بحثا عن كلبتنا نوسا

كركوك من التكريد الى التغريب:

عادل كمال: ارجو ان لا يخطر في بال احد ما، انى افتعل البحث عن كلبة، كضربة صحفية، فالموضوع جاد وحقيقي: الماء في صحني - وصحن اي مواطن عراقي مسحوق - قد وصل الى درجة الاتقاد، ويجب ان تتبخر معه الروح وتطير، لتلامس فنائها الخاص: لااحد بامكانه ان يوقف السيل العارم، الغاضب، المندفع بضراوة، كالذي يظهر في المشهد الاخير من فيلم " العذراء والغجري " المأخوذ عن رواية د.هـ. لورنس، وهو الفيلم الذي كان معروضا على شاشة سينما" صلاح الدين " ساعة حرقها، من قبل الاصوليين في كركوك، قبل شهر، فأمام أعنـّة الطوفان لا يملك النبع لنفسه شيئا.
كما اننى يائس من جملة اليائسين - يقول انسي الحاج: انا يائس فممَ اخاف - فليس من حق احد ان يفرض علينا، نحن القطيع من بسطاء الناس، معادلاته الخاصة في الفرح الاشتراكى او الديموقراطى او الاسلامي او القومي، لكثرة ما لطمنا في مواكب تلك الافراح، كفاكم الله شرها، ولنا في شقيقتنا العظيمة " شمهودة " اسوة حسنة !!

ثم انى مللت من مراجعات الدوائر الحكومية، العربية والكردية والاسلا مية، التى وجدتها ماهولة بفراغات لاتقبل ان تلتئم، لأن صراعها مع الوجود والكون، وحل المعضلات الكبرى للوجود البشرى، اكبر من ان يسمح لها لحظة بالتوقف، أوالالتفات نحو محنة رجل وجد بيته محتلا من الاغراب، او امرأة اخذوا زوجها شباب الارهاب ولم يعد بعد، او ام - كم انا مشتاق لكِ ياام حنان - لاتزال تعتقد ان ابنها الشهيد لايزال حيا، او.. حقا، ماذا انتظر من حكومة غير قادرة ان تعيد للناس حقوقهم، او ليس في نيتها ان تلامس جراحاتهم بيد حانية، فلا المفصول من وظيفته عاد، ولاالذي صودرت امواله وجد مكانا يأوي اليه، ولا جيوش العاطلين عن العمل انتظمت في وظائف البناء؟ أ ليس من حقي اذن ان احلم حلما بسيطا، يقينى من شر الوعود الغامضة، بزيادة الرواتب، او بزيادة الحصة التمونينية، وكأننا شعب لايحلم الا بزيادة العلف وتكبير المعلف، وما يغيضنى اكثر، في هذه القضية بالذات، ان حكومتنا رفعت شعارا فريدا من نوعه، لم تطرحه الى الجمهور، لانها - كأي حكومة امرها ليس بيدها - يجب ان تخلق تناغما بين المحتل والمحرر، تاركة الجياع يلهثون وراء سرابها على طريقة: " خل ياكلون بسلامة خالهم " وهو شعارها غير المعلن..!!
اليس من حقي، اذا كانت هذه هي الحال، ان اسعى جادا في البحث عن حميمياتي: ذكرياتي ومقتنياتى، اوراقي، صوري، وكلبتى، وان لاانتظر بعد ذلك مساعدة ما، من اي جهة، سماوية كانت اوشيطانية: ببساطة لم لااترك الحكومة بحالها، مشغولة بمحاكمة صدام او اعلان الحروب الداخلية، او اعادة البعثيين الى وظائفهم، او حتى جمع التبرعات لبناء تمثال لجورج بوش - من يدري، وامشي بحالي، باحثا عن ثلاجتى ومجمدتى وسريري ووسادتى - عليها تعويذة، هي: غزال يدور حول خوذة؟!

" نوسه " اذن،" ياخلان الصباح" (رينيه شار) كلبة حقيقية: سوداء، نصحني الرجل، الذي وجدته قد احتل بيتى، ومعه سند الطابو الرسمي، ان اسال عنها الساكن الاول للبيت من بعدي، فهو - اي المالك الحالي- الرابع في سلسلة المالكين الذين اشتروا البيت وسكنوه، من بعد سياحتى في بلاد الله الواسعة، ولابد ان هذا الساكن قد عرف عن مصيرها شيئا.
وطبعا لم استمع الى نصيحته، لأن لى مخططاتى، التى كانت نائمة في لاوعيي، والتى تجلت لى واضحة في " باي حسن "وانا ارى الى النار الازلية تنفخ في وجهى، من احد فوهات ابار النفط المنتشرة هناك، وهي متروكة عرضة للانتهاك لاي من كان، حتى ليبدو ان الحال، في اراقة دماء الانابيب النفطية، بدون طائل، عادة " وطنية " متأصلة، فلا يزال هذا السائل السحري من جانب، جالب الويلات والمصائب من جانب اخر، عرضة لآن يسيح في الوديان والبراري، على ايدي " المقاومة العراقية " و " جند الاسلام " وقريبا جدا - كما يقولون - سيدشن "جيش المهدي " نشاطه فيها، وانا لله وانا اليه راجعون بعد ذلك، سيما وان العرب قاطنى كركوك يصرون على ان تخريب الانابيب النفطية، بل والهجومات المتكررة على القاعدة الاميركية في مطار كركوك سابقا، ماهي الا من تدبير قوات التحالف، لالهاء الناس عن مطاليبهم.
هكذا قادنى البحث عن " نوسه " الى سجالات متعددة مع اطياف متنوعة، يتالف منها المجتمع الكركوكلى، وادخلنى، بطريقة غير متوقعة، في متاهة البحث عن ذاتي العراقية، التى وجدت ان احدا ما قد مزقها في غفلة عن الزمن، كما خريطة، ووزعها بين الشمال والوسط والجنوب، تاركا بين قصاصتها المتناثرة اثارا مشتركة، عليّ ان اجمعها، كي اعيد رسم الخريطة كما هي في الاصل، كما لو انى حلقة في لعبة معقدة، كتلك التى تعرض في صالات الالعاب الالكترونية، المنتشرة في احياء كركوك الراقية والفقيرة.

لعبة.. لكن اخطر ما فيها هو الافتراضات المحتملة للم الاجزاء الى بعضها، فهي تسمح - الافتراضات- لتخريب الفيسفساء التى تتكون منها الذات العراقية، ان لم يحسن المرء اختيار بعضها، او ان لم يحسن - من جانب اخر - التعامل معها، وكركوك تعد مثالا نموذجيا للفيسفساء المكونة للذات العراقية، وطريقة التعامل الحالية مع هذه الفيسفساء - الخريطة تنذر بتخريبها، ان اصرجميع الاخوة - اكرادا وعربا وتركمانا، شيعة وسنة- علىالاشتراك بلعبة الذات الممزقة،على نفس المنوال الذي اشترك به البعث العراقي سيء الصيت سابقا...
ولايبدو ان احدا ما سيلتفت الى ذلك، اذ النموذج المطروح لتغيير هوية المدينة، هو نسخة طبق الاصل للنموذج البعثي، ربما لأنه النموذج الجاهز المطروح، فمثلما احاط البعثيون مركز المدينة الاصلي بالاحياء العربية، احاط الاكراد المدينة باحياء كردية مقترحة، توزعت فيها الخيام على محيط من الارض حول كركوك، واسوة بهم فعل التركمان، الذين نشروا خيام " نازحيهم " في " طوب زاده " و" يايجي " شمال غربي المدينة.
صديقي التركماني تيمور، من الشوارع الخلفية لحى القادسية العربي- يطلقون عليه " حافات المياه " - قدم لي ملاحظة ذكية، مفادها ان التركمان يميلون الى جعل تجمعاتهم السكنية ممتدة بشكل خط مستقيم، او متعرج، فيما الاكراد فيميلون الى نشر تجمعاتهم بكل الاتجاهات، دون ان يفرطوا بقيمة القرب من بعضهم البعض، اما العرب فلا يعبأون بكل ذلك، بل هم لم يفكروا بتجارة العقارات التى كانت مفتوحة امامهم، على عكس القوميات الاخرى التى اتجهت، بعد تحرير كركوك، الى توسيع امتلاكها للعقارات، ولذلك فقد زادت محال بيع وشراء العقارات في المدينة، بحيث لايخلو منها مبنى حديث في الاحياء المختلفة، وقد كتبت عليه دلالات باللغة الكردية والعربية معا، اما اللغة التركمانية، فتكاد لغة منسية، مقارنة بهاتين اللغتين.

اللغة الكردية ايضا صارت هي اللغة الاولى في الدلالة على اسماء الدوائرالرسمية، وهي عادة ما تكتب فوق العلامات الدالة عليها باللغة العربية، و فيما يرتفع العلم العراقي الرسمي فوق جميع البنايات الرسمية، ترفع بعض الدوائر علم كردستان، سيما تلك الدوائر والهيئات والنقابات....التابعة للا حزاب الكردية قاطبة، فالاكراد يصرون على فصل نقاباتهم المهنية عن مراكزها العامة في بغداد، كالاطباء والمهندسين والمحامين..الخ، كما ان نفس هذا الاصرار متوفر لدى الحزبين الكبيرين، فهناك، مثلا، نقابة للفنانين في اربيل وهى مركز عام، تقابلها نفس النقابة في السليمانية كمركز عام ايضا، والاختلاف بينهما، على يبدو، ليس جوهريا...


هنا وجدتنى اتسائل: ان كانت المدينة، اي مدينة، تكتسب هويتها من " الكثافة القومية " لقاطنيها فقط، ام من دمغة خاصة، بصمة ما، بصمات، تجعلها ذات هوية وامتياز معين، بعيدا عن الشعارات والاعلام والرايات،اذ انت في كركوك لاتشعر بمدينة كردية او عربية او تركمانية او اثورية، قدر شعورك انك امام فيسفساء من كائنات،غير عابئة بانحداراتها القومية او الاثنية، وانما هي منشغلة بهموم الحياة، وبانتظارها لمايجىء به الغد، خاصة عندما يدوي انفجار ما في احد احياء المدينة، التى لازالت لم تتخل عن عادتها في اقفال المحال التجارية والذهاب الى النوم مبكرة جدا، حتى ليبدو ان امر منع التجوال المفروض عليها من سلطة التحالف، و الذي يبدا عادة في الساعة الحادية عشرة مساءا، طقسا عابثا.
ومن الطريف حقا، طوال شهر طفت به المدينة، ان يكون الوقت المفضل للهجوم على القاعدة الاميركية، من قبل ما يسمى بـ " المقاومة العراقية " هو الوقت القريب من بداية منع التجول، اي مابين الساعة التاسعة الى العاشرة والنصف مساءا !! وكأن الانصراف الى النوم مبكرا عقد يتفق عليه الجميع،
بما فيهم اخواننا اشقاء الهزائم (التعبير لعقيل على).
هكذا فانت في مدينة لاتزال مثقلة بوجع خفي، فاقمته الصراعات الحالية على امتلاكها، بعد ان حيـّدته فرحة الانتصارعلى الفاشية البعثية: في "حي الشورجة " امسكت بخناقي امراة: " وين ابنى؟ " ولم اتخلص منها الا بمعونة اصدقاء اكراد وتركمان كانوا برفقتى: المسكينة ام مفجوعة فقدت ابنها في احد الانفالات، ورأت في ضربي متنفسا لغضبها وحزنها ومرارتها.
بعد ان انصرفنا عنها، ضحك احد رفاقي منى: " نوسه راح اتوديك بداهية !!" وتلعثمت. لم اسخر كعادتى، بل بقيت واجما حتى وصلت البيت:
مرة، عام 1996، وصلنى احد ابناء اشقائى الى شقلاوة، قبل مصادرة بيتى، واخبرنى: "ان نوسة، ياعمى، موضوعة تحت المراقبة ايضا، فكل من يلاطفها يعتبر متعاونا معك. التقطتنى الفرقة الحزبية، وانا امسح على ظهرها، وعندما استفسروا عن هذه الالفة، اخبرتهم: انك عمى، وكان ماكان.............. "
............
............. والحال:
لم يكن ثمة اثر لـ" نوسة " فعلا، فالشارع، حيث كنت اسكن، لم يعد كما هو: اغراب لااعرفهم، سوى جارة ترملت في احد الحروب، اخبرتنى ان الساكن الاول قد حاول ان يطرد كلبتى عبثا، اذ كانت تعود في الليل وتقيم حفلا من العواء لا ينتهي حتى الصباح، فتنصرف مصطحبة معها قطيعا ضالا من الكلاب، يتوارون في تلك البرية المفتوحة، ثم تعود ثانية في الليل، حتى اختفت ذات يوم، ولم نسمع نباحها بعد.
.................
وصلت البيت، كنت افكر بتلك المرأة، في حي الشورجة، وبنهاية هذا التقرير المفتوح على مصراعيه، وبالليل، الليل الذي يفر من الليل الى الليل:
كان الاولاد ينتظرون اجابتى عن اسئلة بسيطة وعميقة: مافائدة كل هذا؟ ولم تعبث بنا نحن ايضا، وماذا تريد؟
......انتزعت عينيّ من مكانهما، حولتهما الى كرتين - او لست شاعرا؟- دحرجتهما الى الامام، كي يلعبوا بهما، ريثما تصفي الحكومة حساباتها التى لاتنتهى، وانحنيت: فتحت حنفية الماء، وتركتها تبكى...


[email protected] hotmail.com