تعتبر القصة القصيرة فنا أدبيا حديثا وقد ترافق ظهورها مع تطور السوق ورغبة الكتاب بكسب المزيد من وراء النشر فكانت حاجتهم إلى أدب سريع ولا يضجر القراء أبدا. فكانت قصة قائمة في جوهرها على " تقطير السرد " و "تخفيض الكلام ". وتوجد قصص كثيرة مؤلفة من 20 صفحة كلفت وأدرّت على كتابها أكثر من روايات مؤلفة من 400 صفحة. وتميزت القصة القصيرة عن الرواية، فكانت الرواية عبارة عن اوركسترا موسيقية والقصة القصيرة مجموعة مؤلفة من أربعة عازفين كما يعبر عن ذلك أحد أبرز كتاب القصة القصيرة المعاصرة في بريطانيا الآن وليم بويد. هذا عن الحجم، وأما عن النوعية فلا يمكن أن نميز صفحة من رواية عن صفحة من قصة قصيرة ما يشبه ذلك التجاور الكبير بين القصيدة الغنائية lyric والقصيدة الملحمية القصصيةepic : القصة القصيرة هي قصيدة غنائية نثرية خيالية، والرواية هي القصيدة الملحمية. فيما يلي، تقدم " إيلاف " عرضا لأبرز نماذج القصة القصيرة مع أمثلة على كل منها مع الاعتماد وبتصرف على بحث طازج قدم تصنيفا جديدا للقصص القصيرة و نشره الكاتب القصصي الإنجليزي وليم بويد مؤخرا.


النموذج الأول : القصة الحبكة القائمة على الحدث The event-plot story

وهي عبارة اخترعها الكاتب الإنجليزي وليم غيرهاردي عام 1924 في كتاب صغير كتبه عن تيشخوف. استخدم هذا الكاتب العبارة أعلاه لتمييز قصة تشيخوف عن كل شئ سبقه. كل القصص القصيرة قبل تشيخوف كان قائمة على حبكة محورها الحدث : هيكل الحبكة هو الأكثر أهمية ويأتي السرد كلاسيكيا ليكون وفق بداية ووسطية ونهاية. وما فعله تيشخوف من ثورة حقيقية في عالم القصة القصيرة ليس تجاهل الحبكة وإنما جعل حبكات كل القصص مشابهة لحبكة الحياة اليومية من حيث الغموض والفوضى والعشوائية والفظاظة والقسوة والخلو من المعنى. والقصص القائمة على الحدث، التي كانت قبل تيشخوف، تمثلت بقصص الجرائم ((Conan Doyle والأشباح (WW Jacobs ).

النموذج الثاني : قصة تشيخوف The Chekhovian story ( القصة الحديثة )

يعتبر تشيخوف أب القصة القصيرة الحديثة، وقد حاول جيمس جويس أن ينفي تأثير تشيخوف عليه عندما كتب قصته Dubliners عام 1914 ( علما أن أعمال تشيخوف مترجمة إلى الإنجليزية منذ عام 1903 ) ولكن أكد نقاد في ذلك الوقت تأثير تشيخوف على قصة جويس كما أن تشيخوف أنار عقل جويس الأدبي ومخيلته التي بدورها أنارت أدباء آخرين.
كيف كانت قصة تشيخوف ؟ أراد تشيخوف النظر إلى جميع جوانب الحياة، التافهة منها والكوميدية وكذلك التراجيدية، دون أن يحكم عليها. لقد رفض إطلاق حكمه على الحياة كما رفض الاحتفاء بها، وذلك من خلال تسجيل تصرفات الناس كما تبدو وتركهم يتكلمون بأنفسهم بدون تلاعب بكلامهم أو ذم أو إطراء. وكان جيمس جويس أحد أبرز الذين اقتفوا أثر هذه التعاليم القصصية القائمة على موضوعية القاص.

النموذج الثالث : القصة الأكثر حداثة

باختصار إنها التأثير الجديد على عالم القصة القصيرة على يد أرنست همنغواي. في هذه القصة يكمن الغموض وتندلق أفاق وعوالم الصعوبة. قدم همنغواي أسلوبا جديدا في كتابة القصة من حيث " الغموض " المترافق مع أسلوب مقتضب في السرد دون خوف من تكرار الصفات. ويأتي غموض قصة همنغواي من خلال وجود شئ في داخل النص يجبر القارئ على القيام بجهود إضافية لمعرفته، وهذا ما يجعل القصة تترسخ في الذاكرة أكثر. لكن لو استخدم هذا الأسلوب في الرواية سيكون مضجرا. على سبيل المثال، في قصته "Hills Like White Elephants" يقف زوجان في انتظار القطار وتبرز حالة توتر بينهما، ثم تأتي تساؤلات مباشرة : هل هي( الزوجة ) في طريقها للإجهاض ؟ هذا هو غموض همنغواي الذي لم نعرف إن كان يقصد القطار فعلا أم المولود القادم. وهذا النموذج يتداخل مع النموذج التالي.

النموذج الرابع : القصة المبهمة The cryptic/ludic story

بينما كان همنغواي يقرّب الفكرة إلى القارئ ثم يبعدها فورا حتى يحافظ على الغموض، تأتي القصة هنا في نموذج جديد مبهم حيث يتحمل القارئ مسؤولية فك لغز القصة والمعنى الخفي الذي تعكسه دون أن يساهم القاص بتقريب الفكرة لقارئه. وأبرز كتاب هذا النوع من القصة فلاديمير نابوكوف وبورخيس. كلما حفرت أكثر وتعمقت في هذا النوع من القصص كلما عرفت أكثر. كذلك برز اسم Rudyard Kipling في هذا النموذج من القصة والذي يقدم سردا مطموسا ومخمدا بعناية suppressed narration .

النموذج الخامس : القصة الروائية المصغّرة The mini-novel story

إنها قصة هجينة ؛ نصفها رواية ونصفها قصة قصيرة، ومحاولة لإنجاز فكرة في عشرات الصفحات تنجزها الرواية في مئات الصفحات، حيث نعثر على شخصيات كثيرة ومزيد من التفاصيل الواقعية. قصة تشيخوف "My Life" خير مثال على هذا النوع من القصة التي يمتد زمن حبكتها سنوات وتقع الشخصيات في الحب وتتزوج ثم تفترق ويولد الأطفال ويموت الناس. ينطبق على هذا النموذج أيضا الثلاثية الفيكتورية التي يتم ضغطها لتصل إلى حوالي 50 صفحة. تصبح هذه القصص طويلة جدا لتؤسس أحيانا فنا أدبيا جديدا وهو الرواية القصيرة novella . وتتحاشى الحذف من الواقعة الكاملة أو محاولة التوضيح والتلميح. إنها باختصار تقول : ليست هناك حاجة إلى 400 صفحة لرسم صورة المجتمع.

النموذج السادس : القصة الشعرية الأسطورية The poetic/mythic story

هذا النموذج هو أبعد ما يكون عن الرواية والقصة الواقعية. وكتب كثيرون هذا النوع من القصة مثل: همنغواي، د. إتش. لورانس. هي قصة مبحرة في فضاء داخلي، أو تكون قصائد نثرية طويلة كما كتبها تيد هوغس و فرانك أوهارا. إنها قصة قصيرة شبيهة بالقصيدة وتتأرجح من سيل الوعي إلى الخرافي الذي لا يخترق.

النموذج السابع : قصص السيرة The biographical story

إنها قصة تستعير وتكرر خصائص غير أدبية non-fiction مثل التاريخ والتقرير الصحافي والمذكرات، وبنفس الوقت يمكن إدخال عنصر الخيال والأدب إليها. وقد برع بورخيس باستخدام هذه التقنية. يولع الكاتب هنا باستخدام الحاشية والقوائم حتى يمكن القول إنها قصة هجينة مؤلفة من نموذج القصة الأكثر حداثة إلى جانب السيرة. ومن الصفات الأخرى لهذا النموذج أن كاتب هذه القصة يحاول أحيانا إدخال الخيال إلى الحياة الواقعية لأناس حقيقيين.