لا تتجاوز نسبة تجارتها البينية 5 في المائة).. كذلك أضافو إنه الاستقواء بالخارج من طرف بعض المنظمات والهيئات العربية على الأنظمة العربية، وأنه الصفعة المؤلمة لكل الأحرار.. وتأسيسا على كل ما سبق تجب مقاطعته واعتبار كل من حضروه أو أيدوه؛ وفي مقدمتهم " الليبراليون الجدد" ضالين عملاء وخونة..
وهي كلها شعارات، إن لم تسقط، كما هو ملاحظ، في فخ العروبة العنصرية، اندرجت في خانة التحريض الضمني على مقاومة "المحتل" التي تقود حتما إلى ثقافة الإرهاب. والقسمة غير الضيزى هنا هي أن النتائج التي لا يحصدها بوش تكون حتما من نصيب بن لادن! وما يملكه أخي هو ملكي.. ! فهنيئا للمنتدى ولخلية مناهضته!
3 ـ أما الطريف ثالثا؛ فهو تعمد التيارين المتناقضين المتآلفين ـ مغربيا على الأقل ـ إزاحة الحواجز السياسية والاختلافات الإيديولوجية بينهما، وبخاصة صحف الماركسيين التي غازلت الأصوليين وحللت أهداف المنتدى قريبا من قيمهم المعروفة؛ فاستنكرت فكرة انعقاد مؤتمر الحاخامات والأئمة بمراكش، واحتجت على التعامل العلماني الفرنسي السلبي مع الحجاب! واتهمت المنتدى بأن من أهدافه الخفية إيقاف الهجرة نحو الغرب بسبب تباين الثقافات!! كما وصفت المواقف الإيجابية لبعض المثقفين لدرء الإرهاب بالحرب الاستباقية من الجميع.. متهمين إياهم ضمنا بالخيانة والعمالة!
أما الإسلاميون من جهتهم فقد كالت صحفهم، بالمقابل، المديح لـ"بعض العلمانيين الأحرار في تونس".. ولبعض منظمات المجتمع المدني الماركسية التي رفضت الولاء والارتماء، على غرار الأنظمة، في حضن أمريكا، قبل أن تذهب( تلك الصحف) بعيدا في التركيز على البعد الاقتصادي مستلهمة روح الفلسفة الماركسية "الملحدة" في مناقشاتها لـ"نيات" منتدى المستقبل، الذي تتهمه باستهداف إشاعة الليبرالية تحت غطاء الديمقراطية، وبالرغبة في تكريس النظام العالمي الجديد؛ الذي ينهي دور الدولة، كليا أو جزئيا، في الحياة الاقتصادية، ويدعم اقتصاد السوق المسؤول الأول عن التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية..!
4 ـ كولن باول والصادق المهدي يؤكدان التهمة:
لقد رأينا أن ليس الإصلاح الحقيقي ولا التنمية ولا الديمقراطية بمفهومها الشامل ما يهم أمريكا ومؤيديها وحتى مناهضيها.. بل الذي يهمهم، ويخدم مصالحهم جميعا، هو استمرار الوضع في المستقبل على ما هو عليه أو أسوأ!!.
ألم يصرح كولن باول بأن الديمقراطية لن تملى من خارج، ـ وهو مطلب المناهضين وغيرهم ! ـ بل هي شأن داخلي يبنى بالتدريج ويخضع لخصوصيات البلدان المعنية؟! وألم يشكل ذلك مناسبة لأنظمة ديكتاتورية قمعية كالنظام الليبي؛ ليعلن في الناس أن الكتاب الأخضر هو كتاب الديمقراطية الحقيقية والنموذجية؟! وأن اللجن الشعبية هي الآليات المثالية لتمكين المواطنين من حكم وتسيير أنفسهم بأنفسهم؟! وأن الأخ العقيد لا ينتخبه أحد لأنه عمليا لا يمارس الحكم على أحد؟!
وألم تتسابق دول أخرى كإيران والسودان ومصر وسوريا وبعض دول الخليج وتركيا.. (التي نعرف جميعا مدى الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان والشعوب فيها) إلى التصريح بأنها هي الأخرى ديمقراطية؟! وأن ما يميزها عن البلدان العريقة في الديمقراطية هو أن لديمقراطياتها خصوصيات وطنية!
تلك، إذن، هي نتائج منتدى المستقبل: ضبط المسير وتوجيه المصير وتكريس الانتظارية في النفوس، بالتمكين السياسي للأنظمة القمعية التي ما تفتأ أمريكا تدعمها عسكريا منذ عقود، وبالتمكين العاطفي والإيديولوجي للأصولية بديلا مأمولا لاحتواء غضب الشعوب؛ وسبيلا في الوقت ذاته للإرهاب المفضي إلى مصالح الولايات المتحدة الأمريكية..!
وتحية للصادق المهدي، الديمقراطي المكتوي بنار المتطرفين في بلاده، والذي سمعته، مؤخرا يقول؛ بالمناسبة: "إن الغلاة والطغاة هم الذين يفتحون الباب للغزاة".
مبارك بولكيد




التعليقات