قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

حائز النوبل يريد العالم يأتي إليهم

مازن الراوي من برلين: وول سويينكا، هذا الجوّال الطائر ـ كما يسمونه ـ المحتشد بالطاقة وبالمشاريع ، وصل قبل فترة الى برلين ليساهم وليفتتح مهرجان " إن ترانزيت" الذي حشد عددا من الفرق الموسيقية من العالم لتقدم عروضا تعنى بإغناء وبامتزاج ثقافات متعددة يمكنها ان تتفاعل فيما بينها.وفي "دار الثقافات العالمية " قدّم سويينكا عملهُ المسرحي وأنشد فيه قصائده، ثمّ استقل بعد أيام قليلة قضاها في برلين طائرة ليسافر الى لوس أنجليس وسانتا في. ولكن سويينكا، كما قال، لا يعرف أين سيحتفل بعيد ميلاده السبعين في الثالث عشر من تموز في زحمة المشاريع والمواعيد التي تشغله ولا تدع له وقتاً لهذه المناسبة. وعلق بهذا الصدد: " آمل أن أخلص نفسي من الإزدحام والضجيج. أنا لا أهتم في الواقع بعيد ميلادي. لقد احتفلت للمرة الأولى بهذه المناسبة وعن قصد، في بريطانا، حين بلغ عمري 21 عاماً. كنت آنذاك أغسل الصحون".

وول سويينكا، الشاعر والكاتب والمسرحي والسياسي الناشط، تُوِّج في العام 1986 بجائزة نوبل للأدب كأول أفريقي أسود. ومنذ ذلك الحين يُحتفل به أينما حلَّ: يقرأ من أعماله ويحاضر أو يقوم بإخراج أعماله مسرحياً. يحتفي به الجمهور ويستمع إليه في حلقات الحوار أو على المنصة.

ولإنه داعية سياسية يعني بالحرية وبحقوق الناس وبآفاق التطور الديمقراطي للمجتمع الإنساني في إطار معايشة وإمتزاج غني لثقافات متعددة وأديان مختلفة وأعراق متباينة فقد لاقى في حياته اعتقالات وسجونا. وهو يعكس عموماً في أعماله تلك القناعات التي تورث له المتاعب ويوظفها في نشاطاته. وقد أُلقيَ القبض عليه مؤخرا لفترة قصيرة عندما إشترك في لاغوس بتظاهرة طالبت بتنحية الرئيس النيجيري "أولسغون اوباسانيو". ويعلق سويينكا على الإعتقال الأخير قائلاً: " أُعتقلت لفترة قصيرة " ثم يحرك كفه بلا أبالية. ومن الواضح بالنسبة الى رجل ترك خلفه فترة طويلة من السجن الإنفرادي ومن قسوة السجانين أن لا يعبأ كثيراً باعتقاله الأخير.

إحتُفِلَ بسويينكا في برلين احتفالاً كبيراً، وكان الشخصية الرئيسية لدى افتاح مهرجان " إن ترانزيت" الضخم الذي أشتركت فيه فرق غنائية وموسيقية و رقص من العديد من البلدان في العالم فقدمت تظاهرة ثقافية لعالم واحد تتداخل وتتفاعل فيه الثقافات لتغني بعضها البعض. وقدم كوفي كوكو وبيتر باديجو وأكيرا كاساي وأبوبكر عثمان وفرق كثيرة من العالم اجتمعت في برلين، قدمت أنشطة احتفالية استمرت أياماً. فيما عرضت مجموعة " أطلس " المتكونة من وليد رعد وتوني شاكر وبلال خبيز نشاطاً تحت عنوان "رقبتي أدق من الشعرة" لأجواء العنف المجاني في الحرب الأهلية اللبنانية.

إفتتح المهرجان الضخم بإخراج قصائده سويينكا اللندنية ـ التي كتبها في 2002 ـ تحت عنوان " سمرقند وأسواق أُخرى عرفتها ( وقد صدرت مترجمة الى جانب لغتها الإنجليزية الأصلية الى الألمانية ). واشترك سونيكا الى جانب كوفي كوكو و باديجو في العمل المسرحي مع مجموعات الغناء، بينما أنشد قصائده بنفسه باللغة الإنجليزية. وفي هذا التقديم الممسرح المتسم بالحداثة والإحتفالية ساهم راقصون من قوميات وشعوب مختلفة ومساعدون يقرعون الطبول وباعة متجولون يحلون ويذهبون، ليخلقوا أجواء اسطورية عن العالم بإعتباره سوقاً.

يستخدم سويينكا في عمله المسرحي وفي بعض نتاجاته " حقيقة تاريخية وسوسيولوجية " تستحضر الإمتزاج الأفريقي ـ الغربي عبر قرون، الإمتزاج الذي صاغ الديانة الأفرو كوبية ـ أوروشا ( التي تسمى أحياناً سانتيريا). وهذه الحقيقة التاريخية التي جاءت بالتقاء ديانات وتقاليد يوروبا ـ أورريشا ألأفريقية بالكاثوليكية الإسبانية في عهد الكولونيالية حيث امتزجت معتقدات وعادات العبيد الأفارقة السود بمعتقدات المستوطنين الكولونياليين ولّدت شكلآً جديداً من التدين ينظر إليه سويينكا نظرة احترام وغبطة ويوظفها توظيفاً يخدم قناعاته. ويعود هذا الإنصهار الى قرون خلت، حين تمَّ استعباد حوالي مليون من السود الأفارقة من وسط وغرب أفريقيا من قبل الكولونياليين ونقلهم الى كوبا، ثم المتاجرة بهم واستخدامهم في العمل بالحقول والمزارع.

وينظر سويينكا، ليس فقط الى الإمتزاج الديني والتأثير المتبادل في القرون الماضية، بل يقدم واقعاً آنيا في الهجرة الواسعة التي حدثت في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات من كوبا الى فلوريدا وميامي وشيكاغو ليحمل المهاجرون الثقافة الكوبية بثقافتها وتقاليدها الأفروكوبية وليؤثروا في المجتمع الأمريكي. وعندما يحمل سويينكا رسالة عالم واحد متنوع يعيش فيه جميع الأديان والقوميات والأعراق بسماحة وبسلام يُغني الواحد الآخر ويتفاعل معه فهو يقدم هذا العالم في عمل فني ميدانه المكان المفترض: السوق ـ حيث يجتمع فيها الناس ويتبادلون بالنقود وبالبضائع، السوق التي هي الآن عنوان دينامية المجتمع البضائعي. ولكنه، بنقده لجوهر المجتمع الإستهلاكي، يذهب سويينكا الى "سمرقند وأسواق اخرى.." ليوحي الى تاريخ الإنسانية التي استطاعت في سياق التاريخ ان تقدم نماذج من التلاقح والتأثير المتبادل وفي امتزاج حضارات متعددة شكلت الى حد ما مجتمعنا المعاصر.

"العالمُ سوقٌ" إسم أغنية من أغاني "يوروبا"، مأخوذة من جملة في عمل سويينكا الشعري " سمرقند.." التي يكررها دوماً. ويكرس سويينكا ذلك بقصد، وقد عمل دائماً على ربط أساطير يوروبا وتقاليدها بنمط الحياة الغربية. والسوق، هي في الواقع، موقع مجازي لتبادل وتفاعل الثقافات المختلفة بين الناس. والشعر بحد ذاته هو في هذه الحالة بمثابة رؤية لسعادة غامرة ونشوة لذوبان القوميات والأعراق والديانات في بوتقة من السماحة والتفاعل المتبادل. ويقدم العرض المسرحي الطقوسي في هذا السياق الدراويش البيض المتصوفين وهم يدورون في حلقات، يتسارع رقصهم ليصلوا الى الغيبوبة، يرفعون أصواتهم بالآذان. أما البوذيون فيقبعون في حالة من الإستغراق والتأمل، يتمتمون مبتهلين، فتختلط الأصوات. الكل يتبادل الحجب والطلاسم والتمائم مثلما يتبادلون ويوزعون على بعضهم أكاليل الزهور. ينادون على آلهة يوروبا وعلى أرواح أوروشا. المعبد والتجارة، التجار والقديسون كان جميعهم في " سمرقند". إنهم دوماً رفاق الروح وواسطة إنتقال وتبادل لما يتطلبه الجسد والروح. هذا هو سمرقند وهذا هو اسمه.

تربى سويينكا في مجتمع سمح، يحترم فيه المسيحي المسلم وبالعكس، وثمة معتقدات افريقية كثيرة تتعايش فيما بينها. ويتقبل الناس الإختلاف. هذا ما دونه سويينكا في سيرته الذاتية " آكي" وقد بقي يلحّ و يؤكد في كتاباته على هذه المسألة. وعلى أية حال يكشف الآن في عمله المسرحي ضرورة أن تتعايش الأديان والأعراق في تسامح، لأنه يرى في الوقت الحاضر ما لم يره في طفولته من التناحر. لذلك فإنه عندما يقدم عمله " سمرقند.." يريد أن ينتقد الأصولية والتحجر والمجتمع البضائعي الذي يختزل الإنسان من الروح ومن عمق المشاعر. وهكذا يتمسك الشاعر بصورة طفولته تمسكاً محكماً ليقدم ـ رجل المسرح ـ مرة أخرى موضعاً للتقابل والتجمع وللتبادل السمح بين أناس مختلفين قادرين على التحوّل، ويطلب للناس سمة دخول وخروج " للباعة المتجولين".

وسويينكا المتجول، بعد أن وصل برلين مفتتحاً مهرجان " في الترانزيت" سرعان متا غادر العاصمة الألمانية وهو عكر المزاج من هذا الإنتقال والطيران من مكان الى آخر، قائلاً: " في بعض الأحيان أتمنى أن لا أتجوَّل في البلدان وإنما يأتي العالم إليَّ". ثم يعلّق بسخرية سوداء عن بداوته المنفلته وشعوره بصخب العواطف في داخله، وهو الرجل السبعيني، فيقول: "أعتقد بأنني سوف لا أكبر وأمتثل لحكم الشيخوخة ودعتها. أشعر ببساطة انني لست ذلك الشيخ السبعيني. ولربما أحتاج الى عالم نفسي يعالجني ".