ألويزيوس برتران ( 1807- 1841) Aloysius Bertrand

3 قصائد نثر

لم ير كتابهُ الأول والأخير Le Gaspard de la nuit (غاسبار الليل) النورَ إلاّ بعد عام ونصف على وفاته. أشرف على إنجازه فكتور بافي ودافيد دانغر؛ صديقان وفيان لم يدركا أنّهما بتحقيق وصيته، يفتحان أفقاً لم يحلم به الشعر من قبل، وذلك رغم أن الكتاب فشل فشلاً ذريعاً على صعيد البيع وأُهمله النقّاد كلياً، إذ صرح فكتور بافي قائلاً: "يمثل هذا الكتاب أكبر كارثة في تاريخ المكتبات!" أمّا سيرته في قاموس المغمورين فلم تتجاوز السطرين. هكذا ظل اسم برتران منسياً حتى مجيء بودلير ومالارميه ليحظى بشرف المؤسس الأول لقصيدة النثر.
ينقسم "غاسبار الليل" إلى ستة أجزاء، يتضمن كلُّ جزء مجموعَ قطع نثرية. كلُّ قطعة مقسمة إلى أربع، أو إلى خمس أو سبع فقرات أو وحدات. وقد ترك برتراند تعليمات للمصمم بأن يترك بياضاً واسعاً بين الفقرة أو والحدة والأخرى وكأنَّ كل فقرة مقطع شعري، بل وكأنَّ النص النثري هذا شعر. وهنا تكمن أهمية هذا الشاعر في إعطاء النثر شكلاً شعرياً يدشن قطيعة مع النثر الشعري الذي كان سائداً آنذاك. ففي نثره، يؤلّف البياض وقفة صمت ناطقة كأن نشعر وكأننا وسط أشباح المقاصد، الاحتمالات والأفكار غير المُعبَّر عنها. ففي طِباق النص يتكون في ذهننا نص تحتاني غير مكتوب. وما أن نوحد المكتوب بحبر أسود والمفترض بحبر أبيض يبرز المعنى العام حقيقياً ومكملاً للنص. ولا ننسَ أن البياض (الفراغ بين المقاطع - الوحدات الشعرية) الذي كان برتران مهووساً به حتّى أنه ترك تعليمات إلى المطبعة، سيطوره مالارميه تطويراً راديكالياً في قصيدته الأخيرة: "رمية نرد" كأن يتوجب على القارئ أن يستقرئ كلّ جملة بنفسه مستضيئاً بالبياض ليُبصر الكل.
تجديدات ربما عفويّة وجمالية صرف لم يفطن صاحبها إلى انطوائها على بذرة تجديد ستغيّر مفهوم الشعر كلّه، خاصة عندما نلاحظ تصنّعه في عدد لا بأس به من النصوص وهوسه في خلق أجواء غرائبية. لكن عمله هذا يكشف عن أصالته في تقديم نص نثري ملموم ومؤطر في شكل لم يُعرف من قبل مادته موضوع مجاني عابر يتميز بتوتر خاص به وكثافة: لبنات أولى لقصيدة النثر في القرن العشرين.

الذهاب إلى سَمَر السَّحَرة

"أفاقت ليلاً، أشعلت شمعةً، فتحت علبة وتدهّنَت،
وما إن همهمت بضع كلمات
حتى نُقلت إلى اجتماع السحرة الليلي!"
جان بودان: هوس السحرة الشيطاني


كان هناك اثنا عشر يتناولون حساء ممزوجاً بالبيرة، ولدى كل واحد منهم عظمة ذراع ميت يستخدمها كملعقة.

كانت المدخنة تتقد جمراً، الشموع وسط الدخان أشبه بالفطر، ومن الصحون كانت تنبعث رائحة قبر في الربيع.

وعندما يضحك "ماريبا" أو يبكي، كان يُسمعُ له صوت يشبه أنين قوس كمانٍ مقطوعة أوتاره الثلاثة.

على أنّ جندياً منحطاً راح يبسط بطريقة شيطانيّة على الطاولة، تحت بصيص مصباح الوَدَك، كتابَ طلاسم سقطت فوقه ذبابةٌ مشوية.

كانت الذبابة هذه لا تزال تطنّ عندما خرج من بطنها الضخم والأزغب عنكبوتٌ تسلّقَ حوافيَ المجلد السحري.

إلاّ أن السحرة والساحرات كانوا قد طاروا سلفاً من خلال المدخنة، بعضهم امتطى المكنسة، والبعض الآخر الملاقطَ، أما "ماريبا" فامتطى مقبض المقلاة.

الغرفة الغوطية

"في الليل، غرفتي تكتظ بالشياطين"
آباء الكنيسة

- "آه! – همستُ لليل – الأرضُ كأس عطرةٌ مدقّتها قمرٌ وأسديتها نجوم."

أغلقت،ُ والنعاس أثقل جفنيَّ، النافذة المُطعّمة بصليب الجلجلة، أَسودَ في الهالة الصفراء للوح الزجاج الملوّن.

كما، لو لم يكن سوى العفريت - في منتصف الليل، الوقت المُزيّن كشعارٍ بالتنين والشياطين ! – يَسكرُ بزيت مصباحي!

لو لم يكن سوى الحاضنة التي تهدهد بغناء رتيب، في ترس أبي، طفلا صغيراً وُلدَ ميتا.

لو لم يكن سوى الهيكل العظمي للجندي الألماني المرتزق المحبوس في خشب الحائط، يضرب بصدغه ومفرقه وركبته.

لو لم يكن سوى جَدّي ينزل بكل شخصه من إطار صورته الذي نخرته الديدان، ويبلل قُفّاز يده الواقي في جرن الماء المقدس.

لكن، كلا، إنه "سكاربو" الذي عضّني من عنقي، وحتى يكوي جرحي الدامي، غرس فيه إصبعه الحديد المحمّر في الأتون.


Ondine *

"كنت أعتقد أني أسمع
لحنا خفيا يخلب نومي
وبجانبي ينتشر همسٌ يشبه
أناشيد يتخللها صوت حزين ورقيق"
شارل برونيو

"اسمعْ! – اسمعْ – هذا أنا، أُوندين التي تلامس بقطرات مائية الألواح الرنانة لنافذتك التي تضيئها أشعة القمر الكامدة والكئيبة؛ وهاهي بثوبها المتموّج سيدة القصر التي تتأمّل من شرفتها الليل الصافي المرصَّع بالنجوم والبحيرة الهاجعة الجميلة.

كلُّ موج هو حوريٌّ يسبح مع التيّار، كلُّ تيّار طريقٌ تتلوّى نحو قصري، وكلُّ قصر بناءٌ مائي، في عمق البحيرة، في مثلّث النار والأرض والهواء.

اسْمَعْ! اسْمَعْ! يضرب أبي الماءَ النقّاقَ بغصنٍ من الراسن الأخضر، وأخواتي يداعبن بأذرعهن المجبولة من الزبَد جزرَ أعشابٍ ونَيْنَوفَرٍ وسوسنٍ، أو يسخرن من الصفصاف البالي والملتحي الذي له صنّارةٌ يصطاد بها."

بعد أن انتهتْ من همهمة غنائها، توسّلتني أن أضعَ خاتمها في إصبعي فأكون زوجَ حوريةٍ، وأن أزور معها قصرها لأكون ملك البحيرات.

وعندما قلت لها إني أفضِّل الزواج من امرأة فانية، ذرفتْ، بامتعاض واستياء، بضعَ دموع ثم أتبعتها بضحكة، وهي تتوارى وبلةَ مطرٍ بيضاء تسيل على طول زجاج نافذتي الزرقاء.

* حوريّة البحر، والمذكر Ondin حوري البحر



جول لوفيفر دومييه (1797-1857) Jules Lefevre-Deumier

3قصائد نثر

شاعر رومانتيكي فرنسي. نشر عام 1854 "كتاب المستطرق" وهو مجموعة متكونة من 366 نص موزعة على أيام السنة. والغريب أنّ معظم النقاد وجدوا تشابها قوياً بين بعض نصوصه وقصائد بودلير النثرية (حتى في العناوين: "ساعة الحائط"، "المرآة"، "المرفأ")، مما حدا بالبعض إلى التصريح بأن بودلير فضل ألاّ يذكر دومييه أبداً وكأنه غير موجود، مكتفياً بذكر برتران الذي لا تأثير له في ابتكار قصيدة النثر.

أصوات الليل المنخفضة

يحاول الإنسان عبثاً التمرد على أحلامه، فهي أقوى منه بكثير. انطباع، ليست في قدرة الإنسان السيطرة عليه ولا على فهمه، يناقض مراراً وعلى حين غرّة أعظم تأملات فكره، بل يكذّب هذا الانطباع كلّ قدرات النفي الشجاع لدى الإنسان. تُرى هل من فيلسوف جريء لم يسمع أحياناً في دامس الليل، وبشيء من القلق، هذه الأصوات المبهمة، وكأنّها تتواعد في الظلام. يقال إنّ شيئاً ما يعيش في المادة خِفيةً بلا صوت، ويتّخذ، ما إن يصمتَ كلُّ شيء، صوتاً حتّى يكلّمنا: لغةٌ لا تُحدِّد، وقورة كالصمت، ظلماء ظلمة الدياجير. رسالة المستقبل أو الماضي المُلغزة، لغة تقلق العقلَ أيضاً. إنّ ما لم يعد يروّعنا لهو بقدر ما لم يكن: إنّه المجهول على الدوام.


الماضي

نتساءل ما الذي يحصل للأيّام التي لم تعد وهل يقوم قلب الإنسان مقام القبر لها. كلا، صدّقوني؛ إنّ كلّ شيء ليبدو ميتاً، لكن في الحقيقة ما من شيء يموت. فالأمس لا يزال موجوداً، بالرغم من أنّكم لم تعودوا ترونه. أيّامكم المُغمى عليها غائبات لن تعود، لكنّها ليست ضائعة. فهي تُعلِّقُ صورَها في نفوسكم، كما في محراب، وكثيراً ما تعود إليه لتتعاطى كؤوس الحديث كما في السابق، حالما تنامون، وحالما تحلمون، وتغيّر ترتيب الغبار الذي يغطّي صورتها. الماضي يعيش تحت ثلج الأعوام. إنّه الماء الجاري الذي يتدفّق تحت ترس الجليد، الماء الجاري حيث يتعرّج فيه، كالأسهم الأرجوانية والذهبيّة، مثل لفيف الأحجار الكريمة الجوّالة وكالأزهار التي تهرب ولا تذبل، ألفُ سابح صامت هم الذكريات.

السفينة المتجمّدة

يروي بعض الرّحالة أنّهم صادفوا، وسط أصقاع الجليد الشماليّة، سفينةً قديمة جمّدتها شتاءات. لقد ولجوا، بذعر ممزوج بالتهيّب، هذا المركبَ الفارغ والبارد، حيث بدا أنّ الزمن بدّل كلَّ شيء: الأشرعة، العتاد والحبال. إنّهم يرسمون بأسلوب رصين وقوي، المشهد الذي كنّا لمحناه من الظَهر، عبر الفتحات الثلجيّة التي تبدو وكأنّها درابزين السفينة. كانت السفينة ثابتةً بلا حراك، وكنّا نرى إلى مدى بعيد الجبال الطوّافة، التي ينقضّ أحدها على الآخر محدثةً ضجّة هائلة. غالباً ما أتذكّر هذه الصورة، وأنا أدخل مساءً في كنيسة، في هذه البوارج الجسام المصنوعة من الحجر، مرساتها ملقاة وسط عواصف العالم وترنّحه، التي تتحدّى صواعق صواريها المنسوجة من الصوّان وأشرعتها المرمية؛ نشعر وكأنّ ذعراً غريباً يستولي علينا، ما إن يخطر في بالنا أنّ هذا المركب المتحجّر مع أنّه لا يتحرّك من السيول، يفضي بنا إلى مرفأ الأمان.

تعرف إلى قصيدة النثر العالمية نموذجا وتنظيرا