قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

القاهرة من سعد القرش: مع الانتهاء من قراءة كتاب (عصر الصورة) للناقد المصري شاكر عبد الحميد يصل القاريء إلى ما يشبه اليقين بأننا نحيا عالما من الصور تستعار فيه الاحلام والانتصارات والحروب والكوابيس. في السطر الاول من الكتاب الذي أصدرته قبل أيام سلسلة (عالم المعرفة) بالكويت يلفت عبد الحميد أستاذ علم نفس الابداع ونائب رئيس أكاديمية الفنون المصرية الانظار إلى قول الفيلسوف اليوناني أرسطو "لا تفكر الروح أبدا من دون الصور." لكن مقولة أرسطو (384 - 322 قبل الميلاد) تبدو شديدة التواضع مقارنة بالعالم المعقد الذي تحولت فيه الصور بحضورها الكثيف وتأثيرها الطاغي في السنوات الاخيرة ليس إلى أداة للتفكير بل للتضليل أيضا.
وفي الكتاب الذي يقع في 460 صفحة يبدو الكاتب أشبه بجراح هاديء الأعصاب حين يسجل أن ثقافة الصورة التي بدت كوحش لا يردعه شيء في عالمنا هي "محصلة للثورة التكنولوجية. إنها ميلاد لاداة في الابداع والمعرفة (حيث) تحمل التكنولوجيا الالكترونية الجديدة وعودا بتدشين حقبة جديدة من الحرية والمرونة في خلق الصور." ولكن الثقافة الغربية المتفوقة التي أثمرت هذه التقنية العالية أفرزت أيضا نقادا نبهوا إلى خطورة استخدام الصور في الخداع وتحويلها إلى تكريس دكتاتورية ملاك الحقيقة العلمية المطلقة.
فالفيلسوف الفرنسي جان بودريار أطلق في مطلع تسعينيات القرن العشرين مقولته الشهيرة وهي أن حرب الخليج لم تقع بل شاهد الناس منها نسخة تلفزيونية.

ويعلق عبد الحميد قائلا إن الحروب التي تدور الآن تبدو أقرب إلى الحروب التلفزيونية "لقد كانت حرب الخليج الثانية (عام 1991) حربا متلفزة بدرجة فائقة. كانت صور الحرب متميزة في كونها تنقل إلى البشرية من أماكن بعيدة. لقد كانت مشاهد بصرية لم يشاهد البشر مثلها من قبل." وشنت قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في يناير كانون الثاني عام 1991 حربا على العراق لاخراج القوات العراقية من الكويت التي غزاها الرئيس العراقي السابق صدام حسين في الثاني من أغسطس آب عام 1990.

ويقول عبد الحميد إن طبيعة تلك الحرب كانت مختلفة عما سبقها إذ انتقلت قنوات التلفزيون إلى قلب العمليات العسكرية التي بدت مجرد مشاهد بصرية في حين لم يشاهد المتابعون صور الموتى أو الضحايا "فكثيرا ما كان يجري ابعادها (صور الموتى) عن الشاشات. رأينا صورا جرى توظيفها بدقة كي تبدو حقيقية. إنها تمثيليات الحروب وليست الحروب ذاتها." وأوضح أن حرب الخليج لم تحدث بالمعنى التقليدي للحروب مشيرا إلى أن الحروب الأخيرة بما فيها حرب أمريكا التي أسقطت نظام طالبان في أفغانستان في نهاية عام 2001 كانت "أحداثا مبرمجة.. برامج يجري تصميمها وتنفيذها وعرضها ومشاهدتها على هيئة صور متدفقة يوميا. إنها حروب تحدث عبر الواقع الأعلى عبر عالم الصورة. إنه عالم يختلط فيه الواقع بالخيال ويتم فيه التلاعب بالحقائق وبالصور ويكون الزمن الافتراضي فيه سابقا على الزمن الواقعي."
وأضاف أنه في مثل هذا النوع من الحروب التي وصفها بالبصرية تختلط الحقيقة بالواقع "بشكل لا يمكن الفصل فيه بينهما بدءا من التدريب على خطة افتراضية للحرب إلى تنفيذها إلى عرضها من خلال شاشات التلفزيون والانترنت. "وعلى رغم مما يقوله بودريار فان حرب الخليج الاولى (العراقية الايرانية) قد حدثت كما حدثت حربا الخليج الثانية والثالثة" في اشارة إلى الحرب التي شنتها الولايات المتحدة في مارس آذار عام 2003 على العراق وأسقطت نظام صدام باحتلال بغداد في التاسع من أبريل نيسان من العام نفسه.

ولكن عبد الحميد شدد على أن "ادعاء بودريار بأن حرب الخليج عام 1991 لم تقع على أي أرض مادية فكرة متهاوية." وقال إن عرض مشاهد الدمار والموت في الحروب التي ترتكب فيها جرائم القتل الجماعي على سبيل المثال تصيب بعض المشاهدين بالرعب ولكن الموت يتحول لدى آخرين "إلى نوع من الرضا السري الضمني الخبيث لان شخصا آخر هو الذي مات ونحن مازلنا نحيا. لقد حدث الموت على مبعدة منا ونحن شاهدناه داخل الاطار الخاص بالتلفزيون على الشاشة مسبوقا أو ملحوقا بأعمال فنية وكوميديا ورياضة وأغان. "إنه مثلها نوع من المشاهد والصور والالعاب مثلما نشاهد أعمال القتل والموت في المسرحيات والافلام فتتكون بداخلنا خبرة بديلة. إن ما يحدث لغيرنا على الشاشة صورة ترى ومن خلال التعرض المستمر لها قد يحدث الاعتياد عليها... وبعد الاعتياد قد يجيء النفور وهذا سر من الاسرار الغريبة والسلبية لعصر الصورة." وقال عبد الحميد إن ما يحدث في مثل هذه الحالات ليس إلا رغبة في تجنب المعرفة "لان المعرفة مؤلمة والتجاهل مريح." ولعبد الحميد مؤلفات منها (العملية الابداعية في فن التصوير) و(الادب والجنون) و(دراسات نفسية في التذوق الفني) كما ترجم كتبا منها (العبقرية والابداع والقيادة) و(سيكولوجية فنون الاداء)