قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

آنذاك، ما بين أفول القرن التاسع عشر وفجر القرن العشرين، انعطفت الحاجة الإبداعية من الرتابة الرمزية لأدب الرحلات المتخيلة، إلى خوض مغامرة العلامة المفتوحة على أرض الواقع: السفر إلى فضاءات بعيدة حيث المعرفة ليست مجرد تمارين ذهنية وإنما احتكاك مباشر بالأدلة والبراهين. وتاريخ نمو قصيدة النثر أراد الصين أن تكون فضاءه الجديد حيث العابر فيه ثابت كالصمت... ما إن تبدأ "الأرض بإسقاء ابنائها وما من واحد منهم لم يرضع ثدييها؛ الطفل والمسن، الثري والفقير، العادل والمذنب، القاضي والسجين، الإنسان والحيوان، وكأنهم أخوة، يشربون معا"(كلوديل). وصادف ان أديبين أضطرا إلى القيام برحلة إلى الصين بحكم منصبيهما: الأول بول كلوديل كقنصل، والثاني فكتور سيغالين كطبيب في البحارة. وشاءت الصدف أن الأول يجهل الصينية فلم يضيع وقته فيها وإنما راح يرصد ويدون موظفا كل ما تمتلكه اللغة الفرنسية من طاقة شعرية تعبيرية تتجاوز الإنشاء والبلاغة، فجاء "معرفة الشرق" الذي انصهرت فيه أساليب الذين أثروا في كلوديل كالشغل اللغوي لمالارميه، واستناراترامبوالديناميكية، كتابا يضم كل ما تحتاجه قصيدة النثر من عناصر شعرية: الأسلوب المكثف، الشغل اللغوي المنضبط بتناغم باهر، الطريقة التي يُفتتح بها ويقفل كلُّ نص، التوتر، الجزاف الذي ينقذ النص من السقوط في خانة الانطباعات. باختصار، قصيدة النثر، في "معرفة الشرق" ومكمله "الطائر الأسود في بلاد الشمس المشرقة"، كاملة لا ينقصها أي شيء.

بينما الثاني فكتور سيغالين كان قد درس الصينية وحضارتها اعتبارا من عام 1909. وما إن أتقن لغتها حتى شرع في إجراء أبحاث معمّقة عن النصب القديمة للإمبراطورية الصينية. وباستثناء ما كتبه من دراسات جمالية عن هذه الحضارة، فإن فكتور سيغالين كتب مجموعة من قصائد نثر فذة تحت عنوان "أنصاب" المستوحاة من النصب الصيني المحدد بلوح حجري منتصب ومحفورة عليه عبارة ما، وغالباً ما يصادفه المسافرون على جانب الطريق، في فناء المعابد، أو أمام المقابر. فابتكر سيغالن أسلوبا أشبهبلغز منتزع من صلب التراكيب اللغوية الصينية؛ أسلوبا مع أن اللغة الفرنسية لم تعهده من قبل، إلا إنه فرنسي خالص لا علاقة له بكل ما تنطوي عليه اللغة الصينية. وهنا تكمن اضافة الشعراء الحقيقيةللغة الأم.

بول كلوديل (Paul Claudel (1868-1955

المطر

من خلال النافذتين أمامي، والنافذتين عن شمالي، والنافذتين عن يميني، أنظرُ، وأسمعُ بأذنيّ المطر يسقط بغزارة. أعتقدُ أنّه ربع ساعة بعد الظهيرة : حواليّ ماءٌ ونور. أغمس قلمي في الدواة، وبينما أنا أتمتع بأمان احتباسي الداخلي، المائي، كحشرة في لبّ فقّاعة هوائية، أكتب هذه القصيدة.
ليس رذاذاً هذا الذي يسقط، ليس مطراً فاتراً ومشتبهاً فيه. الغمام يفاجئ الأرضَ عن قرب، ويهوى عليها بخشونة وشدّة، هجوم ضارّ وعنيف. يا له من برد، أيّتها الضفادع، أننا حتّى نسينا، في تراصّ العشب الندي، البِركة! لا خوف من أن يتوقّفَ المطرُ؛ فهذا وفير، مُرضٍ. فهو جد عطشان، يا أخواني، مَنْ لا تُشفي غليله هذه الكأس المترعة المدهشة. الأرض اختفت، البيتُ انغمرَ، الأشجار الغاطسة تجري، النهر نفسُهُ الذي يحدُّ أفقي كبحر يبدو غريقاً. سَرعانَ ما يمرُّ الوقتُ . وأنا ألقي السمع، لا لانفلات أية ساعة، أتأمّل نغمة المزمور المحايدة والتي لا تُعد.
بيد أن المطرَ توقف في آخر النهار، وبينما الغيم المتراكم يهيئ هجمة أشرّ اكفهراراً، مثل "إيريس" التي تتساقط من قمة السماء نُزُلاً في ميدان الوغى، هاهو عنكبوت أسود معلَّقٌ من دُبُره، ورأسه متدلِّ إلى أسفل، يقف وسط النافذة التي فتحتها، تُشرف على أوراق الحَور، على شمال له لون قشرة الجَوْز. لم يعد ثمة ضوء، لابد من إضاءة المصباح. تكريماً للعواصف أريقُ قطرة الحبر هذه.

الأرض مرئية من البحر

قادمةً من الأفق، واجهت سفينتنا "رصيف العالم"، والكوكب الطالع يفتح أمامنا بناءه الجسيم. وأنا أصعد على عبّارة، في الصباح المزيّن بنجمة كبيرة، تجلت في عيني الأرض جد زرقاء. القارة، من أجل الدفاع عن "الشمس" ضد تتبع "المحيط" المتحرك، تقوم بعمل واسع من تحصيناتها؛ الفجوات تنفتح على الريف السعيد. نسير وقتاً طويلاً، وفي عز النهار، طوال حدود العالم الآخر. سفينتنا، وهبوب الرياح تسيّرها، تنطلق وتثب فوق الهوة المطاطة، ضاغطة بكل ثقلها. وقعتُ في فخ اللازورد، وملتصقٌ به كبرميل. مأسورا باللانهاية، معلقاً بتقاطع السماء، أرى من تحتي الأرضَ كلّها مظلمة تنتشر كخريطة، العالمَ مهولاً ومتواضعاً. لا مفر من الانفصال. الأشياء كلها بعيدة عني، الرؤية فقط تربطني بها. ما من أحد أبداً سيمكنني من تثبيت قدمي على الأرض الوطيدة، من بناء مسكنٍ بيدي من الحجارة والخشب، من تناول في وئام الأطعمة المطبوخة في الموقد المنزلي. سندير قريباً حيزومنا حيث ما من شاطئ يعترضه، ولن يكون تقدُّمُنا، بفضل العدة الهائلة من الأشرعة، مُعلَّماً إلا بأضوائنا الجانبية.

رسم

فليثبّتوا لي قطعة الحرير هذه من أركانها الأربعة، فلن أرسم فيها السماء أبداً. فلا البحرُ ولا شواطئُه، لا الغابة ولا الجبال ستغوي فيها فنّي. لكن من فوق إلى أسفل، من طرف إلى آخر، سأرسم فيها الأرضَ بيدٍ خشنةٍ. حدود المقاطعات، وتقسيمات الحقول ستكون كلّها مرسومة فيها بالضبط، هذه التي بدأ فيها الحرث سلفاً، وتلك حيث لا يزال فوْجُ حُزمِ القمح منتصباً. لن ينقص الإحصاء شجرةً واحدة، فأصغر بيت سيكون مصوَّرا بمهارة غير متصنّعة. وإنْ ينظر المرءُ بشكل جيد سيميز الناس، فذاك، المظلة في اليد، يعبر جُسراً حجرياّ ذا حنية واحدة، وتلك تغسل ثيابها في البِركة، الكرسي الذي يتقدم محمولا على أكتاف حاملَيْه، وهذا الحارث الصبور الذي يشق، طوال الأخدود، أخدوداً آخر. تخترق اللوحة من ركن إلى آخر طريقٌ طويلةٌ يحفُّ جانبيها صفٌ مزدوج من أشجار الصنوبر، وفي إحدى هذه الخنادق الدائرية حيث، عوضاً عن الماء رقعة لازورد، نرى ثلاثة أرباع قمرٍ أصفر بالكاد.

فكتور سيغالين Victor Segalen 1878-1919


مديح الغياب وسلطته

لا أطالب أبداً أنْ أكون حاضرا، أنْ أصل فجأةً، أنْ أظهر بلحمي وشحمي، أو أنْ أحكم عبر الثقل الواضح لشخصي.

ولا أنْ أجيب، بصوتي، الرقباء؛ بعيني القاسية، المتمردين؛ وبإيماءة، الوزراء المذنبين، التي سَتدَلدِلُ رؤوسهم من أظافري.

إني أحكم عبر سلطة الغياب المدهشة. قصوري المائتان والسبعون، المحبوكة بعضها ببعض بأروقة كمداء، تمتلئ فقط بآثاري المتناوبة.

موسيقى من كل نوع تُعزف على شرف ظلي؛ وضباط يحيون كرسيَّ الفارغ؛ ونساء يعرفن كيف يقدرن شرف الليالي التي لا أتنازل فيها.

عديل الجن الذين لا يمكن ردّهم لأنهم غير مرئيين، لن يعرف أيُّ سلاح أو سم مدركي.

عاصفة متينة

احملني فوق موجك العاتي، أيها البحر المتجمد، البحر الذي لا مدّ له؛ عاصفة متينة مُغلقة السحاب المتسارع وآمالي. أن أثبّت بحروفٍ لائقة، أيها الجبل، شموخَ بهائك.
العين، متقدمةً الرِجل على الطريق الصاعدة، تروّضك بصعوبة. جلدك خشنٌ. هواؤك رحيب ينحدر مباشرة من السماء الباردة. وما وراء الحد المرئي، قمم أخرى ترفع شِعابَكَ. أعرف أنك تضاعف الطريق الذي يجب تجاوزه. إنك تحشد الجهود كالحُجّاج الذين يكوّمون الحجر: ثناءً.
ثناءً لعلوك، أيها الجبل. دع طريقي يكون مشقةً، درباً وعراً وقاسياً؛ دعه يتعرّجَ عالياً.
تاركاً إياك إلى السهول، علَّ أن يكون لها، ثانيةً، جمالٌ من أجلي.


الحرفيون الأردياء

هاهم، في دورِ السّماء الثماني والعشرين: المنوال المزدان بالنجوم الذي لم يغزل حريراً؛
الثور الموشّى بالنجم، المشدود من رقبته، والذي لا يستطيع أن يجرّ عربته؛

الشبكة المعقودة بآلاف العقد المنسوجة بإحكام حتّى تقع في أسرها الأرانبُ الوحشيّةُ، ومع هذا لم تأسر أيّاً منها؛
المِنْسَفُ الذي لا يذرّ القمحَ، الملعقةُ التي لا تُستعمل حتّى لقياس الزّيت!

وأهلُ الأرض الحرفيون يتّهمون السّماويين بالدجل وبعدم القدرة.

الشاعر يقول: إنّهم يشعّون!

مكتوب بالدم

لم يبق في قوس صدرنا منزع. لقد أكلنا خيولَنا، طَيرنا، فئراناً ونساءً، وما زلنا جائعين.

المهاجمون يسدّون كُوى السور. إنّهم آلاف مؤلّفة، ونحن لا نتجاوز الأربعمائة.

لم يعد في مقدورنا لا شدّ الأقواس ولا رشقهم بسيل من الشتائم، سوى أن نصرَّ أسنانَنا رغبةً في عضهم.

لقد عيل صبرنُا حقاً. على الإمبراطور، إذا تلطّف بقراءة هذا المكتوب بدمِنا، أن لا يقترب أبداً من جثثنا.

يجب ألاّ يستحضر البتّة أرواحنا: نريد أن نعود أرواحاً شريرة من أسوأ الأنواع:
تلهّفاً إلى عضّ هؤلاء وافتراسهم.

ترتيلة للتنّين المضطجع

التنّين مضطجع: السّماءُ صِفرٌ خواءٌ، الأرضُ ثقيلةٌ، الغيوم مضطربة؛ يخمد القمر والشمس نورَهما؛ للنّاس سمة شتاءٍ لا يمكن تعليله.

يتحرّك التنّينُ، فينفلق الضبابُ فوراً ويطول النّهارُ. طَلَلٌ مُغذٍّ يسدُّ الرمقَ. ننتشي وكأننا في بدء ربيعٍ غير مأمولٍ.

ينتفض التنّين ويطيرُ، له الأفق الأحمر، رايتهُ؛ الرّيحُ كطلائع، والمطر الكثيف موكب خفير. اضحكوا أملاً تحت فرقعة سوطه الواخز: البرقُ.

أنتَ أيّها المُرهَقُ، انتبه، أيّها التنّين المضطجع! يا مُلَوْلِباً! أيّها البطلُ الكسول النّائمُ في أحدنا، مجهولاً، خامداً، لم يُفصَح عنه.

هاهنا تين، نبيذٌ دافئ. هاهنا دمٌ: كل، اشرب، تَشمّم: أَرْداننا المرفرفة تناديك وكأنّها أجنحة ترفرف بقوّة.

انهضْ، افصحْ عن نفسك، لقد آن الأوان. اقفزْ بوثبة واحدة خارجنا، ولأجل أن تثبت بهاءكَ

اضربنا بذيلك الافعواني، اجعلنا سقماء بغمزة عينيك الضاويّتين، لكن ائتلق، ائتلق خارجنا!

الحلقة المقبلة: مائة قصيدة نثر عالمية