قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

أعلن رئيس المفوضية العليا للإنتخابات العراقية، عبد الحسين الهنداوي، يوم الأحد 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2004 أن أول إنتخابات تعددية عراقية منذ 46 عاماً ستجرى في 30 كانون الثاني/يناير 2005 كما هو مقرر (1)، فيما أكد الناطق الرسمي بإسم المفوضية، فريد أيار، ان هذا التاريخ سيشمل انتخابات الجمعية الوطنية العراقية وانتخابات المجلس الوطني لإقليم كردستان وانتخابات مجالس المحافظات الثماني عشر (2). وذكر أن المفوضية تعمل حالياً بأقصى طاقاتها لإستكمال كافة الإجراءآت المتعلقة بتسهيل العملية الإنتخابية، وهي بصدد دعوة مراقبين دوليين لمراقبة الإنتخابات بالإضافة لمراقبين من داخل العراق (2). كما أشار إلى أنه سوف تتخذ كافة الإجراءآت اللازمة لتأمين سلامة المواطنين و المراكز الإنتخابية من عبث الإرهابيين، و أن الأمن و النظام سوف يستتبان في الفلوجة كما حصل في النجف الأشرف من قبل (2).

في الواقع لا يوجد سبب واحد معقول يدعو إلى التشكيك بإمكانية توفير الأمن النسبي على مدى الساعات التي تستغرقها عمليات الإقتراع على مستوى جزئي أو شامل لكل العراق. فمع أن الخلايا الإرهابية من تنظيم "القاعدة" زادت شراسة القتل و الترويع ضد العراقيين فإن القوات الأمريكية و البريطانية و حليفاتها هي الأخرى زادت وتيرة التصعيد العسكري ضد المواقع المستعصية لعناصر المقاومة و الإرهاب و الجريمة في العراق حتى لو كلفها ذلك عشرات أو مئات القتلى من جنودها و جنود حلفائها، وحتى لو كلف ذلك مئات و ربما آلاف الضحايا من الجنود و الشرطة و المدنيين العراقيين. و حاولت الإدارة الأمريكية بإستماتة لا مثيل لها أن تجعل الأمم المتحدة و دول حلف شمال الأطلسي و الدول العربية و الإسلامية تشهد بنزاهة الإنتخابات.

إن مسألة النجاح الظاهري أو الشكلي للسياسة الأمريكية في العراق و أفغانستان ضرورية جداً للإدارتين الأمريكية و البريطانية أمام مواطنيهما لتسويغ عملية الإحتلال و تغيير الأنظمة و الحروب العدوانية (الإجهاضية كما تسميها إدارة جورج بوش)، و هلاك الجنود و قتل المدنيين، و الخسائر المادية الضخمة التي فاقت حد التصور حتى لمخططي الحرب في وزارات الدفاع. يجب أن يقنعوا مواطنيهم – و ليس المواطنين العراقيين – أن إجراءآت "التحول الديمقراطي" في العراق تسير بالإتجاه الصحيح لصالح الشعب الأمريكي، الشعب البريطاني، و الشعب العراقي، و أنه لا بد من تقديم التضحيات لتحقيق "هذا الهدف الإنساني النبيل". و ينبغي التنويه إلى أن هذا الأسلوب السياسي-الإعلامي المكثف نجح فعلاً بإقناع الناخبين في الولايات المتحدة الأمريكية بدليل إعادة إنتخاب الرئيس جورج بوش في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2004 لمدة رئاسية ثانية أمدها 4 سنوات إبتدأت في 20 كانون الثاني/يناير 2005، كما نجح في بريطانيا بدليل إعادة إنتخاب توني بلير رئيساً لحزب العمل في 28 أيلول/سبتمبر 2004 بالرغم من إعترافه صراحة بخطأ المعلومات الإستخبارية التي بنى عليها قرار المشاركة في الحرب ضد العراق (3).

كان الكثير من المحللين السياسيين يتوقعون أن تردّي الأوضاع الأمنية في العراق سوف يسبب تأخر موعد نقل السلطة من باول بريمر، الرئيس السابق للإدارة المدنية الأمريكية في العراق، إلى إياد علاوي، رئيس وزراء الحكومة الإنتقالية العراقية الحالية التي تم تعيينها في 28 حزيران/يونيو 2004. إلا أن الإدارة الأمريكية أصرت و نجحت في إصرارها على نقل السلطة شكلياً، و لا بد لها أن تنجح في إصرارها على إجراء الإنتخابات الشكلية في موعدها.

قد يبدو من المستغرب القول أن الإدارة الأمريكية تكره في الواقع أية عملية ديمقراطية حقيقية في أي بلد عربيٍ أو إسلامي. إذ أن الوقائع التي ظهرت في دول عديدة بالإضافة إلى المعلومات الإستخبارية تشير بوضوح إلى حقيقة لا غبار عليها هي أن العملية الإنتخابية الحرة و بإشراف دولي مباشر تؤدي حتماً و فوراً إلى وصول التيارات الوطنية الدينية إلى السلطة. فبالإضافة إلى "عقدة العمامة" التي تعاني منها الدول الغربية عموماً و الولايات المتحدة الأمريكية خصوصاً هناك رعب شديد لديهم من إفتراض هو أن وصول أية حكومة وطنية دينية سيؤدي حتماً إلى ظهور نظامٍ معادٍ للولايات المتحدة على غرار الحكومة الإيرانية أو حكومة طالبان في أفغانستان. لذلك فهم لا يريدون دخول مثل هذه المغامرة السياسية و تبني التحولات السلمية الديمقراطية الجذرية في الدول العربية و الإسلامية، بالرغم من أن الحكومتين الإيرانية و الأفغانية جاءتا بطريقة إنقلابية لا علاقة لها بالتغيير السلمي الدستوري. لهذا يفضل الأمريكيون مساندة الأنظمة المستبدة القامعة لكافة الحركات الوطنية الدينية وغير الدينية حتى لو أدى ذلك إلى ظهور حركات متطرفة عنيفة مثل تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن.

أما إذا تعلق الأمر بأنظمتهم فلا بأس أن تأتي حكومة مسيحية صهيونية متطرفة متمثلة بالحزب الجمهوري الأمريكي برئاسة جورج بوش، وهو شخص متشدد دينياً إلى درجة مقيتة بنظر حوالي 50% من الناخبين الأمريكيين. و لا بأس أن تأتي حكومة يهودية صهيونية متطرفة جداً برئاسة الإرهابي المحترف آريل شارون الذي قتل عملية السلام برمتها عند إستلامه السلطة الإسرائيلية في مطلع عام 2001.

إن حالات الرعب الشديد و الغضب الشديد، التي أصابت البعض منذ إعلان المفوضوية العليا للإنتخابات في العراق عن الموعد المحدد وهو يوم 30 كانون الثاني/يناير 2005، لها ما يسوغها. لعل السبب الأساس هو أن الجهات المسؤولة في الحكومة الإنتقالية طائفية بطبيعتها من الألف إلى الياء. فهي لا تمتلك مشروعاً وطنياً شاملاً يكون موضع إتفاق لدى أغلبية الشعب العراقي، و إنما لها مشاريع طائفية جزئية مصممة لخدمة الطائفة أو القومية التي ينتمون إليها. و مع أنهم كانوا على إعتقادهم بأن الفرصة الذهبية التأريخية قد سنحت أخيراً بفضل الإحتلال الأمريكي لتحقيق ما عجزوا عنه خلال عقود من الزمن، إلا أنهم سيجدون أنفسهم بوضع بائس لا يحسدون عليه لأنهم أنفسهم سيكونون مسؤولين عن نقل العراق إلى المرحلة الثانية من الحرب الأهلية و التقسيم. و الأمرّ و الأدهى أن هذا الواقع المقبل في العراق سوف يفوت عليهم أدنى فرصة للحصول على "الحقوق الطائفية" المنشودة.

لذا فمن حق الطائفيين من العرب المسلمين السنة أن يخافوا من قرب الموعد لأنهم سوف لن يحصلوا على أية أغلبية في المجلس الوطني التأسيسي نظراً لقلة عددهم، و بذلك يكونون قد خسروا كافة الإمتيازات المتوفرة لهم إبان حكم صدام حسين و أمتيازات السطلة المستقبلية في ظل الإحتلال. و هذا وضع كارثي لهم لا ينكره أحد. بالرغم أن بعضهم كان يشيع على مدى السنة الماضية و بحماس منقطع النظير أن أغلبية السكان في العراق هم من المسلمين السنة (؟). إن التناقض المنطقي و الأخلاقي يبدو هنا على أشده. فالذي يعتقد بأغلبيته السكانية لا يخشى الخسارة في الإنتخابات لاسيما إذا كانت طائفية من بدايتها. و من حق الطائفيين من الأكراد المسلمين السنة أن يخافوا إقتراب الموعد لعلمهم اليقين بأغلبية العرب و لإعتقادهم بأن العرب سوف يستحوذون على كل شئ و يبقون عليهم كمواطنين من الدرجة الثانية – كما عبروا بهذا اللفظ عدة مرات. و من حق الطائفيين من العرب المسلمين الشيعة أن يبتهجوا بقرب الموعد. فهم يؤمنون عن قناعة تامة بأن الغلبة ستكون لهم لا محالة في أية صيغة إنتخابية حرة. و من حق الحوزة العلمية في النجف الأشرف أن تصر على الموعد و تغضب من الصيحات المطالبة بتأجيل الإنتخابات التأسيسية الحرة المباشرة للمجلس الوطني مرة أخرى، بعد أن قامت الإدارة الأمريكية و مجلس الحكم في العراق بتأجيل الإنتخابات التي دعا إليها السيستاني في تشرين الأول/أكتوبر 2003.

من الجدير بالذكر أن كافة الذرائع التي ذكرها الخائفون من الإنتخابات آنذاك ما تزال قائمة و لكن بشكل أسوأ مما كانت عليه قبل أكثر من سنة لاسيما تدهور الوضع الأمني و عدم توفر إحصاء رسمي حديث. بل أن المفوضوية العليا لجأت إلى إعتماد البطاقة التموينية و الوثائق الساندة الأخرى أثناء التصويت. و هي نفس الصيغة التي إقترحها السيستاني قبل عام و واجهها الخائفون برفض قاطع و تسفيهٍ تام. هنا تظهر حقيقة جلية و هي مع أن السيستاني ليس عراقياً بالولادة إلا أنه أعمق و أخلص وطنية من كل الطائفيين المولودين بالصدفة في العراق، ثم عاشوا معظم حياتهم خارج العراق و عادوا بصورة مؤقتة ليتقاسموا السلطة و الثروة مع قوات الإحتلال الأمريكي، و ليمارسوا أعمال الإنتقام الفردي و الجماعي ضد أعدائهم. و لكن إذا تم إفتراضاً تأجيل الإنتخابات ستة أشهر أخرى أو حتى لمدة سنة أخرى فإن الأوضاع الأمنية ستكون خارجة عن السيطرة تماماً. بل من المحتمل أن يزَجّ العراق قبل نهاية هذا العام في المرحلة الثانية من الحرب الأهلية و التقسيم، و بذلك سوف لن تكون هناك أية حاجة للإنتخابات.

إن عملية إنشاء المجلس الوطني التأسيسي في مايس/مايو 2003 كانت ممكنة جداً و بظروف أمنية عامة أفضل مئات المرات مما عليه الآن، و حتى قبل أن يتسلم باول بريمر السلطة المدنية الأمريكية من جاي غارنر في نهاية مايس/مايو. لكن الفئات الطائفية العائدة من الخارج و من شمال العراق مع الإحتلال الأمريكي هي التي نسفت فكرة المجلس الوطني من أساسها. فهي فكرة خطيرة تجردهم من أي دور قيادي-تسلطي في العراق. و كان وزير الخارجية الأمريكية كولن باول متحمساً للفكرة على أن تكون أغلبية العناصر من الوطنيين العراقيين و تطعّم بعناصر من "العائدين العملاء". إلا أن وزير الدفاع الأمريكي دونالد رمزفيلد كان متحمساً لإنشاء مجلسٍ حاكم من العملاء فقط ليسهل التعامل معهم. و لأنه أعلى صوتاً من قرينه فقد إختار الرئيس الأمريكي جورج بوش المشروع الثاني، و كان ما كان. توجد الآن مشاريع وطنية نزيهة تخدم كل العراقيين بدون إستثناء إلا أن الطائفيين من "العملاء العائدين" ما زالوا يمنعون أعتمادها لأسباب شخصية-طائفية بحتة. لذلك فإذا تمت الأنتخابات في موعدها أو تأجلت حسب مطالب الخائفين فإن نتائجها واحدة لأن المجلس الوطني المنتخب سوف تكون أغلبيته من الطائفيين الموالين للإحتلال الأمريكي، و أقليته من الوطنيين المسلوبين الإرادة و لا يستطيعون تغيير أي شئ لا يرتضيه الإحتلال. و إذا لم يتفق الناخبون الوطنيون، و تعدادهم 14 مليون عراقي، على مشروع وطني متوازن، فإن كفة الطائفيين من العملاء العائدين، و تعدادهم 350 شخصاً فقط، ستكون الراجحة الآن و مستقبلاً رغم أنف الجميع.


References:

(1)

http://www.daralhayat.com/arab_news/levant_news/11-2004/20041121-22p01-01.txt/story.html

شرم الشيخ: الفيدرالية "مشكلة" ولا استبعاد للمفاجآت وربط انهاء الوجود الأجنبي بالحكومة الدائمة
بغداد، شرم الشيخ، دمشق الحياة 2004/11/22

===============

(2)

http://www.iraq4allnews.dk/viewnews.php?id=70170

بيان من الهيئة العليا للانتخابات في العراق يحدد30 كانون الثاني 2005 موعد الانتخابات العراقية-و0خ0ع
وكالة الاخبار العراقية : : 2004-11-22 - 01:14:09

==================

(3)

http://news.scotsman.com/topics.cfm?tid=1188amp;id=1137902004

Blair admits intelligence on Iraq and WMDs was wrong
FRASER NELSON
POLITICAL EDITOR
The Scotsman (UK)
Wednesday، 29 September 2004

الدكتور منذر بشير اللامي
أستاذ عراقي مقيم في كندا، تورنتو