كلنا ندرك أن الشبيبة هي عماد بناء أي وطن وهي بنفس الوقت الشريان الحيوي والقلب النابض والمفعم بالنشاط لتحقيق غدٍ مشرق ومزدهر ينعم فيه الجميع بالأمان والاستقرار. وان المتغيرات الكبيرة الحاصلة في وطننا الحبيب تعتبر حملاً إضافياً يقع على كاهل الشبيبة المثقلة أصلاً بهمومها وشجونها الماضية والآنية لما يحث من أحداث تراجيدية ومأساوية في الشارع العراقي.

فإن ما ورثته الشبيبة العراقية لا يمكن الاعتماد عليه لبناء أو لوضع أي حجرة في أي ركن من أركان المستقبل. ومن هنا فأن الشبيبة أمام واقع أليم وحزين بنفس الوقت، لأنه عليها البحث بين رماد الماضي عن قشة تعتمد عليها لرسم المستقبل بإبداع وخلاقية كبيرة.

ولكن، مع الأسف الكبير نرى أن شبيبتنا تائهة بين مقاهي الشوارع وأجهزة الستلايت التي تلعب بعقلية الشباب من كافة النواحي. فلا المقاهي تعطي الشبيبة ثقافة يمكن من خلالها تصور المستقبل ولا اجهزة الستلايت تمنح الشباب برامج ومخططات علمية تقوم على اساسها بنشر الألوان على لوحة الأمل لمستقبل زاهر. وبين هذا وذاك تبقى الحكومة العرقية التائهة هي أيضاً في ملاحقة الارهابيين، عاجزة عن وضع خطة مدروسة ومبرمجة، علمية عامة تحدد مسار الشبيبة وتلقنهم الحيثيات الأولية لما يمكن أن يقوموا به.

فعملية إعمار العراق لا تتم فقط بانشاء المشاريع وبناء بعض الأبنية لمؤسسة ما أو بتبليط شارع أو افتتاح معمل، بل على الحكومة أن تفكر إذا ارادت فعلاً أن تفكر بإعمار العراق عليها قبل أي شيء أن تفكر بكيفية إعمار شبيبة العراق الذين هم وحدهم فقط الذين سوف يقومون بعملية الإعمار ويشغلون المؤسسات والادارات التي يتم بناؤها. فعقود ثلاث من تسلط الفكر البعثي الشمولي الشوفيني من ناحية، وما يعاش الآن من خراب ودمار بدءاً من الانسان وانتهاءاً بالبنى الأساسية للوطن، يعتبر أكبر عائق يواجه الشباب في هذه الفترة.

وإذا ارادت الشبيبة أن تثبت ذاتها وتدمغ ببصمتها على صفحات التاريخ، عليها قبل كل شيء أن تتوحد وتبني مؤسساتها ومنظماتها الشبيبية المعتمدة على اساس المجتمع المدني والبعيدة كل البعد عن أي جهة حزبية تسيرها لمصالحها الخاصة والآنية. فبدون بناء الاتحادات تبقي الشبيبة مشتتة بين هذا الفكر وذاك وتصبح عبارة عن كرة يتقاذفها الجميع من مكان لآخر.،ان تبتعد الشبيبة عن كافة التقربات التي قد تصبح عائقاً أمامها من مثيل (التعصب القومي الشوفيني والديني الأعمى والمذهبي الضيق و...) الخ. فإن أول أمر تحتاجه شبيبة العراق هي التضامن فيما بينها على أساس الوحدة الوطنية وليس على أساس التقرب الفكري القومي أو الديني الذي يشتت ما هو موجود.

وها نحن قد ولجنا القرن الحادي والعشرين وعلى الشبيبة أن تكون بقدر المسؤولية الواقعة على عاتقها من الناحية الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية. فليس كثرة الأحزاب هي التي تقرر مصير الوطن وترسم مستقبله، بل الشبيبة هي بحد ذاتها التي يمكنها أن تقوم بهذه المهمة وتستنفر كافة قواها المادية والمعنوية للوصل لمستوى تحقق فيه الثورة الذهنية على أساس الوجدان والفكر.

فبدون تحقيق الثورة الذهنية وبدون التخلص من العقلية التي تم زرعها في روحنا طيلة العقود السابقة، من الصعب أن تقوم الشبيبة بخط طريق للمستقبل الذي نتطلع إليه جميعاً.

صحفي عراقي